قضايا معاصرة
 

 
المقالة: | قبل | بعد | | عناوين المقالات | عناوين جميع المقالات

وهن الديمقراطية أو الديمقراطية الجديدة

د. كامران أحمد محمد أمين
إن النظرة التي ينظر بها إلى التاريخ بعد انهيار الإمبراطولية السوفيتية وكأنه انتهى، نظرة سطحية وغير عميقة، تميل إلى الجانب التحليلي السياسي الدعائي، أكثر منه إلى التحليل الفكري، لأن هذه التغييرات التي حصلت كانت مرتبطة بجزء صغير من المجتمعات البشرية، ونستطيع أن نسميها عبارة بين تزاوج وانصهار الحضارات، فضلاً عن ذلك ما تزال هناك حضارات قوية وأفكار قوية وغير ليبرالية وتؤدي دورها السياسي والإقتصادي والثقافي على أرض الواقع، كالحضارة الصينية والإسلامية والكونفشيوسية والهندوسية، كل هذه الحضارات ما زالت لها شخصيتها المستقلة، وتختلف عن الحضارة الغربية، صحيح أنها وقعت وإلى حد ليس بقليل تحت تأثير السوق الحرة الليبرالية الحديثة، ولكن في الوقت نفسه أيضاً لها تأثيرها في البلدان الغربية.
وهذه الحضارات ما زالت تحتفظ بثقافتها وطريقة الحياة الخاصة بها، ولها معتقداتها الدينية الخاصة بها. وإلى الآن تعد الأديان الركيزة الأساسية لكل الحضارات، واستخدامها لبعض مفاهيم ووسائل الحضارة الغربية، كان حسب وجهة نظرها الخاصة، استخدمت الأدوات والوسائل الغربية حسب قراءتها ومفهومها الخاص بها، وليس كما أنتجها الغربيون طبق الأصل. وهذا أبداً لا يعني فشل مفاهيمها وأفكارها الخاصة، بل يعني اتساع رقعة التبادلات الإنسانية من حيث الإقتصاد والثقافات... وإلخ، والتي صغر حجمها إلى أبعد مدى عن طريق الثورة الإتصالاتية والمعلوماتية. بعبارة أخرى، إن هذه النظرة للتاريخ إلى جانب سطحيتها فهي شمولية أيضاً، لأن الشيوعية كفكرة ليست مرتبطة بالأنظمة السياسية فحسب، بل عقيدة مغروسة في الروح الإنسانية والطبيعة البشرية بشكل لا يتمكن الإنفصام عنه. لأن الإنسان كما أشرنا إليه مراراً كائن اجتماعي، وكل شيء يحمل طابعاً اجتماعياً، يحمل معه نوعاً من الشيوعية، حتى وإن كانت بسيطة، ولكنها كافية لأن تصبح حركة اجتماعية وسياسية قوية. عندما تزداد سيطرة الطابع الشخصي والفرداني على المجتمع، والشيوعية التي طبقت في الإتحاد السوفييتي لم تكن خالصة، كما أن الليبرالية التي تطبق في الغرب أيضاً ليست خالصة وإن هي أيضاً جزءاً من الطبيعة البشرية وانعكاساً لفردانيتها أيضاً.
فالمؤرخون والفلاسفة المنظرين للأخلاق، جميعهم يسعون إلى هدف واحد، وهو استخلاص الحقيقة، أي الوصول إلى الحقيقة، إعلانها ومن ثم فرضها. ومن ثم فإن نهاية التاريخ يعني أيضاً نهاية الحقيقة (هذا السلاح المرهب بقدر إرهاب التعارض بين الخير والشر الذي لايسعها الإنفصال عنه، سلاح يستعمله الفلاسفة لصالح إرادتهم للقوة والذي ضعوه في خدمة الدول والأمراء والكنائس). والحقيقة فيما تتجاوز الصيرورة، هي الحقيقة التي تكمن في داخل الحدث ولها المعنى ذاته، الذي يحمله الحدث.
