|
تستثار المسألة الجنسية اليوم في مجتمعاتنا المعاصرة بشكل جنوني لم يسبق له مثيل في تاريخ البشرية، ويوما بعد يوم نجد الضحايا تتداعى من وراء الإفراط في تأصيل دور الشهوة، حتى أضحت كل الوسائل التي طورها الإنسان من أجل راحته وسرعة تواصله مع الآخرين تسخر بكل إمكانياتها المتقدمة في إثارة الشهوات الحيوانية لدى إنسان العصر، مما حول هذا الإنسان إلى مجرد موجود غريزي يفتقد العقل والرغبة في التسامي على اهتماماته الحيوانية الضيقة، وتتمثل تداعيات الاستثارة الجنسية المحمومة في مظاهر عدة، يمكننا رصد التالي منها:
المظهر الأول: انهيار منظومة القيم الأخلاقية والفطرية التي جبل عليها الإنسان، فأضحينا نرى محاولات مكثفة ليس لممارسة مظاهر الشذوذ الجنسي كالزنا واللواط والسحاق فحسب، بل ولشرعنتها، والعمل على الاعتراف بالحق في ممارستها أسوة بالزواج بين الجنسين، كما أضحت علاقات المثليين مستساغة عند الكثير من شواذ العصر.
المظهر الثاني: تحولت المرأة إلى سلعة تجارية، بل إلى أدون من أن تكون سلعة، فقد صارت تستخدم عبر إبراز مفاتنها للترويج للسلع والبضائع، وهكذا تحولت المرأة بكل جمالها ونقائها وعاطفتها وأنوثتها إلى جسد مفرغ من كل هذه المعاني، يستخدم لأغراض الزينة والدعاية.
المظهر الثالث: رغم كل الانفتاح وافتقاد الضوابط الأخلاقية في أغلب العلاقات الجنسية السائدة في المجتمعات الحديثة والمعاصرة، إلا أن الملفت للنظر بروز وتنامي ظواهر الشذوذ الجنسي من اغتصاب، وزنا، وانتهاك حرمة المحارم والأطفال، حتى أن مجلة Newsweek العربية ذكرت أن (نحو نصف الفتيات البالغة أعمارهن بين 10 سنوات و25 سنة يصرحن بأن لقاءهن الجنسي الأول كان بالإكراه).
المظهر الرابع: تعاني العلاقات الثنائية بين الجنسين من انتشار واستفحال استخدام العنف في داخل الأسرة، وحتى في علاقات الصداقة بين الرجل والمرأة، (وتقدر الأمم المتحدة أن نسبة واحدة من كل ثلاث فتيات ستقع ضحية العنف خلال حياتها) كما يقول المصدر السابق.
المظهر الخامس: أسوأ ما أفرزه غياب الانضباط في العلاقات الجنسية في العصر الحديث هو تلك الحزمة من الأمراض الجنسية المعدية، والتي صارت تنتشر في مجتمعات العصر انتشار النار في الهشيم، حتى أنها صارت تمثل كارثة وطنية في بعض بلدان العالم، كما هو الشأن في بعض بلدان أفريقيا، ولقد كان للمرأة النصيب الأوفى من هذه الأمراض (ففي منطقة أفريقيا، ما وراء الصحراء الكبرى، تشكل النساء نسبة 60 بالمائة من المصابين بالإيدز) كما تذكر الصحيفة نفسها.
والنتيجة: أننا نعيش في عالمنا المعاصر كارثة بشرية كبرى بسبب هذه الثورة الجنسية الحمقاء التي عمم ونشر الغرب نمطها وروج لها، والأخطر في ذلك كله أن هذه التداعيات الخطيرة في مجال العلاقات الجنسية والثنائية بين الرجل والمرأة تمت في أجواء المناداة بضرورة ترسيخ حقوق المرأة، ليتحول هذا الشعار إلى مطية يمتطيها كل مصلح ومفسد، من دون التمعن في الأضرار التالية التي ألحقها هذا الشعار بوضعية المرأة ودورها التربوي والاجتماعي، وهو ما يميط اللثام عنه "بيير داكو" في كتابه القيم، والمعنون بـ "المرأة بحث في سيكولوجية الأعماق"، إذ يفتتح الفصل الأول منه، والمعنون بعنوان: "خدعة الحرية"، بالقول: (لم يسبق للمرأة أن كانت مسحوقة، ومنهارة، ومستعمرة، وخامدة، مثلما هي عليه الآن.
