قضايا معاصرة
 

 
المقالة: | قبل | بعد | | عناوين المقالات | عناوين جميع المقالات

حالة الإغتراب في الواقع العربي

حليم بركات
إن واقع المجتمع العربي السائد هو واقع مُغرَّب يحيل الشعب- وخاصة طبقاته وفئاته المحرومة والمرأة- إلى كائنات عاجزة لا تقوى على مواجهة تحديات العصر، وهذا في رأينا بين أهم مصادر الإخفاقات العربية والحد من القدرة على التغيير التجاوزي.
إن الشعب- كما نميّزه من الطبقات الحاكمة- عاجز في علاقته بالدولة والأحزاب والمؤسسات العائلية والدينية والإقتصادية والإجتماعية والثقافية، فتسيطر هي على حياته ولا يسيطر هو عليها، فيعمل في خدمتها ولا تعمل في خدمته، ويجد نفسه مضطراً إلى التكيف مع واقعه بدلاً من العمل على تغييره، وإلى الإمتثال للسلطات المهيمنة على حياته بدلاً من اتخاذ المبادرات والجرأة على التفرد والإبداع.
ما نقصده بالإغتراب بشكل خاص هنا علاقاته بالمؤسسات والمجتمع والنظام العام بعد أن تحوّلت هذه كلها إلى قوة مادية ومعنوية تعمل ضده بدلاً من أن تُستعمل لصالحة وفي سبيل تحسين أوضاعه المادية والإنسانية معاً وإغناء حياته. وبهذا المعنى الخاص يكون الإنسان المغترب عاجزاً وفقيراً في صلب حياته الخاصة والعامة ومهمّشاً لا يقوى عل المساهمة في خدمة المجتمع وإعادة تشكيله.
وتتصل بحالة اللإغتراب هذه مشكلات التفكّك الإجتماعي والسياسي، وخلخلة القيم، والتبعية، والطبقية، والسلطوية، فتسود علاقات القوة والنزاع لا علاقات التعايش والتضامن والإندماج.
لا يقتصر التفكك على العلاقات بين الأقطار العربية في ما بينها، بل يسود داخل البلاد الواحد وتغلب النزاعات الفئوية على حساب الإنسان والمجتمع.
هناك إذن أوضاع تُحيل العربي إلى كائن مغترب عن نفسه ومجتمعه ومؤسساته وتضطره إلى أن يساوم ويتكيّف مع واقعه الأليم بدلاً من العمل على تغييره في سبيل تحقيق النهضة التي حلم بها العرب وكافحوا من أجلها خلال قرن ونصف من الزمن على الأقل.
وتسود في المرحلة الإنتقالية التي طال أمدها حالةٌ من زعزعة القيم والمفاهيم تتجلى في ازدواجية التمسك بالتقاليد المتوارثة من ناحية، والإقبال العشوائي على اقتباس كل ما يرد من الخارج. ولا يختلف الإنسان الذي يتمسك بالتقاليد كردة فعل لما يراه من غزو ثقافي عن ذلك الإنسان الآخر الذي يبدو ظاهرياً نقيضاً له بإقباله على تقليد الغرب كنموذج لحياته.
وكما تتعمّق الفجوات بين مقلّدي الماضي ومقلدي الآخر المختلف، كذلك تتعمّق بين الطبقات أو الأغنياء والفقراء. ولا غرابة في ذلكن فالنخبة الإقتصادية، كما الطبقات والعائلات الحاكمة، مرتبطة بالغرب، وقد ترسّخت التبعية بقدر ما ازداد الإندماج في النظام الإقتصادي العالمي، وهذا ما سنتعرّض له في تحليلنا للعولمة في العقد الأخير من القرن العشرين. ولكناا نقول هنا إن المجتمع العربي ما يزال موزّعاً بين القديم والحديث دون أن يكون أياً منهما حقاً.
هناك حقاً أزمة كبرى في علاقة العرب بالغرب كما بالذات، ولذلك هذه الإحباطات التي مُنيت بها حركات التغيير حين تمكنت أن توجد وتعمل رغم الإستبداد والقمع. وإنه من الخطأ أن نفصل بين أزمتي العلاقة بالذات والآخر، فإن العربي يعاني في علاقته بنفسه وتراثه وهويته، كما يعاني في علاقته بالغرب والحداثة. تلك هي بعض جوانب غربة العربي الحاضر. لهذا يستمر المجتمع العربي في موقعه الهامشي ساعياً بإحساس مأساوي- إنما دون تخطيط ورؤية- إلى تجاوز حاضره الهزيل. إن مثل هذا الإحساس العميق بالإغتراب عن الذات والمجتمع والدولة والمؤسسات الأخرى هو معاناة في صلب البحث العربي للخروج من الحالة السائدة.
إن فجوة عميقة فسيحة تفصل بين الواقع والحلم في الحياة العربية الحديثة. وتضاف إلى الفجوة بين الواقع والحلم فجوات عدة بين الجزء والكل، وبين الجزء والجزء، وبين الأجزاء في علاقتها ببعضها البعض، وبين الواقع الإجتماعي المتكامل والواقع السياسي المتعاكس، وبين الأمة أو المجتمع والدولة، وبين الدعوة والممارسة، حتى لتزداد صعوبة التمييز بين الواقع واللاواقع، وبين الحلم المستحيل والحلم الممكن. لذلك يستمر المجتعع العربي في موقعه الهامشي ساعياً بإحساس مأساوي لتجاوز حاضره الهزيل. إن مثل هذا الإحساس العميق بالإغتراب عن الذات والمجتمع والدولة والمؤسسات هو معاناة في صلب البحث العربي الدائب للخروج من الحالة السائدة.
www.balagh.com

المقالة: | قبل | بعد | | عناوين المقالات | عناوين جميع المقالات

 



 © حقوق الطبع محفوظة للبلاغ
Copyright © 2000 alblagh ORG. All rights reserved. info@balagh.com

H.R