|
* إعداد: محمد عبود السعدي
في كينيا، ثمة جمعية فريدة تقدم الخدمات الطبية الطارئة في أبعد الأماكن، وأصعبها بلوغاً. تمكنت جمعية "أمريف" من بلوغ الفاعلية، وإغاثة مصابين ومرضى يستلزم الوصول إليهم أياماً في سيارات الإسعاف "الأرضية". كيف؟ ببساطة، تستخدم طائرات صغيرة، وبشكل خاص توظف طيارين موهوبين قادرين على الهبوط في أماكن "مستحيلة"، والإقلاع منها.
في أفريقيا، تعاني حتى بعض المدن الكبرى، بما فيها أحياناً عواصم، سوء الخدمات الصحية وتواضع الإمكانات وتردي البنى التحتية الطبية والعلاجية. فكيف والأماكن النائية. لاسيما في بلد ككينيا، جله مغطى بأحراش وغابات في منأى عن "الحضارة"، ولا تصل إليها شبكات الطرق البرية؟ التنقل هناك بطيء بسبب تلك الطبيعة، الخلابة لكن غير العملية.
من ذلك المنطلق، تأسست في نيروبي، 1957، جمعية "أمريف" (AMREF، مختصر "جمعية التطبيب والبحث في أفريقيا"). فهذه تعتمد على "أسطول" من طائرات مدنية صغيرة، تتيح بلوغ البروع النائية في وقت معقول. وغالباً ما أنقذت الجمعية مرضى ومصابين بفضل سرعة الوصول إلى قرى معزولة، في قلب الأحراش.
- لماذا لقبوا "الأطباء الطائرين"؟
فمثلاً، قبل أشهر، تسلم مقر "أمريف"، في نيروبي، بلاغاً في الثالثة صباحاً عن حالة طفلتين توأمين "سياميتين" (ولدتا ملتصقتين)، تتوقف فرصتهما الوحيدة في النجاة على إجراء عملية جراحية عاجلة، غير ممكنة إلا في العاصمة نيروبي. تمّ انتظار بزوغ الفجر، في الخامسة والنصف صباحاً (لتسهيل إيجاد القرية، وبشكل خاص الهبوط قربها). فحلقت إحدى طائرات الجمعية، ووصلت إلى تلك "الحتة المقطوعة" بعد ساعة وحطّت في منطقة أحراش. تجمهر سكان القرية حالاً حول الطائرة والفريق الطبي، الذي شقّ طريقه بصعوبة بين الحشود لغاية كوخ أهل الوليدتين. فاصطحبهما إلى الطائرة مع أمهما، التي كانت على شفير الموت إثر عملية الولادة القيصرية، التي كانت أجريت لها قبل بضع ساعات. وفي نيروبي، نقلت الأم وطفلتاها في سيارة إسعاف اعتيادية، يعني "بَرِّية"، إلى أحد مستشفيات العاصمة. فتمّ إنقاذهن، الثلاث معاً. ولا نعرف إن عُدن أدراجهن إلى مسقط رأسهن على متن "طائرة خاصة" أيضاً، أم بوسائل برية، بين الأحراش والأدغال.
في مرة أخرى، من بين مئات عمليات الإسعاف التي تنجزها الجمعية سنوياً، تمّ إنقاذ حارس في إحدى المحميات الطبيعية. إذ تعرض المسكين لعضة أسد في بطنه، قبل أن يتمكن زميل له من التدخل لإبعاد الأسد "المشاكس"، وإبعاد الشر عن زميله مؤقتاً. لكن أمعاء الحارس خرجت من بطنه إثر العضة، وتطلب الأمر نقله بسرعة إلى مستشفى قبل أن يفقد كميات كبيرة من الدم. فوصلت إحدى طائرات الجمعية بسرعة، بعدما تمّ إبلاغ المقر بالراديو. ولا نعرف إن عمد المصاب، بعدما حلّ به، إلى العودة إلى مهنة الحراسة في محمية طبيعية، تعج بالأسود الشرسة اللبؤات الشريرة والكواسر المفترسة.
وفي الحديث عن الطيران، طبعاً يُفضّل أن يكون طيارو الجمعية أطباء، وأطباؤها طيارين، لكي يقوموا بمهمة مزدوجة. فمن شأن ذلك تقليص التكاليف وزمن التدخل، وتقصير المسافات. لذا، لقبوا "Doctor Flying"، أي "الأطباء الطائرين". في الواقع، طيارو "أمريف" ليسوا كلهم أطباء، والعكس ينطبق أيضاً: ليس كل أطباء الجمعية ضليعين في الطيران. فقيادة "طائرات الإسعاف" تلك تتطلب حنكة كبيرة، ومهارة عالية في الطيران، يجيدها بعض الأطباء الشغوفين بالطيران في الوقت نفسه، لكن ليس كلهم.
