جورج أوشاوا
هناك صلة وثيقة بين الغذاء وظواهر الحياة,فحيث تنعدم المواد الغذائية تنعدم ظواهر الحياة.كما أن النمو والحجم والقوة والحكمة والجهل والأفكار والمواقف والنشاطات وصعود وسقوط الأعراق والأمم,تتأثر كلها بالغذاء,إذ يحددها ويتحكم بها مانأكله ونشربه.ولا يستثنى الحب والزواج من هذه القاعدة,وهما من أوليات الحياة الاجتماعية.
ومن المتعارف عليه أنه لاتوجد حوافز في حياتنا أقوى من الرغبة الجنسية,والجوع للغذاء.وكانت مسألة أيهما يحتل المقام الأول موضع الكثير من النقاش.ولكن حتى هؤلاء الذين تمكنوا من تحرير أنفسهم من الرغبة يجدون أن الحاجة الى الغذاء لاتنفك تلازمهم أبداً.فالجوع هو أقوى حوافز الإنسان على الإطلاق.وإذا امتنعنا عن الأكل لفترة طويلة فإننا نموت.
والإحساس بالتأثير العميق للجوع يلازمنا طوال حياتنا.ومن يرغب في إدراك مدى قوة جوعه ما عليه إلا الصوم عن الأكل لبضعة أيام.
أعتقد ان أي مفهوم للكون,يدعي أنه السبيل الحقيقي للإنسان والطريق الذي يقود الى الإنجاز التام,ينبغي أن يعلم طريقة عملية لتحقيق الأهداف:
1- الجوع الذي تتوقف حياة الفرد من دونه.
2- الحياة الجنسية التي تمثل أساس الحياة الاجتماعية بكافة أشكالها,حياة الأعراق والأمم والبشرية جمعاء.وهذا هو نظام الماكروبيوتيك الغذائي.
ضمن نطاق الرغبات البشرية,تظهر الرغبة الشديدة في الغذاء في سن مبكرة جداً,بل في اليوم الذي يلي الولادة.وعندما نسمع صرخة طفل رضيع يطلب حليب أمه,ثم نراه يرضع,نكون شهوداً على القوة الإعجازية لإرادة الحياة.
يبدي الطفل في سن السابعة أو الثامنة,علامات الرغبة الفكرية المتمثلة بالحاجة الى المعرفة.وفي الوقت نفسه يولد الوعي للجنس الآخر.وفي حوالي سن الرابعة عشرة,يبدأ الحيض عند الفتاة,في حين تكتسب بنية الفتيان وشخصيتهم صفات الرجولة في حوالي سن السادسة عشرة.وتكتمل البنية البيولوجية للأنثى في سن الحادية والعشرين,وتصبح حينذاك مستعدة للأمومة.ويصبح الفتيان بدورهم مستعدين فيزيولوجياً للأبوة ويسعون وراء الجنس الآخر عندما يقتربون من سن الرابعة والعشرين.
هذه هي أعمار الحب للذكر والأنثى,وهي حتمية.وعلى الرغم من أن الفترات الدقيقة قد تختلف قليلاً من عرق الى آخر أو من أمة الى أخرى,فإنها تتبع هذا النمط عموماً.
والأمر الوحيد المؤكد هو أن الرغبة في الجنس الآخر,إذا لم تظهر في سن الحادية والعشرين عند الشابات وفي سن الرابعة والعشرين عند الشبان,فإن الأمر لايكون غير طبيعي فحسب,بل إشارة الى مرض شديد سببه عادات الأكل التي لاتتفق مع اتساع الكون,وتكون قد ارتكبت غلطة خطيرة أثناء السنوات السبع الأولى بالنسبة للأنثى,أو السنوات الثماني الأولى بالنسبة للذكر.والذين يلتزمون حمية الماكروبيوتيك بدقة,يتجنبون هذه المشكلة,وينجذبون جنسياً بقوة ويعرفون متع الحب.
