* د. أحمد عيسى
- حقيقة الكارثة المناخية:
تفيد التنبؤات أن حرارة الأرض سترتفع من بين 4 و6 درجات مئوية بحلول عام 2100م، مع "تأثير كارثي محتمل" على البيئة والموائل والاقتصاديات والسكان، حسب ما ورد في التقرير الصادر عن صندوق الأمم المتحدة للسكان. ويمكن أن تتأثر حركة الهجرة؛ لأن ارتفاع مستوى البحار والجفاف يدفعان السكان إلى النزوح عن المناطق غير الصالحة للسكن، وبالتالي يفقدون مصادر دخلهم.
والمشكلة أن المجتمعات الصناعية وشركات الطاقة وبشكل خاص في البلدان الكبرى تستثمر أرقاماً فلكية من الأموال في مشاريع عملاقة.
ولا يزال الوقود التقليدي أو ما يعرف بـ"الوقود الأحفوري" يشكل المصدر الأساسي للطاقة، فهو يلبي نحو 80% من الحاجة الحالية، فالاعتماد الأكبر سيظل على النفط والغاز والفحم، بينما لا تزيد مساهمة مصادر الطاقة البديلة على نسبة ضئيلة.
لذلك فإن انبعاث غاز ثاني أكسيد حرارة الأرض والتغيرات البيئية، من جانب آخر زاد استغلال الأرض لغرض الإنتاج الزراعي بنسبة عالية تقدرها الدراسات بـ 40% خلال العشرين سنة الماضية، وكل ذلك مرتبط بالارتفاع المتنامي لعدد سكان الأرض، إذ يقطنها الآن 8 و6 مليار نسمة، أي أن عدد سكان العالم زاد بنسبة 35% منذ منتصف الثمانينيات، لكن الرقم سيصل بحلول عام 2050م إلى تسعة مليارات حسب تقديرات صندوق السكان، ومع الزيادة المتسارعة في عدد السكان، يتنامى الطلب على الطاقة.
- المنطقة العربية.. الأكثر تضرراً!
تشير التقارير إلى أن المنطقة العربية ستكون من أكثر المناطق في العالم تعرضاً للتأثيرات المحتملة للمناخ، وأهمها ارتفاع درجة الحرارة وانخفاض كميات الأمطار وارتفاع مستوى البحار في منطقة تعاني أصلاً من موجات جفاف متكررة وشح المياه.
والعجيب أن المنطقة العربية تساهم بحوالي 3% فقط من انبعاث الغازات المسببة للاحتباس الحراري، بينما ستكون المنطقة من أكثر مناطق العالم تضرراً من هذا الاحتباس.
والحقيقة أن خطر تدمير المناخ ليس أمراً هيناً، فقد أعلنت ثلاث مؤسسات علمية بريطانية مرموقة تدرس التغير المناخي في بيان مشترك لها أن التلكؤ في التصدي للانبعاثات الغازية سيكون له تداعيات خطيرة.
وقد جاء في بيان للجمعية الملكية، ومكتب الأرصاد الجوية، ومجلس أبحاث البيئة الطبيعية أن نتائج الأبحاث العلمية في مجال التغير المناخي أكثر مدعاة للقلق من أي وقت مضى.
وأوضح البيان أن الفيضانات التي شهدتها بريطانيا عام 2007م، وموجة الحرّ التي مرت بها القارة الأوروبية عام 2003م، وموجات الجفاف الأخيرة تؤكد ذلك.
ولفت البيان إلى أن هناك أدلة متزايدة على "التغير المناخي الخطير والطويل الأجل وغير القابل للإصلاح"، وما زال انبعاث غاز الكربون في تزايد وتراجع الجليد الذي يغطي القطب الشمالي بشدة خلال العامين الماضيين.
وكان العقد الماضي الأكثر دفئاً خلال القرن ونصف القرن الماضيين، وقد حذر العلماء من تسارع وتيرة التغير المناخي خلال العقود المقبلة، وحذروا من أن دولاً عديدة مثل بريطانيا ستواجه ارتفاعاً في أسعار الغذاء، وتدهور الأوضاع الصحية، وتزايد الفيضانات، وارتفاع مستوى البحار.