ومن جانب آخر كان انتصار الديمقراطية على نظام السوق الحرة، نابع من فشل الشيوعية وليس من التوضيح الناجح لتطبيق الأساليب الديمقراطية في ظل جميع أو أية ظروف. وبالنسبة لمعظم العالم الأشد فقراً، ينبغي لهذه المسألة أن تقوم على أسلوب حياة عملية ، فالحرية المنهجية من دون حرية مادية لن تكون كافية، في وقت ربما تلوح فيه المتعة الثقافية الغربية برهاناً أضعف للتفوق المتأصل للسوق الحرة ومحصلة أكبر على اللامساواة العالمية الشاسعة، وإذا يفسر السبب أن انتصار الديمقراطية في الصراع الفكري يعود إلى انتصار الإئتلاف الذي قادتها أميركا ضد الكتلة السوفيتية وليس إلى النصر العالمي للأفكار ذاتها، ويقيناً على أن المحتوى الفكري لهذا الإنتصار لا يمكن نفيه، بيد أن المكسب العالمي لهذا الإنتصار ظاهري من الناحية الفلسفية. والقوى التي حطمت الماركسية كعقيدة والإشتراكية كنظام نفسها، تعمل الآن على زوال الرأسمالية نفسها، المسيطرة حالياً على الواقع الإجتماعي. ولكن المجتمع الجديد الذي ظهر الآن، هو ليس المجتمع الرأسمالي بل مجتمع ما بعد الرأسمالي كما يطلق عليه البعض. ومرة أخرى هذا المجتمع سوف يستخدم السوق الحرة كآلية مجربة للتوحيد الإقتصادي ولن يكون هناك مجتمع ضد الرأسمالي على الرغم من أن بعض المؤسسات الرأسمالية مثل المصارف ستؤدي إدواراً مختلفة. لكن الأسس في مجتمع ما بعد الرأسمالية، بناؤها وديناميكيتها الإقتصادية وطبقاتها الإجتماعية ومشكلاتها ستكون مختلفة عن الأسس التي سيطرت خلال المائتين والخمسين عاماً الماضية وحددت القضايا التي شكلت حولها الأحزاب السياسية والجماعات الإجتماعية والنظم والقيم الإجتماعية والإلتزامات الشخصية والسياسية.
لذلك، هناك من يرى أن الديمقراطية الحقيقية تبدأ هنا، ويطلق صفة الديمقراطي على مجتمع يشرك أكبر تنوع ثقافي ممكن مع أوسع استخدام ممكن للعقل، وعلينا بشكل خاص ألا نلمس انتقام الإنفعال من العقل، والتقيد من الحداثة، أو التوازن من التغيير، فلنسع إلى التوفيق لا إلى التعارض أو الإنتقاء. ذلك أن خطوة الفصل تؤدي إلى تدعيم علاقات السيطرة والإستبعاد.
إن أفول نجم السياسة وتفجر الشخصية يرافقان الإنفصال المتزايد بين الأسواق العالمية والكيانات الخصوصية، وكم يعني التفاؤل، بالنسبة لأولئك الذين يرون، ما يراه فرانسس فوكوياما، من أن العالم ماض على طريق توحيده متقدماً نحو نهاية التاريخ، عبر انتصار اقتصاد السوق وديمقراطية الليبرالية والعلمنة والتسامح، بل أولئك ضحية وسطيتهم الإجتماعية! أما وإن النظام السوفييتي قد انهار، فباتوا يعتقدون أن الثقافة الأميركية والمجتمع الأميركي سيصبحان الأنموذج العالمي الشامل، وليس ماهو باطل أكثر، فالإجمالية الكلية المنتصرة يرافقها تشرذم متصارع، فيستولي القلق على الكيانات فتنغلق على نفسها، وهذا يؤدي إلى أن تأخذ الأشكال الأكثر طائفية من القومية. ومن جهة أخرى، الحياة الدينية تحاول أن تقاوم بلا تمييز غزو التقنيات أشكال الإستهلاك المقبلة من مركز الهيمنة، أو لإستخدام تلك الأشكال لمصلحة قدرة السلطات السياسية التي تتشكل للدفاع عنها.
