قضايا معاصرة
 

 
المقالة: | قبل | بعد | | عناوين المقالات | عناوين جميع المقالات

أضواء العالم تحاصر حياتنا.. بالتلوث!
لمشاهدة الصورة بحجم اكبر إضغط علي الصورة

* منى مدكور
بقعة من ظلام محبب نحتاجها بحقّ، نحن سكان هذا الكوكب، أيضاً تحتاجها كل الكائنات من حيوانات وطيور ونبات، وجميعها لها مكانها على "متن" كوكب الأرض هذا، ولكن ما سر احتياج الإنسان وكل الكائنات لمساحة ظلام؟ وكيف خرج الظلام من حياتنا وانسحب في وقار تفرضه جماليات الظلام؟
ابتداءً علينا كشف النقاب عن هروب الظلام، هذه الظاهرة لم تخضع فقط لآراء فردية، أو لمزاجيات شعراء ورومانسية كُتاب، واشتياق ريشة فنان لرسم دوائر مظلمة. وإنما في واقع الأمر هي ظاهرة أخضعها العلماء في العالم، وخاصة في الولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا وفرنسا وألمانيا، للبحث العلمي المكثف واستنباط الشواهد والنتائج.
في بحث جديٍّ أوضحت نتائجه مجلة "ناشيونال جيوجرافيك" ألقي الضوء على ما يعرف بظاهرة "التلوث الضوئي" وآثارها السلبية على كل الكائنات.
فجأة، ومنذ خمسينيات القرن الماضي، اشتعلت العواصم الكبرى على امتداد العالم، بأضواء تخطف الأبصار. وأخذت هذه الظاهرة، التي لا يُنكر أحد جمالياتها، في التصاعد والازدياد، حتى بلغت ذروتها الضوئية المبالغ فيها، خاصة في الولايات المتحدة، إلى حد اكتساء ناطحات السحاب العملاقة بمساحة ضوئية تتلألأ بحجم تلك المباني نفسها، بالإضافة إلى الأضواء المتحركة التي تعكس صور الإعلانات الصاخبة. والصخب الضوئي لا يقل ضرراً عن الصخب والتلوث الصوتي، فكلاهما له الضرر نفسه على حياة سكان كوكب الأرض.
- الهندسة الضوئية:
والتلوث الضوئي يصفه العلماء بأنه يصل ضرره لأكثر وأبعد من التلوث البيئي والسمعي. ويعرف العالم الألماني "بيت شتراسر"، التلوث الضوئي علمياً. بأنه نوع مخرب من "الهندسة الضوئية" التي تُكمل الهندسة المعمارية من حيثُ الشكل والمضمون، ويؤكد أن التلوث الضوئي يؤثر بنسبة 36% على عيون حديثي الولادة، إذا ما وجدوا في مكان تكثر فيه مساحة وقوة الأضواء، وهذا التأثير يكون سلبياً للغاية على اكتمال نمو قرنية الصغار، ونسبة ضيق عدسة العين الطبيعية، وشبه العالم الألماني ذلك بوضع قطرات "الأتروبين" في العين اثناء الكشف على صحة البصر، والتي من شأنها فتح عدسة العين لأقصى درجة، ثم يتحكم الطبيب، بعد الكشف، في إعادة إغلاقها، حيثُ إن اتساعها له مخاطره على قوة الإبصار، وهذا بالضبط ما يحدث للصغار وأيضاً للكبار، ولكن بنسبة أقل لتعرضهم للأضواء الصناعية أو "هندسة الضوء" والتلوث الضوئي.
ويؤكد "شتراسر" أن هذه الأضواء الساطعة والمستعملة، تنبعث منها مواد مُشعة نسبياً تؤثر على المرأة الحامل سلباً، بالإضافة إلى تأثيرها على وظائف أعضاء الجسم، فتزداد ضربات القلب والنبض، ويحدث لهاث في التنفس، وصداع ينتهي بعدم التركيز الطبيعي للإنسان، بالإضافة لعدم الإيقاع النفسي، خاصة لمرضى "الرُهاب" الخوف المرضي المعروف علمياً باسم Anxiety حيثُ تتزعزع مشاعر الهدوء والطمأنينة بالنسبة للمصابين بهذا المرض، خاصة من كبار السن (ستين عاماً فما فوق).
- وماذا عن بقية المخلوقات؟
قصتها السلبية مع التلوث الضوئي لا تقل خطورة عما يحدث للإنسان. فالعديد من أنواع الأسماك والكائنات البحرية تفقد حياتها وحياة صغارها بسبب التلوث الضوئي، سواء الموجودة بالقرب من شواطئ المسطحات المائية العملاقة، كالمحيطات والبحار المفتوحة، أو تلك الأضواء الموجودة تحت سطح الماء في القاع، لدواعي التنقيب عن ثروات طبيعية أو انتشال حطام سفينة أو طائرة استقرت بسبب الحوادث، في مملكة الكائنات البحرية.