ويمثل عصرنا أكثر العمليات دناءة في تاريخ المرأة.
فالمظاهر خداعة، ذلك ٍأن الفخ مموه على نحو يثير الإعجاب.
والجنسان في العمل يبديان وجها خارجيا باهتا على نحو متماثل. ومع ذلك، لم يطرأ أي تغير على صراعهما، بل ربما أصبح أكثر ضراوة.
والورود تحف بمعتقل العمل في الخارج. فالنساء، من جهة ينلن حقوقهن العادلة، الاجتماعية والقانونية، والعمل، من جهة أخرى، ممنوح لهن في العالم إلى حد الإشباع. ولكن في أي عالم؟ في عالم الرجال بالطبع.
والنجاح الكبير في هذا السياق من الخداع أن المرأة تظن غالبا أن هذه الحالة الجديدة حرية حديثة العهد. ويمكن للرجال الذين يرغبون في استعباد المرأة أن يتنفسوا الصعداء. لقد تم الأمر ووقعت في الفخ. إنها على وشك أن تفقد شخصيتها وأصالتها الخاصتين. ومفعول روعتها وقدرتها الداخليتين تم إبطاله) [بيير داكو: المرأة.. بحث في سيكولوجية الأعماق، ص 17].
وأحسب أن المرأة المسكينة قد كانت خديعة الرجل للمرة الثانية في هذا العصر في المجتمعات الأكثر حداثة وتطورا، بعد أن خدعها في المرة الأولى في المجتمعات الذكورية الأكثر رجعية وتخلفا كما يرى البعض، ولكن السؤال المهم في هذا الشأن: ألا يقال أن المرأة أكثر قدرة على المكر والخديعة من الرجل؟ فكيف استطاع الرجل أن يخدعها مرتين؟
وما أظنه أن المرأة قد أعانت على نفسها عبر تماهيها المفرط مع صيحات التحرر، والتي انطلقت بلا ضوابط وحدود، لتكتسح في طريقها كل القيم الدينية والاجتماعية، من دون تفريق بين قيم هي بمثابة أعراف اجتماعية معيقة للمرأة عن نموها وتطورها، وقيم لا مناص من وجودها لتقف كسدود في مواجهة الشهوات المنفلتة التي تتربص بالمرأة أكثر من غيرها، وتبتغي افتراسها قبل غيرها، ولكن من المؤسف أن المرأة في تجربة العصر الحديث، وبالتحديد في تجربة الغرب الحداثية، وما بعد الحداثية كانت ممتثلة تمام الامتثال لما نهى الله عزوجل عن امتثاله حينما قال: (ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا...) [النحل 92]، ولا يخفى على العاقل أن العبثية التي أعانت المرأة على تمثلها في علاقاتها بالرجل، وانحدار هذه العلاقة إلى مستوى العلاقات الحيوانية الغريزية، تتناسق تماما مع صاحبة الدور الذي قدم القرآن عنه تصويره في هذه الآية المباركة، فقد مثل محاولة نقض الأيمان بعد توكيدها، والتخلي عن العهود بعد إبرامها بالمرأة التي تنقض غزلها من بعد ما استحكم، ومن بعد ما أجهدت نفسها في حياكته، فهل هناك صورة أكثر تعبيرا عن العبثية حينما تطال أكثر المجالات قدسية في العلاقة والترابط من هذه الصورة؟
وحينما تم العبث بالصورة الجميلة للعلاقة بين الرجل والمرأة، ولاسيما في دائرة العلاقات الجنسية، فقد أضحت المرأة ينظر إليها كمجرد كتلة لحم خالية من كل حياة وروح، بينما ينشأ الإسلام هذه العلاقة ضمن أفضل وأجمل تصوير حينما يقول: (ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون) [الروم 21].