ومما يثير الاهتمام أن التغيرات الفيزيولوجية والروحية تحدث في دورات من سبع سنوات للأنثى (في سن السابعة عشرة والحادية والعشرين,الخ ).ومن ثماني سنوات للذكور ( في سن الثامنة والسادسة عشرة والرابعة والعشرين,الخ ).من الناحية البيولوجية,تتغير خلايا الكائن البشري تماماً كل سبعة أعوام.فالفتيات,اللواتي يكن عند الولادة من نوع "اليانج" أكثر مما يكون الفتيان,تجتذبهن أغذية "الين",ويتغيرين بسرعة وفقاً لهذا القانون تكون الفتيات,فتجذبهم,أغذية "اليانج",ويتغيرون بالنتيجة,بوتيرة أبطأ,أي كل ثمانية أعوام,وهنا نرى مفتاح التفوق البيولوجي للأنثى.
فالنساء, على سبيل المثال, ينضجن في سن الثامنة والعشرين (7*4) ويبدأن حياة جنسية قوية.ولاعجب إن سميت هذه السنوات بالخطيرة والمزعجة.وفي سن الخامسة والثلاثين (7*5) يصبحن أهدأ,وتتجلى لديهن سجية روحية لاتلبث أن تتعمق في سن الثانية والأربعين (6*7).وفي سن التاسعة والأربعين (7*7) يتوقف الطمث والحياة الجنسية.وتصبح المرأة هادئة أخيراً.
وبالمقابل تتبلور رجولة الذكور في سن الثانية والثلاثين (4*8).وفي سن الثامنة والأربعين (6*8) بحيث يصبحون مفكرين ويصبح استقرارهم جلياً تماماً.ويبدأ الرجل في حصد ثمار حياته في سن السادسة والخمسين (7*8).وفي سن الرابعة والستين (8*8) تتوقف حياته الجنسية,وتبدأ حياته الحقيقية الهادئة المستغرقة بالروحانية.
وبالنسبة لكلا الجنسين,تشكل مضاعفة دورتهم ست مرات: ( ثمانية وأربعون سنة للرجال واثنتان وأربعون للمرأة ) الخط الفاصل بين الحياة البدنية والحياة الروحية.واعتباراً من تلك السن,يبتعد الرجل والمرأة,أكثر فأكثر,عن الشهوات المادية,ويصبح بإمكانهما بلوغ حالة روحية مسالمة وأبدية.ويغدو كل منهما حراً.
ثمة اناس تكون حياتهم منفصلة عن اتساق الحياة الطبيعية,بحيث انهم لا يدخلون هذا العالم إطلاقاً,ويمضون حياتهم منشغلين بالجنس والرغبات,وهم الأكثر تعاسة.
من القوانين الأساسية للحياة الطبيعية أن "الين" و "اليانج" يجتذب أحدهما الآخر.وفي حالة الذكر "اليانج" والأنثى "الين",ينبغي أن يكون الانجذاب قوياً على نحو كاف بينهما بحيث يستطيعان التوحد في زواج ثابت سعيد.
في سن السابعة,يبدأ في الأنثى تطور خصائص أنثوية واضحة,ويبدأ في الذكر تطور خصائص ذكرية واضحة أيضاً.وابتداء من هذه السن,تصبح الفتيات تدريجياً اكثر أنثوية "ين" ويصبح الفتيان أكثر ذكورة و"يانج",إذا بذلت العناية اللازمة.وتقتضي التقاليد في ثقافات كثيرة,لاسيما الشرقية,بفصل الفتيان عن الفتيات قدر الإمكان ابتداءً من هذه السن.فهم لايجلسون معاً ولا يلعبون معاً في المدارس أو الملاعب,ويبقون بمعزل بعضهم عن بعض,الى حد ما,حتى يحين الزواج.