- البشر يدمرون المناخ:
قال ناطق باسم المفوضية الأوروبية: إن الدليل العلمي على مسؤولية البشر عن التغير المناخي "غير قابل للدحض". وقال "مايكل مان" أحد خبراء التاريخ المناخي بجامعة بنسلفانيا الأمريكية: "هناك إجماع بين العلماء على أن التغير المناخي واقع لا ريب فيه ولا ينبغي إنكاره.
وأولئك الذين لا يرون ضرورة العمل على الحد منه يفتقرون إلى السند العلمي، لهذا فهم يختلقون جدلاً زائفاً لتحويل اهتمام الجمهور والساسة بهدف إفشال قمة كوبنهاجن".
ولقد كشفت مراجعة واسعة النطاق لتغير المناخ في القارة القطبية الجنوبية أن من المرجح أن ترتفع مستويات العالم بحلول عام 2100م؛ وذلك بسبب ذوبان الجليد القطبي.
الواجب إذن مشترك ولا يمكن إهمال دور الفرد، وبالنسبة للمال فقد اتفق الاتحاد الأوروبي على أن مكافحة التغيير المناخي يتطلب رصد نحو 148 مليار دولار، غير أن جماعات الحفاظ على البيئة انتقدت هذا الاتفاق قائلة: إنه لا يفي بالغرض.
- البدائل:
منذ الثورة الصناعية، ارتبط النمو الاقتصادي باستهلاك الوقود وانبعاث كميات أكبر بدرجة غير مسبوقة من الغاز، وهو ما دفع العديد من العلماء والسياسيين إلى المطالبة بثورة تكنولوجية جديدة، وهناك خيارات لتوليد الطاقة ووسائل المواصلات فضلاً عن حلول علمية لاستخدام ضوء الشمس أو التخلص من غاز ثاني أكسيد الكربون من الغلاف الجوي.
وبخلاف الطاقة النووية التي تلقى معارضة قوية من النشطاء في مجال البيئة، قد يشكل هذا الوقود تهديداً أمنياً بتصنيع أسلحة، ولذلك تطرح بدائل أخرى، منها: الطاقة الكهرومائية: الأكثر انتشاراً؛ حيث تولد الكهرباء من خلال إقامة سدود أمام المياه ودفع التيارات عبر التوربينات.
والفحم النظيف: وهو الوقود الأحفوري الأكثر توفراً، والذي يتم توزيعه على نطاق واسع، وهو يحافظ على الصناعة القائمة ويستفيد من البنية التحتية القائمة.
أيضاً هناك الحرارة الجوفية: حيث تستخدم الصخور الساخنة بطبيعتها أو الفروق في درجات الحرارة أسفل سطح الأرض لتسخين الماء بصورة مباشرة أو تحريك التوربينات.
طاقة البحر: يستفاد من طاقة حركة المد والجزر أو التيارات أسفل سطح الماء أو الأمواج على الشاطئ والأمواج البعيدة.
وهناك كذلك طاقة الرياح: مورد متجدد بصورة دائمة.
طاقة الشمس: مورد متجدد وهي أكثر الموارد الخالية من الكربون انتشاراً، وهي طاقة صامتة ولا تؤثر على البيئة المحلية.
- دور الإسلام والأديان:
في نطاق معرفة العالم أخيراً لأهمية "الدين" في مسار البشرية، اجتمع ممثلون عن تسع ديانات في قلعة "ويندسور" الملكية غربي العاصمة البريطانية لندن تحت رعاية الأمم المتحدة، في مبادرة نوعية تهدف إلى إبراز الدور الذي يمكن أن تؤديه الأديان في حل مشكلة المناخ والحد من تداعياتها على البشرية.
