|
* عبد العزيز الخضر
قدمت الولايات المتحدة فكرة الحرب الاستباقية ونفذتها. بالمقابل يقدم شارون نموذجه للإرهاب الاستباقي، فلم ينتظر الرد المتوقع على جريمته التاريخية قبل أقل من شهر، وإنما باغت الفلسطينيين والرأي العام العالمي باغتيال خليفة القائد التاريخي لحماس، عبد العزيز الرنتيسي.
وهو مسلك إما أن يوضع في قمة الذكاء التكتيكي في المواجهة.. أو قمة الغباء، والعرب سيرتاحون للخيار الثاني عادة في تقييم أعدائهم. يأتي هذا الحدث في وقت لم تجف الدموع العربية والإسلامية ولم تكتمل خطابات الرثاء والقصائد على الراحل ياسين رحمهم الله جميعا. في الأوقات الساخنة والأوضاع المتفجرة يبدو الطرح العقلاني نوعا من التهور في انتهاك المشاعر وعدم احترام اللحظة. في هذا العمل انتهكت إسرائيل الكبرياء العربي وأخلاقيات الانتظار المتوهمة في انتظار تدرج المصائب، وضربت في عمق الذكاء التقليدي في التوقع. «فالفضائل الوحيدة في الحرب والمواجهة: هي اليأس والقسوة والجرأة والحيلة والذكاء، وبكلمة واحدة القوة» عند نيتشه.
ردود الفعل العالمية تكررت كما هي في الحدث السابق، وهي فيما يبدو لمجرد حفظ بقايا كرامة ذاتية للفلسطينيين والعرب للاعتراف بوجودهم في هذا العالم. ومن الواضح أنها إدانات موجهه للشعوب العربية والإسلامية أكثر منها موقفا سياسيا جادا ضد الإرهاب الإسرائيلي. الموقف الأميركي حافظ على مستوى تطرفه في تفهم وجهة النظر الإسرائيلية والتأييد المبطن. الجانب العربي أستهلك كل طاقته اللغوية ولم يحتفظ بما يمكن التهديد به، فالحكومات العربية في وضع داخلي منهك. والخطب الفضائية من نوع «على الحكومات العربية أن تنحاز إلى الخيار الشعبي وإلى خيار المقاومة..». وبغض النظر عن دقتها في وصف الواقع، فإنها لم تعد يملك الإغراء اللفظي فضلا عن الضمانات الحقيقية في تحقيق منجز على الأرض. وهي تشير إلى أن ظاهرة الخطب العربية الرنانة انتقلت من القيادات في العهد الثوري إلى بعض النخب الثقافية والجماهير.
تطورات الأوضاع في الداخل الفلسطيني مع الوضع العربي المتفكك يؤكد على أهمية أن تعيد حركة حماس تأسيس استراتيجيتها الإعلامية والسياسية والعسكرية في المواجهة، والاستعداد لما هو أسوأ من التوقعات. حق المقاومة الشرعي للاحتلال يجب أن لا يكون سببا في الزهد في إبداء مرونة سياسية عالية في التكيف مع الأوضاع الجديدة، ومن المهم الاعتراف أن هناك حالات إسراف في الشجاعة وغير مقننة في استعمال الفعل العسكري، وإسراف أكبر في الخطاب الإعلامي. اقتراح خالد مشعل بالأمس اختيار خليفة للرنتيسي من دون إعلان اسمه خطوة في الاتجاه الصحيح.
سوء الموقف يجب أن لا يدفع إلى تهور يهدم كل ما أنجزته المقاومة في صناعة توازن قوى محدود، والتي يسعى الانقلاب الشاروني على قوانين اللعبة والتهديد المستمر بذلك، لصياغة وضع جديد للأزمة تبدو فيها المطالب الفلسطينية الحالية طموحة ومستحيلة.
والأسلوب الشاروني والذي يجد تأييدا ملحوظا في المجتمع الإسرائيلي مع تغاضي دولي ملموس لا تعبر عنه تصاريح الإدانة العلنية قد ينجح في تغيير قوانين اللعبة، وفرض شروط جديدة، نتيجة أخطاء تكتيكية من حماس في السلوك الإعلامي بالذات والتي أشار إليها من قبل كثير من المحللين والمراقبين.
الاستعداد للانتقام، مع مشروعيته، يجب أن لا يكون مبررا لتجاهل العقلانية السياسية والانزلاق في مسار غير محسوب التكاليف، مع أهمية الاعتناء في الجانب النفسي لدى الجماهير وإشباع شيء من نرجسيتها وفق تكتيك خطابي وإعلامي. الجانب العربي هو الآخر مطالب بعدم تجاهل هذه القضية مع انشغاله المتزايد في الشأن والتفاصيل العراقية المثيرة للعقلية العربية في البحث عن انتصارات جزئية وخسائر كلية.
حماس أمام خيارات مصيرية في تقدير الموقف.. والحفاظ على منجزات الماضي. الألفاظ في تسمية أي فعل سياسي لا يغير من الحقيقة شيئا.. فما هو ضار سياسيا وواقعيا، سيظل ضارا.. مهما أطلق عليه من مصطلحات نبيلة.. وما هو مفيد سياسيا وواقعيا سيظل مفيدا مهما أطلق عليه من مصطلحات كريهة.. إنها لعبة المسميات التي يخفق العرب في تقديرها.. وقادتهم إلى تكرار الفشل في صراعهم مع العدو التاريخي.
|