د. كامران أحمد أمين
إن الدول كلها تعيش في بيئة دولية كبيرة، لذلك فإن تصرف اي دولة يؤثر في الدول الأخرى. وإذا كان هذا صحيحا في الماضي فقد أصبح الآن واضحا جليا ويحس به كل الناس تقريبا بسبب التطورات التي حدثت في مجالات الثورة الإتصالاتية، والتأثير والتأثر بين الدول أصبح كبيرا جدا، وهذا ما يسمى بالمفهوم السياسي "بمنطق الإعتمادية"، والتي تعني أن ما تفعله أمة ما يؤثر في باقي الأمم في النظام ذاته، وحينما يتميز النظام الدولي بعدم تماثل قوة الأمم مقارنة ببعضها البعض، وتحاول أمة ما فرض سطوتها على الأمم الأخرى، تسمى هذه الحالة بالهيمنة وفي نظام الهيمنة هذا تأخذ الإعتمادية شكل أمة مسيطرة، وأمم أخرى تابعة لها.
والولايات المتحدة اليوم ليست الدولة المسيطرة الوحيدة على الساحة الدولية، فقد استعادت ألمانيا قوتها الإقتصادية السابقة، وحلت محل الولايات المتحدة كأكبر دولة مصدرة في العالم.
وتحولت اليابان من مجتمع ريفي ينتج الألعاب وبعض المشغولات اليدوية، إلى قوة إقتصادية ذات تقنية عالية تصدر الأموال والمنتجات إلى مختلف أنحاء العالم، وتواجه الولايات المتحدة عجزا تجاريا سنويا مع اليابان يصل إلى عشرات المليارات من الدولارات.
وهذا يبين أن الهيمنة تحتاج إلى الزعامة أو إلى الإعتقاد العام بشرعيتها في الوقت نفسه الذي تقيدها فيه الحاجة إلى المحافظة عليها. وتقبل دول أخرى حكم المهيمن بسبب هيبته ومركزه في النظام السياسي الدولي، إذا توجب حصول المسيطر على الدعم اللازم من دول قومية أخرى، ثمة حاجة إلى درجة كبيرة من الإجماع الإيديولوجي، أو ما يسميه الماركسيون الهيمنة الإيديولوجية تبعا للكاتب والسياسي الإيطالي (أنطونيو غرامشي) وإذا بدت دول أخرى ترى أن أفعال المهيمن تخدم مصالحه وتناقض مصالحه السياسية والإقتصادية، فإنه يقوي نظام المهيمن إلى حد كبير، كما أنه سيتدهور إذا اعتقد مواطنو القوة المهيمنة إن دولا أخرى تزاول الغش، أو إذا أخذت تكاليف الهيمنة تتجاوز المنافع المدركة، وفي هذه الحالات، تصبح المجموعات القومية أقل استعدادا لإخضاع مصالحها لاستمرار الأنظمة.
عندما نقوم بالمقارنة بين بريطانيا العظمى السابقة والولايات المتحدة الآن، سوف يظهر بعض الإختلافات بينهما كإمبراطوريات، مما لا ريب فيه أن الولايات المتحدة أخذت حصة أكبر من الإقتصاد العالمي، أكثر مما فعلته المملكة المتحدة. وكذلك من الناحية العسكرية تتمتع الولايات المتحدة كونها أكبر قوة عسكرية أمام منافسيها. ولكن من جانب آخر وقبل قرن كانت المملكة المتحدة إمبراطورية كبيرة جدا من حيث المساحة، تقريبا غطت ربع مساحة سطح الكرة الأرضية، وحكمت بخشونة، ولكن لا تحتل الآن الولايات المتحدة سوى 11 ألف كلم مربع، وكذلك بالنسبة لاستقرار المواطنين في الخارج، كان هناك قرابة 15 مليون مواطن بريطاني استقروا في المناطق المعتدلة، أما اليوم فلا يوجد إلا قرابة 4 ملايين أمريكي يستقرون في الخارج، وتقريبا أكثريتهم يعيشون في كندا والمكسيك وأوروبا الغربية... إلخ.
لقد أصبحت الهيمنة العالمية الأميريكية إحدى حقائق الحياة. فليس لأحد بما في ذلك أميركا، خيار في هذه المسألة، بالطبع، ستعرض أميركا وجودها الخاص للخطر عندما تقرر بطريقة ما- كما فعلت الصين منذ أكثر من خمس مئة عام- الإنسحاب فجأة من العالم، لأنها خلافا للصين، لن تكون قادرة على عزل نفسها عن الفوضى العالمية التي ستعقب ذلك الإنسحاب مباشرة. ولكن كما هو حال الحياة، كذلك الشؤون السياسية "يوما ما، سيشرف كل شيء على الزوال والهيمنة ما هي إلا مرحلة تاريخية عابرة، وسوف تتلاشى السيطرة العالمية لأميركا، لذلك فمن غير المبكر جدا على الأميركيين السعي إلى تحديد شكل الميراث النهائي لهيمنتهم.
تتعلق الخيارات الحقيقية بالكيفية التي يجب على أميركا أن تمارس هيمنهتها وفقها، وكيف يمكن تقاسم هذه الهيمنة ومع من؟ وإلى أي أهداف نهائية ينبغي تكريسها؟ ما هو الغرض المحوري للقوة العالمية غير المسبوقة لأميركا؟ سيحدد الجواب ما إذا كان الإجماع الدولي يقوي القيادة الأميركية ويضفي عليها صفة الشرعية، وعلى السيطرة الشرعية، أو ما إذا كان التفوق الأميركي يعتمد بدرجة كبيرة على السيطرة الحازمة المرتكزة على القوة.
يمكن لقيادة أن تحظى بالإجتماع أن تزيد من تفوق أميركا في الشؤون العالمية، مع تعزيز الشرعية لوضعية أميركا بوصفها القوة العظمى الوحيدة في العالم، فالسيطرة تستنزف مزيدا من القوة الأميركية، وبعبارة أخرى، في الوضع الأول، تكون أميركا قوة عظمى فائقة، في الوضع الثاني تكون قوة عظمى ناقصة.
لأن الهيمنة الأمريكية الجديدة، تستند بالدرجة الأساسية الى العولمة. وان العولمة تعتبر عن نفسها بصيغة الهيمنة. وهي ايضا هيمنة لبعض الأقوياء على صناعة المفاهيم وعلى الترويج لأساليب العيش والسلوك والاستهلاك. وأما البديل الذي يسوغ لحوار الثقافات أن يقترحه، في وجه هذه الشطط، فانه يستطيع أن يقربنا من صياغة مدونة ذا معيارية دولية ترسي لبناتها بالتوافق وموسسة على القيم العامة التي نلازمها جميعا ملازمة حرة، وأظهرها احترام الشخص الانساني وحقوقه الأساسية، ويريد أن يبني ساحات جديدة للتشاور العالمي وأن يوطد اركان ما هو قائم منها. أي حوار الثقافات يبتغي الزمن المرسوم بسلطان الشبكات، أن يحل الديمقراطية في قلب العولمة قبل أن تمكن العولمة من أفساد الديمقراطية.
المصدر: كتاب السياسة الدولية في ضوء فلسفة الحضارة.
www.balagh.com
|