قضايا معاصرة
 

 
المقالة: | قبل | بعد | | عناوين المقالات | عناوين جميع المقالات

القـوة المعنويـة Soft Power
لمشاهدة الصورة بحجم اكبر إضغط علي الصورة

د. كامران أحمد محمد أمين
إن السبب الرئيس للحرب هو المصالح المادية، ولكن تستخدم القوة المعنوية إلى جانبها لإضفاء غطاء روحي وإخفاء الأسباب الحقيقية للحرب، والتي أكثرية الناس يمكن أن يكونوا غير مستعدين للتضحية من أجلها.
وفي نفس الوقت يساعد على تحمل الخسائر والأضرار التي تصيب بها المجتمع جراء الحرب، وهذا يعني أن العوامل الروحية والمعنوية لها دور أساسي في الإستعداد للحرب، وكذلك لتحمل نتائج الحرب، وغالباً ما تكون الأوضاع التي تأتي بها القوة المادية تختلف عن الأهداف التي تسعى إليها هذه القوة,ولكن دائماً القوة المعنوية لها تأثير أكبر ولأطول مدة,ويرجع سبب هذا الى أن القوة المادية تتعامل مع المادة، والتغيرات التي تحصل على المادة أسرع من الجانب الروحي التي تتعامل معها القوة المعنوية، كما هو معلوم القوة المعنوية تتعامل مع الطبيعة البشرية، وصناعة الطبائع البشرية من أصعب الصناعات لأنها تتعامل مع الإنسان، والإنسان يقع تحت تأثير الماضي والمستقبل.
يتصاهر مع الثقافة وتراث المجتمع، ونتيجة لذلك، ولفترة طويلة نسبياً، يأتي بشيء جديد حيث يعمر لفترة أطول ويؤثر ليس في الجانب الروحي للمجتمع فحسب، بل على الجانب المادي أيضاً، وهذا يعني أن نجاح الفلسفات العظيمة في التاريخ البشري عادة ما تؤدي إلى نجاح وتطور الجانب المادي والثقافي معاً.
وعندما نتناول القوة، نتعامل معها بالمعنى الروحي والمعرفي الواسع, وفي مقابل القوة توجد مسألة الحق في استخدام القوة، إلى أن شعور العدالة لدى الإنسان يغدو أصيلاً وفطرياً مثلما شعور التنافس والصدام سواء بسواء.
وإن الحق يعد بنية فوقية للقوى الإجتماعية, أما العلاقة بين الاثنين فتقوم على تبادلات دياليكتيكية تقرب من الود والعداوة تبعاً للظروف, ومن الجائز أن يقوم بينهما تعاون، كما يحتمل أن يثور نزاع.
ولا يمكن تفسير القوة على أنها تعطيل للحق وهذا بدوره لا يستطيع أن يحل محل القوة أثناء نمو الحضارات، أي تحسين الوسائل القانونية مثلما لا يقلل تكاثر المؤسسات والعلاقات القانونية وتعزيزها من سيطرة القوة وبالعكس، فإن القوة والحق يشكلان عنصرين أساسيين ضروريين لكل أمة من الأمم كما تغدو القوة أو الإكراه، وهي امتياز السلطة السياسية للعمل بشكل تجريبي على إقامة نظام يكون أكثر ما يمكن انطباقاً مع قواعد الحق وأحياناً مخالفاً له. ومن هنا ترتبط القوة بالحرية، وما دامت هناك علاقة بين الحق والقوة، وخصوصاً القوة المعنوية، إذن توجد هناك علاقة بين القوة والحرية، وهذا هو ما جعل الكثير من المهاجمين والمحتلين، وعلى مر التاريخ،ان استخدموا الحرية والحق والعدالة، كوسيلة للسيطرة على القوة المادية والمعنوية للعدو معاً. لأن الناس يعترفون فطرياً بالقوة والحق، ويجدون فيه شكلاً من أشكال الصراحة والحقيقة، والقوة مدعاة للتقدير والإحترام داخل المجتمع. لأن السلم نفسه لا يبقى ويدوم دون الإستناد إلى القوة، وخاصة إلى توازن في علاقة القوى، لأنه لا توجد قوى من دون قوى معاكسة، فمن الخطأ أن لا تنسب القوة إلا إلى الحروب، لأن القوة هي في الأساس عماد السلام بين الأمم، مثلما هي سبب للوفاق الداخلي، وإذا ما استثنينا السلم الإمبراطوري الذي يبدو من بعض النواحي وكأنه أكثر دواماً واستقراراً فإن جميع أشكال السلم الأخرى مهما كانت تسميتها تفترض وجود توازن للقوى بين الدول وطالما لم يتحقق التوازن، فإن السلم لا يسود، لأن القوة تكون أحياناً الوسيلة الوحيدة القادرة في المجال السياسي، على تأمين الإستقرار والنظام والعدالة بشكل ناجح.
