قضايا معاصرة
 

 
المقالة: | قبل | بعد | | عناوين المقالات | عناوين جميع المقالات

السياسـة وتحـولات الحضـارة

د. كامران أحمد محمد أمين
إن المجتمعات الإنسانية لم تتجمع في مكان واحد، بل انقسمت حسب المناطق الجغرافية. ولذلك تتنوع وتختلف الحاجات الإنسانية، كل حسب طريقة معيشته ومتطباته البيئية، ولكن في كل الأحوال، لا يستطيع أي مجتمع من المجتمعات أن يعزل نفسه عن المجتمعات الآخرى ويعيش وحده.
بل بحكم الضرورة يحتاج إلى التعامل وإقامة العلاقات مع المجتمعات الأخرى لذلك يباشر الناس أنوعاً مختلفة من العلاقات مع الآخرين لا عن ضرورة ولكن عن اختيار أيضاً. فالناس لا يستطيعون العيش دون بعضهم البعض، غير أنهم يميلون عادة إلى إختيار من يعيشون معهم.
يشكل هذا بطبيعته موضوعاً كبيراً ومعقداً, يكفي القول إن النشاط الإنساني الدولي يتم بصورة طوعية، فهو إرادي حتى حين يكون إلزامياً وضروريا, حتى حين تكون الحاجة إلى قرار سريع على صعيد السياسة الخارجية المهمة ويكون هامش الإختيار ضيقاً.
قد تكون تلك هي الحال حين يتعلق الأمر بالتهديد بالقوة المسلحة، أو استعمالها أثناء الحروب وغيرها من النزاعات المسلحة, ونادراً جداً بالنسبة لأي دولة متورطة في العلاقات الدولية أن تتمتع بالحرية الكاملة, حتى قادة أعظم القوى مقيدون بالظروف والملابسات (الإنسانية فيها وغير الإنسانية) والتي يجدون أنفسهم محاطين بها.
قد يكون إستقلال الدول، وهو متضمن أحياناً في مفهوم القوى العظمى، أنموذجاً مثالياً، أو أملاً أو هاجساً، غير أنه ليس واقعاً.
ما من أحد متورط في العلاقات الدولية، بمن فيهم رئيس الولايات المتحدة صاحب القدرة الكبيرة في هذه العلاقات، يؤمن بوجود قوة حاسمة منفردة حاسمة في السياسة العالمية، حتى وإن كانت هذه القوى في موقع يجري تفسير الأحداث الدولية أيضاً بإحالتها عليها.
وهكذا الحال بالنسبة للسياسة الداخلية، حيث علاقات القوة والأخلاق والمصالح واضحة جداً إلى درجة تصعب معها فتح الجدال حولها، وهذه المصالح من وجهة نظر علاقاتهم مع القوة، لها ثلاث خصائص، في مقدمتهما المصالح التي تربط القوى مع بعضها البعض، وثانيهما إن هذه المصالح من زاوية الملاحظة السياسية تتغير باستمرار، وثالثهما إن كل هذه العلاقات تقاس على أساس مصلحة المجتمع، وهذه المصالح منفردة وكجزء من الكل تحدد طبيعة وسلوك متابعتها، وإن طبيعة المصالح تحدد هويتها بواسطة الخير العام، وهذا يعني أن كلهم، أي كل المجتمعات تتابع مصالحها فقط.
وكيفية النظر إلى هذه المصالح والتعامل معه، يحدد بطبيعته نوعية الدولة ونمط نظام الحكم الموجود فيها، ويبين بالإجمال الأوضاع السياسية فيها، وحتى بالنسبة لإستقرار الأوضاع الداخلية في أية دولة من الدول تتوقف على الأوضاع السياسية الدولية. فمثلاً مشكلة إيجاد دستور للمواطنين وإن كان مسألة داخلية لكنها تتوقف على مشكلة (أحوال دولية خارجية) قانونية، ولا يمكن أن تحل بدون هذه الأخيرة، إن الروح غير الإجتماعية التي أحوجت الناس إلى التجمع وإقامة الدستور هذا هي السبب في أن كل هيئة في أحوالها الخارجية، أعني كدولة في علاقاتها مع الدول الأخرى، لاتعمل في حرية مطلقة، ومن ثم يجب أن تنتظر كل منها من الأخرى أن تصيبها بالشر الذي حمل الأفراد وأرغمهم على اصطناع وضع قانوني مدني. ولذا فإن الطبيعة قد جعلت من عدم إحتمال الناس بعضهم لبعض، بل والجماعات الكبرى والدول التي من هذا النوع، وسيلة كيما تجد في التعارض الضروري الوقوع بينها ويضمن حالة للسلام والأمان، وفي بعض الأحيان يعتقد أنه تستطيع ضمان السلام بواسطة الحروب والتسلح والإستعداد الذي لا ينتهي ولا يهدأ أبداً، وكذلك بواسطة الأزمات التي لابد أن تشعر بها كل دولة باطنياً حتى في وسط السلام، وهذا كله يدفع إلى مجالات تكون في البدء ناقصة ثم تعيد في النهاية وبعد كثير من الدمار، بل ونفاد القوى باطنياً، إلى أن ترفع من حالة الفوضى القانونية والوحشية إلى إتحاد بين الشعوب، حيث كل منها حتى أصغرها تستطيع أن تؤمل في سلامتها ونيل حقوقها عن طريق هذا الإتحاد الكبير بين الشعوب.