والأصولية قائمة في كل مكان سواء في التعددية الثقافية الراديكالية كما في التحزب القائمة في الغرب، أو في الأصولية الدينية المسيحية أو الإسلامية أو اليهودية أو الهندوسية في شتى بقاع العالم. وليس ما يخولنا على الإطلاق تسمية الديمقراطية على انتصار السوق الذي يستطيع بكل يسر أن يتوافق مع نظام متسلط كما في الصين اليوم وفي كوبا وفيتنام غداً، وفي تشيلي بينوشيت بالأمس. وبين هذه الشكلين السياسيين المتعارضين، الهيمنة الغازية من جهة والأصوليات المنغلقة على نفسها من جهة أخرى، تبدو اليوم أن الديمقراطية، القائمة على مشيئة الأمور من الوجود، وتعتمد على الدفاع عن الحرية الشخصية والجماعية، مصابة بالوهن. لأن الإتجاهات إزاء الحكومات آخذة في التغيير، فالتوتر بين حكومة اليوم وجماعة المعارضة يمثل جزءاً حيوياً من أية ديمقراطية.
ولكن يسود الآن شعور أكبر بالإستياء من العملية السياسية نفسها، وفقدت كل من الحكومات والأحزاب المعارضة والساسة من جميع الأشكال والألوان مصداقيتهم، وربما يكون هذا ناجحاً في جزء منه من مطالب الناخبين المتزايدة، وعجز الساسة المتنامي عن تحقيق نتائج، حيث أنه في عالم يتزايد فيه الإعتماد المتبادل، تجد الدول نفسها مقيدة فيما يتعلق بما يمكنها تحقيقه. وهناك أيضاً أسباب أكثر عمقاً مثل الفساد واتسام السياسة بالطابع الإجرامي.
وبشكل عام لم يرغب الناس بالديمقراطية من أجل الديمقراطية نفسها أو بدافع الإلتزام بالمثالية السياسية. فأولئك الذين أرادوا الديمقراطية، إنما أرادوا منها وسيلة لزيادة حصتهم في الحكم السياسي وإضعاف قوة وسلطة أولئك الذين يحكمون فعلاً.
فالديمقراطية هي سلاح الفقير والكثرة ضد القلة. أما العنصر الليبرالي فكان حيثما وجد محاولة للحصول على الحرية ضد الأعمال الإستبدادية التي ينتهجها أما الفقراء أو الكثرة أو القلة المهيمنة. ولذلك فإنها ليست بعض النظرة المنظمة الرفيعة والمتكاملة للديمقراطية التي حطت من شأن الشيوعية فأوهنتها ريثما استنزفتها من قوتها، بل هو تركيبة من الطموحات الدينية المكبوتة وغرائز الإنسان الأساسية في الحرية وبعض المعايير الليبرالية وكذلك الكثير من المواجهات اليومية والعملية مع واقع رسمي تحدى المنطق والفطرة السليمة البسيطة، لقد واجهت جميعها ظروفاً أفضت إلى انفجار داخلي مفاجئ وسلمي ضد الشيوعية كنظام وعقيدة. وهذه الفكرة بالطبع تؤيد الفكرة الشمولية العالمية، ولكن هذه المرة الليبرالية وليس الشيوعية، وهذا بدوره يؤدي إلى تأسيس إمبراطورية عالمية. وإن توحيد العالم على هذه الشاكلة أمر ذو اتجاهين، فمن جانب يؤدي إلى إضعاف إمكانية تقديم الخدمات وازدياد الدول القومية والتجارة الحرة ومن جهة أخرى جاء بالنقود، وهاتان الحالتان تجنب أنفسها بقدر المستطاع من رقابة الدولة. وكما قال (شنبجلر)، "ثبت النقود نفسه في كثير من المدن العالمية المستقرة، وأسس اقتصاداً عاليماً، والفرق بين عالم النقود وعالم الدولة وعالم التكنولوجيا مثار بحوث عديدة في الوقت الحالي. لذلك فإن مفكراً مثل (هابرماس) يعتقد أنه لحل المشكلات المعاصرة، قبل كل شيء يجب إتمام إعادة توزيع الثروات، وهذا يحصل فقط حين يولد الشعور لدى الناس اعتبار العالم وطنه.
ولكن في داخل هذا الوطن العالمي، يجب أن تكون الحدة والتوتر ضعف بمقارنته مع الوحدة داخل الدول القومية.