هناك أنواع من الكائنات البحرية، مثل السبيط "كلماري" وثعبان البحر، وأنواع من السلاحف البرمائية، والحوت الأزرق، جميعها – وبطريقة فطرية – تأخذ في الدوران بسرعة عالية حول البقع الضوئية في قاع البحار، حتى يحدث لها نوع من الدوار الحاد يتسبب فوراً في نفوقها، الأمر الذي يهدد الثروة السمكية والبحرية، بالإضافة لتلوث قاع البحار، الذي لا ينقذه إلا تجديد ذاته تلقائياً حسب ما هو معروف في علم البحار.
- طيور البطريق والطيور المهاجرة:
لها مع الأضواء قصص مأساوية، فطيور البطريق، الذكر منها، يضع صغيره بعد أن تلده الأم، تحت تجويف طبيعي في بطنه من الخارج وفوق قدميه، وإذا تعرض الصغير لتلوث ضوئي فإنه ينفق سريعاً، لأنه يحيا في نسبة ظلام طبيعية تفرضها المناطق الثلجية القطبية، التي بدأ الإنسان الوصول إليها وتخريب قوانين الطبيعة فيها.
أما هجرة الطيور للتزاوج، وقطع مئات الأميال من مكان لآخر في العالم، فتخضع لنظام البوصلة الطبيعية التي زودها الله سبحانه وتعالى بها، كنوع من الإعجاز في الخلق، وهذه البوصلة الطبيعية التي تحدد اتجاه الطيران لهجرة هذه الأسراب من الطيور، تفقد فاعليتها بالأضواء الساطعة عند معابر القارات وفوق المسطحات المائية، فتكون النتيجة نفوق أسراب هائلة من الطيور المهاجرة، مما يترتب عليه انقراض بعض أنواعها.
أيضاً تتأثر مملكة الحشرات بالتلوث الضوئي، لأنها تعيش في الظلام النسبي لاصطياد الحشرات الأخرى، وبعض من النباتات التي تقتات عليها، فالضوء نذير بالخطر لكل ما تأكله الحشرات، بحيث تهرب فرائسها، وبالتالي تنقرض الحشرات مثل أنواع من النمل المتسلق والفراشات كبيرة الحجم، أيضاً تقل نسبة تكاثرها الذي يتم في الظلام الهادئ.
مع الأضواء الصاخبة وألوانها الشرسة المتداخلة، تفقد الطبيعة جمالياتها الهادئة البسيطة التي لم تخلق عبثاً، وإنما خلقت لإحداث التوازن المطلوب في الكون كله، فهناك حشرات منيرة، تسطع بالضوء عن اقتراب الخطر، ونباتات فوسفورية لها جمالياتها، كل ذلك ينسحب قهراً أمام بطش الإنسان على كوكبه، وتخريبه بعناقيد عملاقة ومسطحات ضوئية مدمرة للجمال والصحة، واستمرار بعض الكائنات على هذا الكوكب الذي كان قدره أن يدمره الإنسان بالحروب والتلوث الضوئي والسمعي والبيئي.
ومن مظاهر الجماليات الطبيعية المفقودة بفعل التلوث الضوئي، تشقق الأرض، لأن الأضواء المباشرة عليها تمتص الرطوبة الطبيعية التي تحفظ للأرض سلامتها، وبالتالي تقل نسبة الأراضي الصالحة للزراعة والزهور والاخضرار، أيضاً تصمت حناجر الطيور المغردة، مثل ما يعرف بـ"الطيور السوداء" ذات الحنجرة الرائعة التي تصدر نغمات طبيعية مغردة، وطيور "العندليب" التي لها القدرة على تنغيم الصوت الموسيقي الطبيعي الصاعد تلقائياً من حنجرتها الواسعة، فهذان الطائران لا يغردان إلاّ وسط الظلام، ليكتمل الإعجاز بالصوت والصورة معاً، فالأضواء الشرسة الصاخبة تخرس أصوات هذه الطيور للأبد، وتنتهي حياتها بعيداً عن الطبيعة والفطرة التي خلقت عليها.
- تدمير الخصوبة:
توضح الباحثة "كاثرين ريتش" التابعة لمؤسسة حماية البيئة في لوس أنجلوس، بأن الأضواء الصاخبة تقلل من نسبة الخصوبة لدى ذكور التماسيح، والخرتيت "وحيد القرن"، والبحث جارٍ حالياً حول مدى تأثير أضواء النيون الساطعة على نسبة التبويض لدى السيدات، وعلى صحة وحيوية الحيوانات المنوية لدى الرجال، فقد أثبتت الباحثة "ريتش" بأن قوة الضوء الصناعي تُحدث خمولاً في بعض الوظائف الحيوية للإنسان والحيوان معاً.
تجاوزاً، نقول "بصيص من الضوء في نهاية النفق"، هو الأمل المتجدد دوماً، ولكن إذا ما تحول ذلك الخيط الضوئي. وتسرب من النفق، وأشعل الكون ضوءاً، فالغد ستكون له رؤية مختلفة.
www.balagh.com

المقالة: | قبل | بعد | | عناوين المقالات | عناوين جميع المقالات

 



 © حقوق الطبع محفوظة للبلاغ
Copyright © 2000 alblagh ORG. All rights reserved. info@balagh.com

H.R