وبذلك لايسمح للخصائص التي تميز جنساً من آخر بأن تخفت بفعل الإلفة الناجمة عن الاتصال الاجتماعي المستمر.ويصبح أفراد فئة "الين" أكثر اتصافاً بسمات "الين" وأفراد فئة "اليانج" اكثر اتصافاً بسمات "اليانج".وبذلك تتاح لقوة اجتذاب الجنس الآخر فرصة النمو الى أقصى حد ممكن.ويستثنى من قاعدة الفصل الأشقاء والشقيقات بالطبع,لأنهم يعيشون تحت سقف واحد ولا يمكنهم تجنب العيش معاً.وربما كان هذا سبب عدم التجاذب الجنسي بينهما,إلا في ظل ظروف شاذة.
بين سن الرابعة عشرة والثامنة عشرة,يكتمل نمو طاقة "الين" الكامنة عند الإناث,وطاقة "اليانج" الكامنة عند الذكور,لاسيما إذا اتبعوا نظام الماكروبيوتيك في الحياة.يمثل "اليانج" القوة الجاذبة المركزية ويمثل "الين" القوة النابذة.ولذا يكون الذكر (يانج على السطح) في الحب هجومياً,في حين أن الأنثى (ين على السطح) تكون سلبية.وهذه ظاهرة طبيعية.وفي الحقيقة أن فكرة الحب كلها طبيعية,مثل الشهية لتناول الطعام.واعتبارها سماوية,أو آثمة إنما يشكل فكرة خاطئة.
إن مواقف الرجل والمرأة كافة متعارضة تماماً,مثلما يتعارض "اليانج" و"الين".وفي سن الثانية والثلاثين (4*8) يصبح الرجل مهتماً بالأمور المادية,كالعمل التجاري أو المهنة أو المركز في الحياة,ويصبح براغماتياً.أما المرأة في سن الثامنة والعشرين (4*7),فإنها تعنى بالأفكار الأكثر اتصافاً بالتجريد والرومانسية.إنها هي الرومانسية.
وقد لاحظ كتاب,من أمثال تشوسر وشكسبير وكولريدج وإيمرسون أن "الحب أعمى".فالحياة تصبح معقدة لامحالة,مع ظهور الحب.ويتأثر كل شيء عندما يتملكنا الحب فجأة.والحب يضفي عمقاً وجمالاً وفناً على وجود لاطعم له من دون الحب.وثمة قصص كثيرة في آداب كل البلدان,تعبر عن الجوانب العديدة لهذه الدراما المؤثرة.ويكون الحب أحياناً على درجة من القوة بحيث يستحوذ علينا,ولانستطيع فهم أهميته أو معناه في حياتنا.
كم هو مهم أن توجه هذه العاطفة الجياشة توجيهاً سليماً.فحياتنا تغدو مأساة إذا فشلنا.وكم هو سهل إرساء هذا الاتجاه السليم إذا اتبعنا طريقة الماكروبيويتك في تناول الطعام!
من المثير للأهتمام ومن المسلي أننا,في شيخوختنا,نجد هذه العاطفة وقد تلاشت مثل حصاة تختفي في بركة ماء,ويصعب علينا التصديق انها كانت في يوم من الأيام,عاطفة لاتقاوم.
أقول باختصار إن الرجل,الذي يكثر من الحلويات في صباه,يصبح عقيماً عندما يبلغ.كما أن إكثاره من اللحوم يجعله قاسياً وعنيفاً في سلوكه الجنسي.غير أن البلية الكبرى تلحق بمن يأكل خليطاً من الأغذية المتطرفة (الحلويات واللحوم ومنتجات الحليب والقهوة والأغذية المنتجة في المختبرات),إذ تجعله بلا حياة جنسية على الإطلاق.
أدرس ثقافة أي بلد: الفن والروايات والأدب المسرحي والحياة والتاريخ والأفلام والروايات والفلسفة والشعر,وتذكر عادات الأكل فيه,ولن تلبث أن ترى الصلة الوثيقة بين التغذية والحب.وستفهم لماذا يستطيع من نشأ على نظام الماكروبيوتيك الغذائي التحكم بنشاطه الجنسي.
هذا تطبيق عملي واحد لنظرية "الين" – "يانج",إنه "المبدأ الفريد" للماكروبيوتيك.
|