* د. أحمد عيسى
عددهم كبير ولكن معروف، ودورهم مؤثر ولكن قوتهم غير ظاهرة، ويشكلون أغلبية في عدة دول أوروبية، ومع ذلك فالدول التي يعيشون فيها إما يسارية أو علمانية.. إنهم مسلمو أوروبا.. وفي التقرير الأخير لوزارة الخارجية الأمريكية ظهرت إحصاءات رسمية أجنبية مجمعة لأول مرة عن أعداد المسلمين في دول أوروبا.. قد تكون إحصاءات مغرضة أو غير دقيقة، ولكنها الوحيدة تقريباً التي صدرت بشكل مرتب ومنظم تكشف عن أعداد مسلمي أوروبا.
في هذا الموضوع تعرض هذه الإحصاءات والأرقام الأمريكية، ولكن تظل قضية مسلمي أوروبا مثاراً للجدل بين متفائل يرى مستقبلاً أفضل لهم لتنامي وجودهم عدداً وتأثيراً، وبين متشائم يرى تنامي الصعوبات والتحديات مع تنامي العدد، وعدم تناسب عددهم مع ضعفهم السياسي، بل هناك من يحذر من تضخيم وجودهم بهدف التخطيط للتضييق عليهم.
إن وجود المسلمين في أوروبا، ومنهم أهل البلاد الذين تحولوا للإسلام عن رضى واقتناع قديماً وحديثاً، حقيقة لا يمكن إنكارها أو التغاضي عنها، فقد زاد عددهم، ويتوقع أن يصل إلى 20% من إجمالي سكان أوروبا بعد 40 عاماً، وارتفاع نسبة خصوبتهم يبشر بطول بقائهم، ولكن هل سيكون هذا البقاء قوياً كريماً؟
لقد أصبح الإسلام ديناً رسمياً معترفاً به في النمسا منذ حوالي مائة عام (سنة 1912م)،ثم تم تفعليه مرة أخرى عام 1988م، واعترف به في بلجيكا عام 1974م التي يوجد بها 34 مسجداً، وفي فرنسا وصلت نسبة المسلمين إلى 10%، وفي بريطانيا جاء اسم (محمد) في المرتبة الثانية بعد اسم (جاك) لمواليد العام الماضي، وقد زاد عدد المسلمين إلى أكثر من الضعف خلال الثلاثة عقود الأخيرة.
واعتماداً على تقديرات إعلامية وبحوث غير مكتملة فإن التقديرات الأوروبية تحصي عدد المسلمين بما يتراوح بين 13 إلى 18 مليوناً، وحسب ما نشره موقع المجلس الأعلى للمسلمين بألمانيا؛ قام مركز الأرشيف الإسلامي بعمل إحصاء حول عدد المسلمين في أوروبا جاء فيه أن عددهم يبلغ 53 مليوناً (بما فيهم 6 ملايين في تركيا الأوروبية و25 مليوناً في روسيا).
ووفقاً للتقرير الأمريكي لوزارة الخارجية المتعلِّق بالحريات الدينية الصادر عام 2007م يلاحظ أن أقل تقدير لعدد المسلمين في دول الاتحاد الأوروبي هو 18,5 مليون نسمة، أي حوالي 4% من عدد السكان، والعدد يصل إلى 27 مليوناً إذا أضيف إليه المسلمون في بقية أوروبا ماعدا تركيا وروسيا وأذربيجان وكازاخستان أي حوالي 5% من عدد السكان.
أمّا إذا أضيف إلى ذلك هذه الدول الأربع فإن العدد يصل إلى 39,8 مليوناً أي بنسبة 17% من عدد السكان، ولو استبعدنا من الإحصاء أذربيجان وكازاخستان اللتين تصنفان داخل أوروبا (وتلعبان ضمن كأس أوروبا)، فإن عدد المسلمين سيصل إلى 122 مليوناً أي بنسبة 15,5%.
