|
* هاني فحص
بعد اغتيال الشهيد القائد المؤسس للمقاومة (حماس) الشيخ أحمد ياسين وقبل ذلك، أي منذ تاريخ الاغتيالات الصهيونية للقيادات الفلسطينية، ومنها اغتيال القادة الثلاثة في بيروت في شهر نيسان 1973 واغتيال الشهيد خليل الوزير في الشهر ذاته عام 1988 في تونس، لم يبق هناك داع للحديث عن المفاجأة.. ومعلوم ان موقع الشهيد الرنتيسي الرفيع والمتقدم في القيادة والحوار مع السلطة الوطنية وبقية الفصائل لا يعلو على موقع الشهيد ياسين. إذاً وبعد اغتيال ياسين، أصبح أي اغتيال أقل وقعا من سابقه وان شكل تطورا في الدرجة لا يخلو من دلالة على مستقبل اغتيالات لن تتوقف، ولا يصلح لقاء بوش شارون، لتفسير الحدث، فالضوء الاخضر هو الثابت، ويبدو ان الضوء الاحمر على هذا الاخضر قد أصبح في حكم المستحيل، لان السياسة الاميركية والصهيونية واحدة، من دون انشغال في الاسبقية بين البيضة والدجاجة، وهذه السياسة قائمة على اجتثاث القضية وأهلها، من خلال إعطاء الامثولات والعبر... تماما كما يلوح بوش الآن بالفلوجة عبرة للنجف والعراق والعرب المؤهلين بالتراكم لابتلاع كل المدن والمجازر، ولا داعي لتعداد فواجع يحفظ العربي المدمن على الفضائيات تفاصيلها عن ظهر قلب، حتى بات لا يشعر بالفارق عندما ينتقل الى مشاهد المساخر التلفزيونية في الساعة نفسه، ومنها مساخر (التوك شو) التي كشفت لنا ان الامة ما زالت تحت رعاية خطباء الغوغاء، وأنها غنية بالمئات من الخبراء الاستراتيجيين الذين يقدمون رؤية مسطحة للوقائع وحلولا مجانية سهلة للمشاكل الصعبة. ألا يحسن هنا ان نسأل عن المستقبل وما العمل؟ بعد استشهاد الشيخ ياسين، ذابت كما يذوب فص الملح، مظاهرات الجماهير المحدودة في المدن العربية، ولم يحدث أي تطور يناسب الحدث من ردود الفعل المدروسة أو المرتجلة، وبقينا منشغلين بالشرق الاوسط، حيث مثل رفض الاصلاح، لا رفض التعسف الاميركي، مكانا جديدا للقاء الانظمة والشعوب التي تشكو من قصور وتقصير واستبداد وفساد الانظمة! لتعود هذه الانظمة فتتنصل ثانية من كل إصلاح كما تنصلت من فلسطين بسبب الفساد والاستبداد.
أما ان الشعب الفلسطيني ومعه سلطته الوطنية المحاصرة وقواه السياسية المتروكة وفصائله المقاومة والمستهدفة، لم يقم برد فعل سريع ومناسب على استشهاد الشيخ ياسين، فهذا قد يعني ان هذا الشعب قد بلغ غاية الرشد، وقد يعني انه بدأ يبحث عن أسلوب في المواجهة أشد تركيبا وتحررا من إغراء ردود الافعال التي لا تحتاج إلا الى الانفعال العاطفي الذي يجتاح طرفا بعينه أو وحده من دون ضرورة للتواطؤ النضالي مع الاطراف الاخرى، بينما تكون الافعال التاريخية الوازنة ثمرة التواطؤ الذي يمليه العقل مع مقدار ضروري من العاطفة باعتبارها عاملا من عوامل الشهادة والحاجة اليها في السياسة أو الفعل المركب من القتال والسياسة أقل.. إذاً فالفعل الحضاري التاريخي الفلسطيني الآن، وعلى هذا المفصل الشائك، بحاجة الى كل العقل الفلسطيني، الى الشراكة العقلية، العسكرية والسياسية معا. من هنا نفهم الهدوء الظاهري الذي أعقب اغتيال الشيخ ياسين، وكنا نلتقط إشارات على ان الوحدة الفلسطينية أمام تطور نوعي يتناصر ويتكامل فيه السياسي مع العسكري مع الاجتماعي مع التنظيمي انسجاما مع المخاطر العظمى القادمة على القضية وأهلها وأعماقها الاقليمية.. ما قد.. قد يشكل شرطا لشيء من نهوض العرب بجزء من مسؤوليتهم عن القضية بما تعني من خطر على الجميع من دون إمكان لسلامة نظام عربي بعيدا عن شعبه وشعب فلسطين.