وفي بيان للشباب المسلمين والمسيحيين في بريطانيا بشأن تغير المناخ، طالبوا ممثلي المملكة المتحدة للاهتمام بالموضوع من منظور ديني وأخلاقي، وإيجاد حلول مستدامة تؤدي إلى مستقبل منخفض الكربون، ودعوا أن تشمل الشراكة للعمل في هذا المجال الجماعات الدينية والشباب. وقال البيان: "إننا كشباب من أبناء الديانات الإسلامية والمسيحية سنستعين بضميرنا الجماعي الأخلاقي والديني لتحمل مسؤولية عن حالة كوكبنا وسكانه، ونحن على بيّنة من المشكلة والأدلة، والاعتراف بأن الاحتباس الحراري الكوني سينتج عنه العديد من التداعيات الخطيرة، ولاسيما أننا ندرك أن التغيرات في المناخ سوف تكون لها آثار غير متناسبة على الفقراء بالذات، وعواقب لا رجعة فيها بالنسبة للأجيال المقبلة".
ومضى البيان يقول: إن "من غير المقبول أن الغالبية العظمى من الناس لا يعرفون التأثير الحقيقي لتغير المناخ، ويجب معالجة ذلك عن طريق زيادة التوعية على جميع المستويات، بما في ذلك الأفراد والمجتمعات المحلية، والمؤسسات التجارية".
ولدفع هذه التغييرات يقترح الشباب "سياسة حوافز أقوى لردع ومكافحة الممارسات الضارة، وخاصة من خلال قدر أكبر من المساءلة والعقوبات".
ويطالبون "بالتركيز للمضي نحو التكنولوجيا الخضراء والابتكار من خلال المزيد من الاستثمارات"، وأنذروا أن عدم التصرف على نحو كاف سوف يؤثر على الأجيال المقبلة وحياة الملايين من الأشخاص في جميع أنحاء العالم.
ويقول د. "عيسى": إن ثمة حاجة ملحة لمائتي مليار دولار سنوياً لمعالجة هذه الأزمة البيئية الحرجة، وهذا ينبغي أن يأتي من خلال التمويل العام، وأن يدار بواسطة الأمم المتحدة لضمان الشفافية، والتمثيل الديمقراطي من جميع الدول، نحن لا نرى أي مكان لمشاركة البنك الدولي في جمع هذه الأموال اللازمة.
أيضاً تقوم المؤسسة الإسلامية للطبيعة وعلوم البيئة من بريطانيا بدور نشر الوعي بالقضية من منظور إسلامي ولها كتيب استخدمت فيه آيات كريمات مثل: (ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) (الروم/ 41). (وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا * إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا) (الإسراء/ 26-27). و(وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا) (الإسراء/ 29). (وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا) (الفرقان/ 67). و(كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ وَلا تَعْثَوْا فِي الأرْضِ مُفْسِدِينَ) (البقرة/ 60). و(يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ) (الأعراف/ 31).
وأكدت المؤسسة على عناية الإسلام بتعليم المسلمين احترام الخلق وإبقاء ميزان العدل والاتزان فيه، وأن كل مَن في الأرض عليهم واجبات بمن فيهم المسلمون وهم ربع سكان العالم، وهم من أكثر منتجي البترول.
وهناك حلول عملية على المستوى الدولي، منها رفع أسعار البترول ليقل الاستهلاك ويزيد الدخل ويبقى المخزون، وعلى المستوى الأسري لتقليل الإسراف في الطاقة، مثل: تغيير مصابيح الإضاءة إلى النوع الموفر للطاقة، وإغلاق الأجهزة بعد استخدامها، والتبرع بالقديم منها، واستخدام الماء باعتدال، والتجفيف الطبيعي للملابس، وعدم الإسراف في شراء الطعام، واستخدام الأشياء مرة أخرى وإعادة تصنيعها معالجتها، والمشي للمسافات القصيرة أو استخدام الدراجة، وشراء السيارات الصغيرة أو النظيفة من حيث الطاقة، وعدم السفر بالطائرة إلا للضرورة.
www.balagh.com
|