ويلاحظ أن هناك دولاً في الاتحاد الأوروبي خاصة الدول ذات التأثير السياسي، زاد فيها عدد المسلمين على المليون مثل فرنسا (6,3 مليون)، وألمانيا (3,5 مليون)، والملكة المتحدة (مليونان)، ثم مليون أو أكثر في كلٍ من إيطاليا وإسبانيا وهولندا وبلغاريا.
- أجيال يانعة وخصبة:
والملاحظ على مسلمي أوروبا أن مجتمعاتهم تضم أجيالاً يانعة وخصبة، فثلث مسلمي فرنسا أعمارهم أقل من عشرين عاماً، وثلث مسلمي ألمانيا أعمارهم أقل من 18 عاماً، وثلث مسلمي بريطانيا وبلجيكا أعمارهم أقل من 15 عاماً، وبالتالي فإن بقاءهم وتأثيرهم في سوق العلم والعمل والسياسة لا يختلف عليه أحد.
وهناك توقّعات بأن يصل عدد سكان بريطانيا إلى 70 مليوناً في غضون عشر سنوات بزيادة خمسة ملايين عن الآن، ولكن اللافت أن صحيفة "الديلي تليجراف" نقلت عن خبراء في الإحصاء توقعاتهم بأن 70% من تلك الزيادة ستكون من نصيب المهاجرين إلى البلاد، والنسبة الباقية من أمهات بريطانيات، أغلبهن من الجيل الثاني للمهاجرين، وتوسعت الصحيفة في تفصيل أسباب الزيادة السكانية غير المسبوقة منذ الانفجار السكاني في أعقاب الحرب العلمية الثانية، ومنها زيادة متوسط العمر ونسبة الخصوبة مع الهجرة الكثيفة إلى بريطانيا.
فنسبة الخصوبة لدى الأمهات الباكستانيات اللاتي يعشن في بريطانيا هي 4,6 أطفال لكل إمرأة، في حين أن النسبة لدى البريطانيات البيض هي 1,6 فقط، وفي عام 2007م بلغ عدد الأطفال المولودين من أمهات نشأن خارج بريطانيا 22% من نسبة المواليد كلها.
- الهلال المتنامي وصدام الثقافات!
وكما اختلفت تقديراتم المحللين لعدد المسلمين في أوروبا، كذلك اختلفت توقعاتهم للمستقبل، فمنهم الدبلوماسي الأمريكي "تيموثي سافيج" الذي يقول في دراسة أعدها تحت عنوان: "أوروبا والإسلام.. الهلال المتنامي وصدام الثقافات": إنه على الرغم من تزايد عدد حاملي الجنسية الأوروبية فإن الشباب المسلم في أوروبا يبدي تمنُّعاً ملحوظاً عن الذوبان في المجتمع الأوروبي بقيمه العلمانية، بل إن هؤلاء الشباب أظهروا تمنُّعاً لم يبدِه حتى آباؤهم وأجدادهم القادمون إلى أوروبا.
ويلاحظ "سافيج" في دراسته أن طبيعة الوجود الإسلامي في الغرب شهدت تحولاً، فمن مجرد عمال مهاجرين يبحثون عن العمل والإقامة المؤقّتة تحول المسلمون إلى جزء من التركيبة المجتمعية السكانية، وهناك توقعات بأنه سيكون للمسلمين والإسلام دور أساسي مستقبلاً، ومع انتصاف القرن الحادي والعشرين سيكون الإسلام العامل الأبرز في تحديد ونحت معالم أوروبا، سواء أكانت موحدةً أم دولاً.