الآن يأتي اغتيال القائد الرنتيسي المرشح سلفا للشهادة، إضافة واضحة الى موجبات الوحدة، التي صارت بمنزلة الاحتياطي الذهبي للمقاومة والسلطة والشعب والارض والحاضر والمستقبل، وعليه، فإما يسارع الجميع الى الحوار المعمق وفي مقدمتهم حماس التي يرشحها الحدث للتقدم على طريق التوحيد وسد الذرائع ورأب الصدوع، والشراكة في رؤية واحدة تحترم الخصوصيات، وإما ان تذهب حماسة حماس الى آخر مداها الذاتي والعاطفي مستدعية بذلك سلوكيات مماثلة ومتوقعة من بقية الاطراف، فيتحول الفعل التاريخي المطلوب الى ردود أفعال مع العدو وبين الاشقاء معا. أي ان هناك خشية من ان ندفع الاختلاف هذه المرة الى أقصى درجات الخلاف وقوعا في الفخ الصهيوني الذي كان يمكن ان يجهز علينا لو كنا تفرقنا كما يريد، ولأننا صمدنا فإنه يحتاج الى تصديع صفوفنا ويرفع من وتيرة عدوانه من أجل ذلك.
ان بعض التعليقات السريعة بعد الاغتيال تبرر الخوف على المستقبل الداخلي في فلسطين، كما كانت بعض الخطابات التشهيرية والاتهامية المتبادلة والتطهر الذاتي بإلقاء اللوم على الآخر في العراق مقدمة لهذه الحالة العراقية المعقدة والملأى بالألغام، والتي قللت من قيمة العواطف الوحدوية، لأن الوحدة الوطنية تصنع في مناخ مختلف وخطاب وأسلوب مختلف، ولا يكفي فيها، في العراق وفي فلسطين، ان نتضامن في ساعة من عمر الصراع الطويل مع الاعداء. إذاً فلا بد ان يكون التضامن عميقا وواضحا وواسعا وطويل الأمد وقادرا على تحمل الاختلاف ومصونا بكتلة تاريخية جامعة للمختلفين في الوطن لا عليه، والذين يطورون وعيهم معا، ويسقط منهم من لا يتطور على الطريق ومن دون ضجيج ومن دون ان يقتله أخوه وشريكه المختلف معه.
إن وظيفة الفلسطيني الآن ان يتحسس رأسه كل لحظة، وإذا ما استطاع الجميع ان يستبشروا الخطر، وبمشاعر وعقول متوازنة ومتواصلة، فإن رأس فلسطين يصبح مرشحا للسلامة رغم الصدوع العميقة، ومعه يسلم رأس العرب، وإلا فكل الرؤوس مقطوعة، وإن بقيت عالقة بأجسادها. هنا يأخذ لقاء شارون بوش (بلفور الجديد) معناه الأبعد الذي يحرض المبالغين في الطمأنينة على الخوف ويرعب المنصرفين كليا عن السياسة بسلوك آخر، يوحد الخطاب ويقتنع بشرعية التنوع والتكامل في الأداء. اذاً فالمناسب الآن الكف عن الرخاوة والتصلب معا وتسليح السياسة بالسلاح وتسليح السلاح بالسياسة.. لأننا نواجه عدواَ لا صديقاً، صعباً وليس سهلاً، وتقتلنا المبالغة في الاحلام ويقتلنا اليأس وتعجيل المؤجل وتأجيل المعجل. إذاً فالحل هو مواجهة تعتدل لتوازن بين السياسة والقتال وإذا ما كان المراد هو شطب مربع حماس من المعادلة باغتيال قادتها وكوادرها، فإنها تحافظ على قوتها بالوحدة، وكذلك الآخرون.. وحماس معنية الآن أكثر، لذلك فهي المطالبة أكثر بتعميق وتنشيط المساعي الوحدوية. ألا يشكل استحقاق غزة، ان تم الانسحاب، تحديا واختبارا للقاء على مشترك فلسطيني أوسع وأعمق وأوضح من برنامج وطموح كل طرف على حدة؟ إننا مدعوون لحفظ دمنا في دم الرنتيسي من خلال تثميره على أرض الوحدة.
----------------------------
المصدر : السفير
|