والسياسة مثل الحياة، كل شيء فيها إختيارات، شاملة وسريعة، عدالة أو مصالحة، عقوبة أو مغفرة، هناك دراسات عن المجتمع تظهر بأن الصراعات تؤدي إلى الإستنتاج بأن التسويات التي تسمى العدالة الإنتقالية، وهي تحس بصورة أكبر بمسؤولية الإنتهاكات في الماضي، وتعد طريقة أحسن للدخول إلى المصالحة والإستقرار.
إن العلاقات دائماً هي عبارة عن نوع من الصراع والتنافس، وإن ما يدعونه بسلام النفوس ليس سوى المعنى الديني للحق. وما دام السلام كالحرب يحدد العلاقة بين الدول، فإنه بالدرجة الأولى قضية سياسية، ولا يمكن إذاًَ تعريفه بتوقف تام للصراع، أو إنعدام كامل للنزاعات والخصومات، وعدا ذلك فإن السلام خلافاً للحرب، يتميز بأنه لا يسعى إلى التغلب على العدو أو إنكاره، إنما هو إعلان حرب مقنع أو محو الأسباب التي تؤدي إلى الحرب، وعليه فإن السلم لا يعد كالحرية غاية نهائية ذات طابع أخروي، ولكنه بالنسبة للسياسة، هدف واقعي ومجسد، ينبغي أن نفهم من ذلك أن السلم هو أحد جوانب الهدف النوعي للسياسة, وأنه لا يستطيع أن يكون غاية لفعاليات أخرى، كالدين، أو العلم أو الأخلاق، حتى لو وجب على السياسة نظراً للعلاقات المتبادلة بين مختلف الفعاليات الإنسانية، أن يأخذ بالحسبان، بغية إقامته على أساس راسخ سائر الجوانب الإقتصادية والدينية أو الأخلاقية للوفاق بين الدول.
وإن الضغوط المتولدة عن الإتساع في حجم إمكانات الدولة من القوة القومية هي التي تستطيع أن تفسر لنا سر الديناميكية الهائلة التي تتميز بها العلاقات السياسية الدولية، كما أنها هي التي تكشف لنا عن طبيعة الأسباب التي تؤدي إلى حدوث العدوان ووقوع الحرب في المجتمع الدولي، ولعل هذا هو ما دعا الكثيرين من خبراء العلاقات الدولية إلى أن يجردوا هذه العلاقات ويردوها إلى حقيقة أساسية واحدة وهي أنها لا تخرج عن كونها صراعات قوى أو سياسات قوى ولا شيء غير ذلك. ومن هنا جاءت فلسفة الحق للقوة التي يخيل إلينا أنها الواقع في التعامل الدولي بغض النظر عن أخلاقياتها. لذلك إن الأشخاص الذين تتلاءم مصالحهم معهم يسمونهم بالصديق، وغير ذلك يسمى بالعدو، وهنا أيضاً نرى دياكتيكية الصديق والعدو هي أساسية، إذ ينبغي على الجماعات أن تتغلب على أسباب الخلاف، وتحول دون تكوين عدو داخلي، وأن تحمي الأعداء من عدو خارجي قائم أو يحتمل قيامه, ووسيلتها لذلك إتساع الوفاق والصداقة داخل الوحدة السياسية والعمل في الخارج على إكتساب صداقات الدول، إما عن طريق المحافلات، أو تجمع دولي للسلام.
إن الغاية السياسية إذاً عدت تمجيداً للمصلحة العامة وإعلاء لشأنها تتطلب، بما لا يدع مجالاً للشك، أن تعطي الأولوية للصداقة التي تختلف عن المعاني التي حددناها من قبل، أو إذا جاز لنا القول أن هدف السياسي هو السلام الداخلي والخارجي، وإن كانت هذه الغاية بإستمرار موضع نزاعات وصراعات وحروب أحياناً، هذا يفرض عليها، أي على السياسة، أو تتجاوز دائماً عقب الخصومة والبغضاء.
المصدر: كتاب السياسة الدولية في ضوء فلسفة الحضارة
www.balagh.com

المقالة: | قبل | بعد | | عناوين المقالات | عناوين جميع المقالات

 



 © حقوق الطبع محفوظة للبلاغ
Copyright © 2000 alblagh ORG. All rights reserved. info@balagh.com

H.R