- سيناريوهات المستقبل:
ويقول الكاتب الأمريكي اليهودي المتشدد "دانييل بايبس": إن هناك ثلاثة سيناريوهات محتملة لمستقبل القارة الأوروبية في ظل هذا الوجود الإسلامي المتنامي هي: سيناريو الحكم الإسلامي وسيناريو طرد المسلمين، وسيناريو التكامل المتناغم، ولكنه يستبعد سيناريو الاندماج الأخير، ويسعى لتحقيق الثاني وهو الطرد، ويخوّف ويحذر الأوروبيين من السيناريو الأول وهو "أسلمة" أوروبا في القرن الحادي والعشرين.
ويبني "بايبس" تحذيره على أساس أن المسيحية فقدت بريقها في الوقت الذي يلمع فيه نجم الإسلام، ويدلل على ذلك بتقدير الباحثين أن عدد المسلمين الذين يحضرون صلاة الجمعة في لندن أكبر من عدد المسيحيين الذين يذهبون للكنائس يوم الأحد، رغم أن المدينة تؤوي من المسيحيين سبعة أضعاف أعداد المسلمين، كما يبنيها على قضية زيادة العدد والخصوبة، ويقول: إن إسم "محمد" هو أكثر الأسماء شيوعاً في مدينة "براسلس" ببلجيكا، وإن مدينتي "أمستردام" و"روتردام" بهولندا هما في الطريق لأن يكونا أول مدينتين في أوروبا ذواتي أغلبية مسلمة في غضون عام 2015م.
وقد أكد هذه التوقعات إصدارات "مركز السياسات اليهودية"، وهو مركز بحثي تابع للائتلاف الجمهوري اليهودي، حيث ذكرت الدراسة اليهودية أن تزايد أعداد المسلمين في أوروبا يمثل مشكلة حرجة في مستقبل القارة، وأن هذا التزايد من شأنه أن تكون له نتائج هائلة على "الإنسانية"، خاصة الولايات المتحدة التي ترتبط بأوروبا بروابط اقتصادية حساسة، وكأنه يستعدي الدول الأوروبية على أبنائها المسلمين.
وأوضحت الدراسة اليهودية أن السيناريو المحتمل الثاني- أي طرد المسلمين- يتم بأن ينهض الأوروبيون ويطالبوا باستعادة "نظامهم التاريخي" وهناك العديد من الأحزاب الأوروبية والحركات القومية تعمل في هذا الاتجاه.
وبوادر ذلك ظهرت جلياً في موقف فرنسا من تشريع حظر الحجاب، وإزالة القيود حول الأعلام القومية والرموز المسيحية، والاستمرار في خدمة تقديم النبيذ أثناء العشاء الرسمي، رغم اعتراض المسلمين على ذلك!.
بل إن الكاتب الأمريكي "رالف بيتر"، نقلت عنه الدراسة قوله: إن أوروبا ستكون "أفضل مكان للإبادة الجماعية والتطهير العرقي"، وتوقع أن يكون مسلمو أوروبا "محظوظين إذا تم طردهم ولم يقتلوا"!!
والقضية هنا أن نصف عدد المسلمين في أوروبا ولد داخل أوروبا ولا يعرف له وطناً آخر، ولا يحق أن يوصفوا بالأقلية أو الجالية، وهذا الوصف يسبب خللاً في التعامل مع قضايا المسلمين في أوروبا، كما ظهر مثلاً بشأن قضية الحجاب في فرنسا، وظهور أصوات في الإعلام العربي تقول: "إذا كانت المسلمات في فرنسا لا يردن الالتزام بقوانينها فليرحلن عنها"!، فالجواب هنا: إلى أين يذهبن وهم من جنسية هذا البلد الأوروبي؟ ولماذا، وفرنسا هي وطنهن الأم؟!
لقد جن جنون البعض من زيادة أعداد المسلمين في أوروبا والصحوة الإسلامية فيها والالتزام الإسلامي والمدارس الإسلامية والأخلاق الإسلامية والزي الإسلامي والأناشيد الإسلامية والطعام الإسلامي، بل من مكة كولا، وكولا توركا، ولكن تبقى تحديات هائلة أمام المسلمين في أوروبا.
www.balagh.com
|