ولأن المرأة رغم كل التشويهات التي لحقت بها وبدورها ستبقى ملكة البيت، وستبقى الرحم الذي نسب إليه الخالق صفة الربط والارتباط بين أفراد المجتمع البشري، وذلك في قوله: (.. وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله...) [الأحزاب 6]، لذلك فستظل أيضا الموجود الذي يمتلك القدرة الأكبر في دنيا البشر على تحقيق الحب والسلام والترابط بين أفراد العائلة البشرية، ولعله في هذا السياق نفهم الأهمية التي ظل الإسلام يركز عليها في حفظ وصون المرأة، واعتبارها الكائن البشري الجدير بأن يتم الحفاظ على كرامته من أن يعبث بها الشيطان أو الإنسان على حد سواء، وبطبيعة الحال هذه ليست محاولة منا لمنع المرأة من الخروج من بيتها، أو إرجاعها لسجنها القديم كما يتصور البعض المسألة كذلك، لأننا ندرك أن للحياة ضروراتها التي ربما تفرض على المرأة في بعض الأحيان، أن تشارك وتسهم في بناء المجتمع من خارج البيت، ولاسيما في عصرنا الراهن الذي تعددت وتنوعت فيه الاختصاصات، وزادت الحاجة إلى الأيدي العاملة النسوية في فروعات ومجالات مختلفة، ولكنها في حقيقة الأمر محاولة لإعادة ضبط العلاقة بين المرأة ومجال فاعليتها الأصلي، وهو البيت، والذي لا يقل أبدا الدور الذي تقوم به المرأة في داخله، عن الدور الذي يقوم به الرجل في خارجه، ومن المؤكد أن إعادة ضبط وتشكيل هذه العلاقة بين المرأة وبيتها سيتيح المجال من ثم لإعادة ضبط وتشكيل العلاقة بين الرجل والمرأة بما يتناسب ومتطلبات تحقيق المصالح البشرية العامة، من دون أن يطال هذه العلاقة ما يفسد نقاءها وصفاءها وغائيتها.
ومن الملفت للنظر أن تعلو صيحات إنسانية مستجدة في مغرب العالم تنادي بما اعتبرته بالأمس تحديدا لحرية المرأة ومصادرة لحقوقها في العمل والمساواة بالرجل، ففي بداية مقال مترجم في مجلة "وجهات نظر"، يقول المحرر: (في الوقت الذي تحتل فيه شعارات "تمكين المرأة.. وتحريرها.. ومساواتها بالرجل في فرص العمل" مكانا متقدما على لائحة مصطلحات هذه الأيام، تخرج مجلة Time "الأمريكية" بموضوع غلاف ينادي بعودة المرأة للبيت "لتضمن تربية جيل جديد صحيح").
وينقل المقال المترجم إحدى النساء قولها: (.. أن الكثير من الطموح المهني مجرد خيلاء. رغبة في لقب وسيارة الشركة ولكن من يأبه لذلك)، وتضيف هذه السيدة التي يستطلع المقال رأيها في موضوع عمل المرأة خارج البيت قائلة: (أن تربية الأطفال تكمن فيها القوة والسيطرة الحقيقية على مستقبل العالم).
هل هذه الصيحات ذات مصداقية؟ وهل هي قد أفاقت متأخرة من غفوتها؟ وما قيمة مثل هذا الكلام ممن خاض التجربة وميز حلوها من مرها؟ وهل تعطينا هذه الكلمات والآراء شعورا بضرورة إعادة ترتيب العلاقة بين الرجل والمرأة بشكل آخر غير ما روجت له مجتمعات الحداثة وما بعد الحداثة؟
أرجو أن تمتلك النساء في مجتمعاتنا العربية والإسلامية الجرأة الكافية لتحديد خياراتهن بهذا الشأن من دون أن يقعن في شراك الفخ، بل الفخاخ المنصوبة إليهن، ومن دون أن يخدعن مرة ثالثة أو رابعة بشعارات تريد منهن الكثير، ولا تعطيهن إلا القليل...
www.balagh.com
|