قضايا معاصرة
 

 
المقالة: | قبل | بعد | | عناوين المقالات | عناوين جميع المقالات

التوزيع العالمي الجديد للمعرفة
لمشاهدة الصورة بحجم اكبر إضغط علي الصورة

يحيى اليحياوي
لا ينتابنا أدنى شك في أن التكنولوجيا (كل التكنولوجيا) إنما هي في آن معاً معرفة وثقافة وتمثلاً للتنمية والتطور في الزمان والمكان المعنيين. بالتالي، فإن توزيع العمل الذي تفرزه، تصميماً وتطويراً وتصنيعاً، إنما يطاول توزيع المعرفة السائد ويعمد إلى تشكيل آخر يكون إمتداداً له في الطبيعة والتوجّه.
ولما كانت التكنولوجيا معرفة بامتياز (قياساً إلى الفضاء المستنبَتَة فيه، كما بالقياس إلى مدخلاتها كما على مستوى المخرجات)، فإن أهمية وخطورة كل دولة أو مجموعة منها إنما تستمدّها من قدرتها الواقعية أو المحتملة على التأثير في توزيع ورواج المعرفة فيما بينها، كما على مستوى العالم.
وعلى هذا الأساس، فإن درجة هيمنة هذه الدولة أو المجموعة أو تلك على السوق العالمي لتكنولوجيا الإعلام والإتصال إنما هي مستمدة مما تملكه تلك التكنولوجيا من سبل للهيمنة على العالم أو لتشكيل منظومة إنتاج وتوزيع وإستهلاك المعرفة من بين ظهرانيه. وهو أمر لا تساعد التكنولوجيا (بحكم طابعها) على تحقيقه كونها ملك هذه الشركة الكبرى أو تلك فحسب، ولكن أيضاً لأن من التكنولوجيا ما صُمِّم، بالطبيعة، لغرض بلوغ هذه الهيمنة بداية وبالمحصلة النهائية.
1- المعلومة والمعرفة والثقافة على محك توزيع العمل الجديد
يحيل مصطلح "التوزيع العالمي للعمل" إلى نمط وشكل توزيع الأدوار والتخصصات بين دول العالم يكون بموجبها لكل دولة دور محدد في السوق العالمي، كلٌ حسب إمكاناتها وقدراتها الإنتاجية ومستوى تطورها التكنولوجي. ولما كان هذا التوزيع محكوماً بذلك النوع من التخصصات في زمن ما متحوِّل، فإن المصطلح المذكور لا يبقى قاراً وثابتاً، بل يتحرك بانتظام ويخضع لعملية التحوّل التاريخي.
وعلى هذا الأساس، فإذا كان لمرحلتَيْ التدويل وتعدد الجنسية تقسيمهما للعمل، فإن للعولمة بدورها نمطها في توزيع العمل بين فاعليها الكبار كما على المستوى العالمي.
ولما كانت العولمة مزامنة، من جهة أخرى، لطفرة تكنولوجيا الصدارة (لا سيما على مستوى تكنولوجيا الإعلام والمعلومات والإتصال)، ملازمة ومحفزة لإنبعاث براديغم معلوماتي أساسه ضخامة إنتاج وتوزيع وإستهلاك تيارات الرموز اللامادية، فإنه من الطبيعي أن يواكب ذلك توزيع للعمل داخل الدولة الواحدة، كما بين دول العالم. والواقع أن التوزيع العالمي الجديد للعمل (المبني على المعلومات وعلى المعرفة نهاية المطاف) إنما يجد مرتكزه الأساسي في مفصلين أساسيين اثنين:
المفصل الأول، ويتمثّل في تحول المعلومة والمعرفة من مجرد أداة ثانوية (مدخل إنتاجي من ضمن مدخلات أخرى) إلى الأداة العصبية المركزية التي لا محرك للعملية الإنتاجية أو للهيكلة المؤسساتية بدونها.
ومعنى هذا أن المعلومة (المتحولة تدريجياً مع الزمن إلى معرفة ثم إلى جزء من ثقافة) إنما أضحت العنصر الأساسي للتميز الإستراتيجي بين الشركات ومؤسسات الإنتاج. وهو أمر لا يتعذر التحاجج بشأنه كثيراً، إذ مجرد ملاحظة ما يخصص لتكنولوجيا الإعلام المعلومات والإتصال (بحثاً واستثماراً) يغني، في حد ذاته، عن كل تحليل.