- فروع في أفريقيا:
فطبعاً، في معظم الحالات، لا توجد مطارات، وغالباً ليس حتى مجرد مدارج إقلاع وهبوط. هكذا، على الطيار أن يحسن اختيار مكان ملائم للهبوط، على أن يكون أقرب ما يمكن إلى مكان التدخل. وينبغي عليه "تشغيل" حدسه وإجادة التصرف بسرعة لمواجهة الحالات غير المعهودة. وهذا يتطلب طيارين "بالفطرة"، من أولئك الذين يعشقون الطيران فعلاً، بعيداً عن وسائل الإرشاد الحديثة. وهؤلاء لا يتوانون عن ممارسة الطيران بصورته "البدائية"، من دون دعم لوجستي أو توجيه بالرادار، أي على طريقة "أيام زمان"، وعلى غرار ما أنجزه رواد الطيران في بدايات القرن العشرين. فاختيار مكان الهبوط يتم "بصرياً"، بالعين المجردة، لعدم وجود خرائط دقيقة في معظم الأحيان. ويكتفي طيارو "أمريف" بنشرات الأنواء الجوية، والخرائط العامة للمناطق المشمولة. وعليهم التحلي بالأناة والصبر لمكافحة الإرهاق والـ"ستريس"، وتحمل المخاطر، لاسيما عند الهبوط على أرضيات رخوة.
على الرغم من أن "أمريف" جمعية كينية، مقرها في نيروبي، فهي تغطي مناطق أفريقية أوسع بكثير، لها فيها "فروع"، تشمل إثيوبيا والصومال وأوغندا وتنزانيا وجنوب أفريقيا. وبطبيعة الحال، عدا عن بضع طائرات صغيرة، تمتلك "أمريف" سيارات إسعاف اعتيادية أيضاً، لإكمال عمل الطائرات. وهي توظف حالياً 700 شخص، 97 في المئة منهم أفارقة. لكن، كيف أتت فكرة تأسيس خدمات إسعاف جوي في بلد مثل كينيا؟
في 1947، وصل إلى كينيا ثلاثة أطباء إنجليز. فهالهم أن يعاني سكان "الأرياف" إهمالاً صحياً مأساوياً، غالباً ما يودي بحياتهم لأتفه الأسباب. والسبب الأول: عزلة تلك المناطق تؤدي إلى صعوبة الوصول بسرعة إلى المصابين والمرضى. فقرر الثلاثي تقديم الخدمات الطبية بطائرة. بدت فكرتهم "مجنونة" نوعاً ما، لاسيما في فترة أربعينات القرن الماضي. لكنهم أصروا، فأسسوا ما سمي "خدمة الأطباء الطائرين في شرق أفريقيا". وفي خمسينات القرن، توسعت تلك الخدمة، نظراً إلى أنّ أغلبية الكينيين كانت تقطن في مناطق غابات نائية، بعيدة عن المدن، التي كانت تضم مستوصفات وعيادات ومستشفيات قليلة العدد أصلاً، وتفتقر إلى المعدات العلاجية الحديثة. هكذا، تمّ تأسيس "أمريف"، وتجهيزها تدريجياً بوسائل اتصالات لاسلكية، في هدف جمع مفهومَي التدخل البعيد وإجراء العمليات الجراحية محلياً، قدر الإمكان، في الغابات ومناطق الأحراش والأدغال النائية، أو نقل المصابين والمرضى جواً إلى أقرب مدينة.
- إسعاف رعاة في تخوم الصحارى:
وعدا عن خدمات الطوارئ المقدمة، تضطلع الجمعية بدور اجتماعي. إذ يؤكد مسؤولوها أن الهدف من خدمة السكان الأكثر بؤساً وتهميشاً في المجتمع الكيني، ومجتمعات البلدان الأفريقية الأخرى العاملة فيها، ينصب على جعل أولئك المنسيين "المنبوذين" يشعرون بأن ثمة من يفكر فيهم وفي أوضاعهم، بالتالي حملهم على الثقة بأنفسهم والاندماج في المجتمع. وإلى حد ما، تقوم فكرة الجمعية على مبدأ "العقل السليم في الجسم السليم".
فعندما يتلقى هؤلاء "المهمشون" رعاية صحية، يصبحون أكثر إدراكاً ووعياً، وأقل انعزالاً، ما يعينهم على أن يكونوا عناصر نافعة في المجتمع. لذا، إذا كان الفرع الرئيسي الكيني يُعنى بشكل خاص بساكني الغابات، فإن فروع الجمعية في بلدان أفريقية أخرى تهبُّ أيضاً إلى إسعاف رعاة في مَراع نائية، على أطراف الصحارى. هناك أيضاً، يصعب وصول سيارات الإسعاف البرية، ما يحتم أحياناً تدخل الإسعاف الجوي. كما لا تكتفي "أمريف" بالإسعاف في حد ذاته، وإن كان نشاطها الأهم، إنما تحرص على إقامة شراكات مع السلطات الصحية، المحلية منها والمركزية، ومع المؤسسات الطبية والعلاجية، وحتى مختبرات التحليل والمنظمات الدولية، الحكومية وغير الحكومية. فهي تهدف إلى تقديم خدمات متكاملة، ومتابعة المسعَفين طبياً واجتماعياً، وإعانتهم على إجراء المعاملات، وتوجيههم نحو جمعيات المساعدة، وما إلى ذلك. فالتدخل الجوي لنقل المرضى على "جناح" السرعة أساس عملها، لكن أنشطتها لا تتوقف عنده.
www.balagh.com
|