صحيح أن انهيار الماركسية على طريقة السوفييت لها وقع كبير، ولكن طريق الليبرالية الديمقراطية ليس بالطريق الأكثر تفاؤلاً منها. وإن النجاح الذي أحرزته الليبرالية كان على حسب إفقار واضطهاد شعوب العالم الثالث، الذين يدورهم يعملون على ضمان هوية جديدة لهم، وينظمون اعتراضاتهم وعداءاتهم لكي يبدؤا التاريخ من جديد. يظن الكثير من مفكري الغرب بأنه بإمكان الغرب أن ينقذ الشرق، وهذه الفكرة مبنية على الأساس الإقتصادي. وإن استقرار الليبرالية يعتمد بالدرجة الأساسية على استقرار السوق، وفي رأي البعض، عكس ذلك، إن لدى الشرق أشياء يمكن مساعدة الغرب وإنقاذه بها من أزمته الحالية، فيرون أن على الشرق مساعدة الغرب من الناحية الثقافية والمعنوية، والغرب يساعد الشرق من الناحية المادية والتكنولوجية.
فضلاً عن ذلك لا تعيش في الولايات المتحدة الثقافة الليبرالية فحسب، بل أعداد كبيرة من الثقافات، وتعايش هذه الأعداد الكبيرة من الثقافات. والتعددية جاءت لتبقى، وانتصارها كان تماماً أما في عقد التسعينات فقد حدث تغيير هائل، وإنه يظهر المناقشات الدائرة منذ القدم حول هذا الموضوع، فإن أكثر الإختلافات أهمية هو الإنتصار المطلق للإيمان بأن على الولايات المتحدة أن تغذي لا أن تضعف هذا التنوع الهائل من الثقافات المتميزة، والآن فإن مناوئي هذه الفكرة هم غالباً من مواقف الدفاع عن السياسات القومية وسائل الإتصال الجماهيري والتعليم العام والبيئة الأكاديمية، حتى مناصرو التعددية الثقافية والراديكالية، الذين يعلنون المتغير الليبرالي يزعمون إنهم يمتطون ذروة التاريخ. هم يعترفون أن تنوع هائل في الولايات المتحدة، هو حقيقة ثابتة في مجال الثقافة. وباستثناء هذه الإعتبارات- التي لا تغدو مفيدة ومواسية بحكم شبه بالتنبؤات- يبقى أن أزمة زمننا واختباره المركزي قد أدى إلى ظهور نموذج من الأنظمة الجديدة كلياً. وهذا ما يشكل خطراً ماثلاً على الدوام ويعد واعداً أكيداً بأن تكون قسمتنا من الآن فصاعداً، شأن كل نماذج الأنظمة الأخرى التي ظهرت في فترات متفاوتة من التاريخ على أساس من الإختبارات الأساسية المختلفة وكانت قسمة البشرية على الرغم من النكسات المؤقتة، والملكيات والجمهوريات، أو أنظمة الإستبداد، والدكتاتوريات ونظم الطغيان. ولكن تظل هذه الحقيقة ماثلة في أن كل نهاية في التاريخ تنطوي بالضرورة على بدء جديد، وهذا البدء هو الوعد الوحيد، و(الرسالة) الوحيدة التي يمكن لنهاية أن تؤديها على الإطلاق، على أن البدء قبل أن يعبر حدثاً تاريخياً، هو طاقة الإنسان القصوى، وهو من الوجهة السياسة، مماثل لحرية الإنسان.
هذا يعني أن انهيار الإيديولوجيات لا يعني (نهاية التاريخ)، فحالة العالم كما تبدو لنا الآن تمنعنا من الإعتقاد بوجود نوع من العالمية الطبيعية لدولة القانون. لا يمكن لدولة القانون أن تتموضع إلا وسط مجتمعات فردية وعلمانية. وهاتان خاصيتان تفتقدهما معظم بلدان العالم، يمثل القرن العشرون قمة وانتهاء الأمال السحيقة التي تولدت في الفكر الغربي، وهو لا يترك لنا مجالاً للقول وفي أية لحظة من اللحظات بانتشار عالمي (لمملكة العقل) التي دعا إليها مؤرخو القرن التاسع عشر.
www.balagh.com

المقالة: | قبل | بعد | | عناوين المقالات | عناوين جميع المقالات

 



 © حقوق الطبع محفوظة للبلاغ
Copyright © 2000 alblagh ORG. All rights reserved. info@balagh.com

H.R