أما المفصل الثاني فيكمن في الإرتكاز المتزايد على المعلومات (أعتدة ومضامين) في ميدان إنتاجية وتنافسية الإقتصادات الوطنية بين بعضها البعض. إذ لم تعد المواد الأولية التقليدية (مقابل مواد مصنَّعة) هي الأصل في تنافسية الدول، بل غدت عناصر البحث العلمي والإبداع التكنولوجي، والنصيب من السوق العالمي للتكنولوجيا والبرامج المتقدمة هو الفيصل في تحديد مكانة وموقع هذه الدولة أو تلك.
وعلى هذا الأساس، فإن تراتبية الدول (أو مجموعات الدول) في ظل التوزيع العالمي الجديد للعمل، تشير إلى ثلاث كتل إقتصادية كبرى تتميّز عن بعضها البعض في طبيعة التخصّص الذي تستند إليه كما في نوعية المعرفة التي تراهن عليها.
- دول ما قبل صناعية لا تزال الفلاحة والموارد الأولية (الإستخراجية والتحويلية) والتنظيم الهرمي هي عصب الإقتصاد ومصدر إنتاجية و"تنافسية" إقتصادها.
- دول صناعية أو حديثة العهد بالتصنيع (في أوروبا الغربية والشرقية تحديداً)، وهي التي تراهن حالياً على إقامة بنى صناعية قبل الإنتقال إلى الصف الأول مع مرور الزمن.
- ودول تجاوزت هاتين المرحلتين (في وتيرة نموها ومستوى تشغيل اليد العاملة الماهرة وذات الكفاءة العالية) وتعتمد على التكنولوجيا بكل روافدها، ولاسيما التكنولوجيا ذات الكثافة المعلوماتية والمعرفية العالية.
وإذا كانت بعض الدول الصاعدة تراهن على بلوغ الصف الأول دونما إدارة الظهر للبنى التحتية الزراعية والصناعية (كالهند مثلاً أو الصين أو البرازيل أو غيرها)، فإنها لتحقيق ذلك إنما تراهن على "تناقضات" التوزيع العالمي القائم لتستجلب الإستثمارات (المتحوّلة عن دول المركز ذات التشريعات المتشدّدة نسبياً لفائدة الدول/ القارات حيث سُبُل الربح مضمونة والتشريعات مخفَّفة) أو لخلق مناطق لإستقطاب التكنولوجيا المتقدمة المتوافرة لدى الأقطاب الكبرى دولاً وشركات.
2- قطبية تكنولوجيا الإعلام والمعلومات والإتصال وعولمة المعرفة
إذا كان من النافل القول إن الدور المتقدمة الكبرى هي التي تصيغ أضلع التوزيع العالمي الجديد للعمل عبر تحكمها في مختلف أشكال التكنولوجيا (أعتدة وبنى تحتية وبرمجيات وغيرها)، فإنه من النافل أيضاً التسليم بأنها تريد من ذلك التحكّم في شتى تيارات المعلومات والمعطيات والبيانات والمعارف وما إلى ذلك على المستوى العالمي.
وإذا كان مؤشّر تمركز تكنولوجيا الصدارة (وفي مقدمتها تكنولوجيا الإعلام والمعلومات والإتصال) يعبّر بجلاء عن مستوى القطبية الذي بلغه هذا المجال (بحثاً علمياً وإبداعاً تكنولوجياً وحصصاً إقتصادية وغيرها)، فإن ذلك المؤشر إنما يناقض طبيعة وشكل خطاب "عولمة المعرفة" الذي أضحى ملازماً، في الوقت الحالي، للمجال إياه لاسيما فيما يتعلق بشبكة الإنترنت التي تكرّس هذا الخطاب شكلاً وبالمضمون:
* فشبكة الإنترنت وإنْ كان القصد منها في بداياتها الأولى تبادل المعلومات والمعارف والتجارب والعمل الجماعي (حين كانت محصورة بالنخب العلمية)، فإنها قد أضحت اليوم مركزاً متقدماً للتجارة الإلكترونية التي تحقق الشركات الكبرى من خلالها أرباحاً عالية وتتحالف من أجل الدفع قُدماً بها.
* والشبكة شبكة معلومات بامتياز، لا ثُمثِّل الجانب المعرفي فيها (عندما تختمر هذه المعلومات أو جزء منها على الأقل) إلا نسبة ضئيلة قياساً إلى الأحجام الضخمة من المعلومات والمعطيات المروّجة عبرها، إذ تقدر الدراسات نسبة المعرفة من الشبكة بما لا يتجاوز الـ 10 بالمائة فقط.
* ثم إن الشبكة، وإلى حد كبير، هي حكر على لغة (اللغة الإنكليزية) التي لا تتحدثها إلا نسبة ضعيفة من ساكنة الأرض... وهو ما يحول دون بلوغ بنوك المعلومات وقواعد البيانات أو المعارف التي تكتنزها الشبكة أو تُدمج فيها بانتظام.
