|
عبد العزيز الدخيل
لماذا هذا الصمت أمام هذا العبث الأمريكي في مستقبلنا السياسي والإقتصادي والإجتماعي الذي أصبح المواطن العادي يدرك أبعاده الخطيرة؟ وما هي أسباب هذا الصمت؟ هل هو صمت الحكومات فقط؟ أم هو صمت حكومي وشعبي مركب؟ أم أن الشعوب مغلوبة على أمرها بقوانين خظر مظاهر التعبير عن استياء الشعب من السياسة الأمريكية أي سياسة؟
عندما أتحدث عن الصمت العربي هنا، فأنا لا أعني الصمت بمفهومه المجازي أي الصمت عن الفعل الرادع لهذا العبث، فالفعل الفاعل أمر يبدو أن إرادة الفرد والحكومات العربية الراهنة لا تستطيع الوصول إليه. إنما أعني الصمت بمفهومه المباشر أي الصمت عن التعبير بالكلمة وبالمسيرة السليمة بالخطاب والدبلوماسي.
الصمت العربي إذن صمتان: حكومي وشعبي ولكل صمت أسبابه. الحكومات العربية بشكل عام لم يكن لها يوما قاعدة شعبية تستمد منها وبشكل حقيقي أسباب وجودها وبقائها. لذا فهي إما أن تلجأ إلى القوة كأداة للحكم المحلي أو إلى الدعم الخارجي لضمان وجودها أو إلى الوسيلتين معا وهذا هو الغالب. فالدعم الخارجي تصدر صكوكه الدول الكبرى ذات النفوذ الدولي والعسكري والإستخباراتي والمالي مثل الولايات المتحدة والإتحاد السوفياتي (سابقا) وفرنسا وبريطانيا. والدعم الخارجي من أجل المحافظة على بقاء حاكم ما من قبل الدول العظمى له أشكال ومظاهر عدة منها الدعم الأمني أو العسكري أو الدعم المالي والإقتصادي لمالية الحاكم الخاصة أو مالية حكومته أو الأثنين معا.
الولايات المتحدة الأمريكية وهي القطب الدولي الأوحد بعد غياب الإتحاد السوفياتي من أهم بائعي صكوك التأمين على الحياة للحكومات التي تبحث عن دعم لوجودها خارج شعبها. هذه الصكوك يدفع ثمنها الوطن اقتصاديا من ثرواته وسياسيا بالصمت والتبعية للسياسة الأمريكية. إننا نفهم قيام أي حكومة في أمس الحاجة إليه. وإن تبع ذلك تعاون وتقارب وتفاهم وأخذ وعطاء بين الحكومتين في السياسات والقضايا الإستراتيجية إلا أن ذلك يكون في إطار لا يتخطى احترام مشاعر الأمة ولا يؤدي إلى العبث بقضاياها المصيرية.
هل الولايات المتحدة الأمريكية قادرة على إصدار صك حقيقي للتأمين على الحياة لأي حكومة عربية؟ سؤال يفرض نفسه على المحلل والدارس لهذه القضية. الإستقراء التاريخي للحكومات التي اشترت صكوكا للتأمين على الحياة من الولايات المتحدة الأمريكية يوضح أن هذه الصكوك لا تستطيع أن تحمي هذه الحكومات من شعوبها إذا أراد الشعب يوما الخلاص منها. صحيح أن هذه الصكوك تزيد من عمر الحكومة سنين قد تطول لكنها لا تستطيع حمايتها إلى الأبد من إرادة الشعب المغلوب على أمره من قبل حكومته.
الشعوب هي الوحيدة القادرة على إصدار الصكوك الحقيقية للحياة، لأن إرادة الشعوب هي التي تصنع الحياة وتصنع الفناء للحكومات. وما دام الأمر كذلك وما دامت هذه هي الحقيقة التاريخية المنطقية، فلماذا لا تتجه الحكومات العربية إلى شعوبها لإستصدار صكوك التأمين على الحياة والإنعتاق بذلك من التبعية السياسية والإقتصادية للولايات المتحدة الأمريكية والانتقال من حالة الصمت إلى حالة الكلام؟ سؤال آخر يقفز إلى الأمام.
لاحظ، أنني أقول الإنعتاق من التبعية الإقتصادية والسياسية للولايات المتحدة الأمريكية والإنتقال من حالة الصمت إلى حالة الكلام ولا أقول حالة العداء. القول والفعل تعبيرا عن مصالح الوطن هما حق مشروع لكل الحكومات ولكل الشعوب مع كل الحكومات ومع كل الشعوب، والعداء أمر ممقوت مع كل الحكومات ومع كل الشعوب.
الولايات المتحدة الأمريكية شعبا ونظاما تملك الكثير من مقومات الحضارة الإنسانية وجوهرها الحرية الفردية السياسية والإقتصادية والإجتماعية، وتملك الكثير من المؤسسات الإقتصادية والتعليمية والصحية والتقنية والفنية والإنسانية القادرة على المساهمة الإيجابية الفاعلة في دفع مسيرة الحضارة الإنسانية خطوات إلى الأمام، الولايات المتحدة، يقف حائلا بين الوطن العربي وبينها ضد التفاعل الإيجابي الحقيقي القائم على الإحترام المتبادل وقوفها المنحاز بشكل فاضح إلى جانب إسرائيل وتعاونهما سويا في العبث بقضية عربية، ذات أثر استراتيجي ومهم في مستقبل المنطقة والشعوب العربية.
وأعود إلى سؤالي السابق، وأتساءل لماذا تقيم الحكومات العربية وجودها وبقاءها على إرادة شعوبها، خصوصا وأن الشعوب ومهما طال زمن الغياب هي في نهاية المطاف صاحبة القول الفصل في بقاء تلك الحكومات أو فنائها؟ لماذا تلجأ الحكومات العربية إلى الولايات المتحدة، طلبا لحماية أمريكية بدلا من البحث عن مشروعية وحماية وطنية؟
هل فكر أو يفكر الحاكم العربي في هذا الأمر؟ وهل طرح على نفسه يوما هذا السؤال؟ لاحظ أنني استبدلت الحاكم العربي بالحكومات العربية، حيث لا فرق بينهما، فكل حكومة عربية تذوب وتتلاشى وتختصر في شخص الحاكم العربي الواحد.
الحاكم العربي يعرف أن صك التأمين على الحياة الحقيقي هو صناعة وطنية يصدر من إرادة الشعب، وأن صك التأمين الأمريكي والأجنبي مرحلي ومؤقت بالإضافة إلى أنه قبيح الصوت والصورة ويلزم دائما إخفاؤه أو طلاؤه بألوان تخفي هويته الأجنبية. الحاكم العربي ذكي ويعرف كل الأمور التي تتعلق ببقائه ووجوده، إنها أوليته الأولى.
الحاكم العربي يرى أن الصناعة الوطنية لصكوك التامين على الحياة الحكومية ثمنها مرتفع وباهظ التكلفة لأن المبلغ يجب أن يدفع من جيب الحاكم وماله الخاص وليس من جيب الدولة والمال العام. المشروعية الوطنية لحاكمية الحاكم العربي مهرها تنازل الحاكم عن شيء من سلطاته وصلاحياته وبناء دولة الحرية والقانون والعدالة لجميع الناس وبين جميع الناس.
www.balagh.com
|