لكن مهما كانت قدرة القوة المعنوية لم تستطع قوة كبيرة وحيدة في العالم، أن تؤثر تأثيراً كاملة وكلية في أعدائها بدون الحساب لقوات الأخرى الموجودة على الساحة الدولية، وحتى الولايات المتحدة اليوم وإن برزت كقوة لا مثيل لها في التاريخ، ولكن مع ذلك علينا أن ندرك قدرة اللاعبين على استخلاص (زيادة في القيمة السياسية) في مجال إدارة الشؤون العالمية، ولو بشكل دائم، لا تقتصر على القوة الإقتصادية الأمريكية وحدها. فمثلاً، فإن مستوى النفوذ السياسي الذي تمارسه الولايات المتحدة على إسرائيل لا يتأثر إطلاقاً بتذبذب القوة الأمريكية، وسوف تظل هناك دائماً لحظية سياسية مستقلة بالقياس إلى اللحظية الإقتصادية، قد تنجح بعض الدول في تقييمها بصورة أفضل من غيرها، وهذا هو الحال في فرنسا، حيث تجاوزت قدرتها على تصدير المعنى، قدرتها المادية بالمعنى المعروف (الدبلوماسية الإنسانية).
وحسب رأي أحد الكتاب إذا أرادت أمريكا البقاء كقوة كبيرة عليها أن تعطي اعتباراً للقوة المعنوية للدول الأخرى، والقوة المعنوية هي القوة التي تجعل من المقابل تغير موقفه في مكانه، ويأتي في مقابل القوة المادية والتي بدورها تعني القوة الإقتصادية والعسكرية. يمكن للقوة المادية أن تبنى على أساس (الكعكة) أو (السوط). على أية حال هناك مناهج غير مباشرة في طريقة تعامل الدول، لكي تجعل من الآخرين يسمعون كلامهم وتضيف اعتباراً لقيمها الخاصة، والوسائل التي تجعل من الدول تساند موقفك برغبتها تسمى القوة المعنوية. فيرى بعض المفكرين إن القوة الناعمة للولايات المتحدة في العراق قد بلغت الذروة، ونظر إلى الآخرين كما لو أنهم تابعون له، كما كانت الحال في انتصارها على الأفكار السوقييتية السابقة.
ولكن فشل الولايات المتحدة في إيصال رسالتها العالمية، قد تكون عاملاً خطيراً في زعزعة الموقف الأمريكي العسكري، وخاصة إذا لم تستطع أن تبني توازناً بين قواتها المادية وقوتها المعنوية، أي رسالتها الثقافية العالمية من الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان، وهذا يعد إعادة لنفس الأخطاء التي ارتكبها الفرنسيون في عهد نابليون. عندما كانت مبادئ الثورة تصل إلى الدول الأوروبية الأخرى قبل وصول قوات نابليون، وهذا أدى إلى أن ترحب الشعوب بقوات الثورة، منجذبين ومعجبين بهذه المبادئ، ولكن بعد وصول القوات بفترة قصيرة كانوا يبدأون بمقاومتها حيث اندلعت الكثير من الثورات ضد هذه القوات، وبالطبع إن دل هذا على شيء، فإن يدل على وجود فجوة كبيرة بين القوة المادية للثورة والقوة المعنوية لها، أي القوة المعنوية التي كانت الثورة تمتلكها، لم تكن تتلاءم مع المستوى العقلي لجيوش الثورة وتعاملهم مع هذه المبادئ.
المصدر: كتاب السياسة الدولية في ضوء فلسفة الحضارة
www.balagh.com

المقالة: | قبل | بعد | | عناوين المقالات | عناوين جميع المقالات

 



 © حقوق الطبع محفوظة للبلاغ
Copyright © 2000 alblagh ORG. All rights reserved. info@balagh.com

H.R