|
ضياء الشكرجي
إن حقيقة كون الديمقراطية تمثل بالنسبة للغرب آلية من آليات علمنة الحياة، لا يمنع من ان تكون الديمقراطية بالنسبة لنا آلية من آليات أسلمة الحياة. فالديمقراطية برأيي ليست إلا وعاء، قد ملأه الغرب بمحتواه، فلنملأه نحن بمحتوانا.
وإذا كانت العلمانية المحلية كامتداد فكري للغرب في عالمنا الإسلامي ستعمل هي الأخرى على ملئه بمحتواها، وبالتالي بالمحتوى الغربي، فلنتسابق ولنتنافس وإياهم على ملء الوعاء الديمقراطي بالمحتوى الأكثر انسجاما مع حضارة الأمة وتأريخها وأصالتها وعقيدتها، ألا هو الإسلام الضارب يجذوره في أعماق وجدان وتأريخ ومشاعر الأمة.
فإن استطاعت العلمانية ان تنجح في شوط من أشواط المنافسة السياسية والحضارية والفكرية في التجربة الديمقراطية، فأشواط المنافسة السياسية والحضارية والفكرية في التجربة الديمقراطية، فأشواط المدى الأبعد كفيلة في ان تجعل حظ الإسلاميين هو الأوفى، فإن الأمة لم تنسلخ عن إسلامها، حتى لو شيبت أفكارها وأعرافها وسلوكياتها في مرحلة ما من عمرها بشوائب مزيج غير متجانس من أعراف محلية قبلية أو ما شابه، وأخرى مستوردة، لا تنسجم مع حضارتها الأصيلة.
وإن الإسلام الذي يكون في شوط متأخر باختيار الأمة، سيكون أكثر تجذرا في واقعها من إسلام السلطة التي استعجل فرضه عليها، من غير اختيار حرمنها، وبعيدا عن إرادتها. وعندما نذكر إرادة الأمة، فإن هذه الإرادة- وكما مرت الإشارة إليه- لا تتمثل من حيث المبدأ وبالعنوان الأولي مصدر الشرعية، ولكنها تمثل حصن الشرعية، فشرعية غير محصنة بإرادة الأمة تكون شرعية محلقة في آفاق قيم السماء، من غير أن تملك ثباتا على أرض الواقع، وبالتالي لن تكون مؤثرة في تفاعلات مشاعر الأمة وفكرها وسلوكها، إلا بشكل محدود، مما يجعل هذه الشرعية عرضة للإنهيار، لاسيما مع احتمالات خطر ان تعصف بها العواصف من لدن خصوم الإسلام الداخليين والخارجيين.
هذا كله يتطلب منا نظرة واقعية، تجعلنا نلجأ إلى العناوين الثانوية، التي تجعل من الخمر المحرم دواء واجب التناول، إذا ما توقف عليه تعافي المريض من علته. فـ (ما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا ان يكون لهم الخيرة من أمرهم) يحرم الديمقراطية، و(لا إكراه في الدين) يحللها، و(أدع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة) يرجحها، أو قد يوجبها.
www.balagh.com
|