وبالتالي، فإن الاحتكام إلى ما تروجه شبكة الإنترنت لإسناد أطروحة "عولمة المعرفة" إنما هو أمر مجانب في جزء كبير منه لعين الصواب. وهو ما ينطبق، وبالقدر ذاته ربما، على أطروحتَيْ "المجتمع الإعلامي الكوكبي" و"مجتمع المعرفة العالمي"، إذ تبقيان معاً أقرب إلى الطرح الأكاديمي منه إلى معطيات واقع الحال المُلاحظ.
ليس ثمة شك كبير إذن في أن الذي يصطلح على منطوقه بعولمة المعرفة، إنما يتطلع في فلسفته المضمرة إلى إدراك مبتغيين اثنين:
المبتغى الأول ويتمثّل في التطلع (من قِبل الدول الكبرى كما من قِبل شركاتها) إلى خلق "فضاء إقتصادي عالمي" تكون شبكات المعلومات والإعلام والإتصال عصبه ورافده الأساسي. والأمر لا يقف هنا فقط عند إخضاع المعلومات والمعطيات والسلع والخدمات المعلوماتية والإعلامية والإتصالاتية وما سوها لمنطق السوق (في منظمة التجارة العالمية كما في هيئات الأمم المتحدة المختصة)، بل يتعداه إلى مطالبة الدول (كل الدول حتى دول العالم الثالث) بضرورة التسريع بتحرير أسواقها في التقنيات المعلوماتية والخدمات الإعلامية وخوصصة الملكية العمومية التي اشتغل قطاع الإتصالات في ظلها لعقود طويلة.
أما المبتغى الثاني فيكمن في التطلع إلى تكريس نموذج في التوزيع العالمي يكون للدول الكبرى بموجبه التخصص في البحث والتطوير والتصنيع العالي الدقة، فيما يؤول للدول الصاعدة ذات البنية التحتية الواعدة التخصص في "تركيب الأجزاء" أو المناولة أو تصنيع بعض مكوِّنات المُنْتَج، فيما تكتفي باقي دول العالم (بحكم طبيعة تخصصها البدائي) بإقتناء وإستهلاك ما يُعرض عليها (في حال قدرتها على تسديد ثمنه).
وفي المحصلة، فإن الدول التي ستستفيد حتماً من العولمة (وبالتالي من نموذج التوزيع العالمي المتقدم تدريجياً) إنما هي الدول الكبرى فيما بينها وبعضٌ من الدول الصاعدة التي تسعى جاهدة إلى إقامة بنى تكنولوجية لها إما ذاتية أو عبر تطويعها للتكنولوجيا... ما سوى ذلك، فإن باقي دول العالم تعرف وستعرف شتى أنواع الإقصاء والتهميش من دورة المال "المعرفي" ومن حركية الإقتصاد والتكنولوجيا.
3- شركات التكنولوجيا متعددة الجنسيات: السلطات الجديدة
الشركات المتعددة الجنسيات (وهي فاعلة في كل القطاعات المتاحة عالمياً) ليست وحدات إنتاج عادية ولا مؤسسات إقتصادية ومالية وتكنولوجية بإمكان المرء معاينة مكاتبها أو حصر فروعها، بل هي ظاهرة إقتصادية بامتياز ليس بعددها (حوالى 36,000 شركة) ولا بتشعب فروعها ومكاتبها المحلية (160,000 فرع في معظم بلدان العالم)، بل بسعة نشاطها الذي يغطي شتى ضروب الإقتصاد والمال والأعمال والتكنولوجيا، وأيضاً بمكاتب التمثيل التي تتوافر لديها إن لم يكن في كل بقاع العالم، فعلى الأقل في تلك التي تدخل في نطاق إهتماماتها المباشرة.
وبالتالي، فإن من الصعب حقاً معرفة طبيعة رأسمالها (حتى وإن حمل في أصله جنسية بلد المنشأ)، ولا كل القطاعات الفاعلة فيها، ولا طبيعة أو نوعي الإرتباطات التي تجمعها بسواها من شركات أو من حكومات حتى.
وعلى الرغم من كون تلك الشركات لا تُصنف في الغالب الأعمّ (في الإحصاءات الوطنية وإحصاءات المنظمات الدولية) إلا على أنها مقاولات ووحدات لإنتاج وإعادة إنتاج الثروة، فإنها تتجاوز ذلك بكثير بحكم أرقام معاملاتها والأرباح المتأتية من تلك الأرقام.
وعلى هذا الأساس، فإن نعتها بالسلطات الجديدة متأتٍ من ثلاثة معطيات موضوعية كبرى:
المعطى الأول، ويتمثل في ضخامة أرقام معاملاتها الإجمالي (قياساً إلى ضخامة السوق).
المعطى الثاني، ويمكن في الدور الجوهري الذي تلعبه تلك الشركات ليس فقط على مستوى السياسات الإقتصادية الوطنية أو على مستوى جهة من جهات العالم، بل على المستوى الكوني برمته. إذا لم يكن الأمر كذلك، فبماذا نفسِّر حضورها القوي في المنتديات العالمية (في دافوس كما في قمتي الأمم المتحدة حول المعلومات كما في غيرها) كما في كل الملتقيات التي يتحدد فيها حاضر العالم ومستقبله؟ ثم إذا لم يكن الأمر كذلك، فما تفسير المضاربات أواسط القرن الماضي، على العملات الآسيوية تحولت من جرائها دول صاعدة إلى "دول متسولة" في أروقة البنك الدولي وصندوق النقد الدولي وغيره من المؤسسات؟
المعطى الثالث، ويتعلق بخطورة القطاعات التي تشتغل فيها تلك الشركات على الأفراد كما على الجماعات سواء بسواء. فتكنولوجيا الإعلام والمعلومات والإتصال هي بالتأكيد حاملة لـ "صناعات ثقافية" (عبر الصورة كما عبر الكلمة كما عبر الصوت)، لكنها في الآن ذاته مصدر مخاطر على حياة الأفراد كما الجماعات. والواقع أن الخطر لا يكمن كله في هذه التكنولوجيا (حتى وإنْ كانت مضمرة لبعض منه)، بقدر ما يكمن في ما تستنبته من منتجات، هي بالأصل نتاج ثقافة ومنظومة قيم محددة... وهو ما لا يسهِّل فقط الإختراق (اختراق دول محيط العولمة تحديداً) على المستويين الثقافي والسيميائي، بل ويفسح في المجال واسعاً للتنصت على الأفراد كما على الجماعات ورصدهم في حلّهم وترحالهم على أساس من هذه الخلفية أو تلك.
4- تكنولوجيا الرقابة: نموذج "إيشلون"
لا نريد هنا التوقف عند نماذج التوظيف السلبي (وهي كثيرة ومتنوعة) الذي قد تلقاه التكنولوجيا عموماً وتكنولوجيا الإعلام والمعلومات والإتصال على وجه التحديد.
لكن غايتنا هي التوكيد على أن التكنولوجيا هي سيف ذو حدّين. فهي بقدر ما تفتح الآفاق للإطلاع وتبادل المعلومات والمعارف، فإنها بالوقت ذاته تخترق على الفرد والجماعة حياتهما الخاصة وحميميتهما لهذا الغرض أو ذاك.
والحقيقة أنه من المجانب للصواب حقاً التنكّر لمزايا ما حملته تكنولوجيا الإعلام والمعلومات والإتصال (على مستوى تواصل الأفراد والجماعات وتبادل المعلومات والمعارف فيما بينها)، ومن المجانب للصواب أيضاً رفض التداول الحرّ لتلك المعلومات والمعارف أو الحدّ من وتيرة سريانها على خلفية من هذا المسوغ أو ذاك.
لكن، إذا كانت تلك التكنولوجيا حمّالة رموز ومعارف وثقافات ومنظومات قيم، فإنه من التجاوز الكبير على وظيفتها إخضاعها لمنطق السوق الخالص أو لمبدأ المتاجرة المحض. إلا أنه بقدر ما يُمكن تعداد مزاياها المتعددة والمتنوّعة، بقدر ما يُسجل لها من أخطار متأتية من توظيفها لخدمة هذه السياسة أو تلك الإستراتيجية أو هاتيك الإيديولوجية أو ما سوى ذلك. ولعل نظام "إيشلون" الأميركي نموذج صارخ لذلك.
"إيشلون" هو نظام للمراقبة والتنصت والتعرّض للمعلومات صمّمته الولايات المتحدة في أثناء الحرب الباردة، لكنه لم يعرف الشهرة الحالية إلا بعدما تطورت التكنولوجيا وأضحت "مطواعة" لأكثر من وظيفة.
المصدر: كتاب العرب وشبكات المعرفة (دراسة في الموقع والواقع)
www.balagh.com

المقالة: | قبل | بعد | | عناوين المقالات | عناوين جميع المقالات

 



 © حقوق الطبع محفوظة للبلاغ
Copyright © 2000 alblagh ORG. All rights reserved. info@balagh.com

H.R