|
لقد اعتمد الرّسول (ص) لنشر الاسلام في هذه الدول وغيرها من مناطق العالَم على اُسلوبين اثنين هما :
1 ـ الدعوة عن طريق الرسل والمكاتبات والحوار الفكري .
2 ـ الدعوة عن طريق الفتح والجهاد .
وفيما يلي نتحدّث عن هذين الاسلوبين باختصار :
1 ـ فالرّسول (ص) بدأ الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة ، بتوجيه المبعوثين والكتب والرسل إلى الملوك والحكّام ، ودعوتهم إلى الايمان بالاسلام ، والخروج من ظلمات الكفر والطغيان والفساد ، فكانت ردودهم مختلفة؛ فبعضهم أجاب دعوة الرّسول (ص) وأسلم ، وبعضهم ردّ ردّاً حسناً ، وبعضهم استكبر وسخر من دعوة الرّسول (ص) ، وفيما يأتي نذكرُ بعضاً من مكاتبات الرّسول (ص) :
أ ـ لقد أرسل رسول الله (ص) أحدَ أصحابه ، في السنة السادسة للهجرة ، إلى كِسرى ملك الفرس ، وقد كانت دولتُهُ أعظم دول العالم في الشرق من حيث القوّة والعدد والثروة والسلطان ، وكانوا مجوساً يعبدون النار ، وطغاة مستكبرين .
فأرسل رسول الله (ص) إليهم ذلك المبعوث ، ومعه رسالة إلى كِسرى ملك الفرس ، يدعوه فيها إلى الاسلام ، ونص الرسالة كالآتي :
«بسم الله الرّحمن الرّحيم ، من محمّد رسول الله إلى كِسرى عظيم فارس ، سلامٌ على مَنِ اتّبَعَ الهُدى ، وآمَنَ بالله ورسوله ، وشهد أنْ لا إله إلاّ الله ، وحده لا شريك له، وأنّ محمّداً عبده ورسوله إلى الناس كافّة ، لِيُنْذِرَ مَنْ كان حَيّاً ، ويَحِقَّ القولُ عَلَى الكافرين ، فأسْلِمْ تَسْلَمْ ، فإنْ أبَيْتَ فَإنَّ علَيكَ أثامَ المجوس» (56) .
فلمّا تسلّم كِسرى رسالة النبيّ محمّد (ص) ، سَخِرَ مِنَ الرِّسالة ، واستكبر وطغى ، فمزّقها ، وحين بلغَ رسول الله (ص) خبرُ تمزيقِ الرِّسالة ، قال : «مُزِّقَ مُلكُهُ» ، فأخبرَ رسولُ اللهِ (ص) بذلك ، وهو الصّادق الامين ، عن نهايةِ مُلكِ كِسرى ، والقضاءِ علَى طغيانه وضلاله .
وكان كِسرى في تلك الفترة مسيطراً على بلاد اليمن من أرض العرب ، وكان الحاكم عليها من قبله رجلاً يُدعى (باذان) ، فكتب إليه كِسرى يأمره أن يذهب إلى النبيّ محمّد (ص) ، ويقبض عليه ، ويأتيه به ، ويقضي على دعوته .
فأرسل (باذان) رجلين إلى النبيّ (ص) يُهدِّدانِهِ ، ويَطلبانِ منه الحضـورَ عند (باذان) ، فأمرهما رسول الله (ص) أن يَخرُجا عنه ويأتيا إليه في اليوم الثاني . وفي هذه الاثناء أخبر الله نبيّه الكريم (ص) بأنّ (كِسرى) قد قتله ولده (شيرويه) .
وفي اليوم الثاني جاء المبعوثان إلى الرّسول (ص) فأخبرهما بموت كِسرى . وقال لهما : أخبِرا (باذان) بذلك ، وقولا له : «إنّ ديني وسُلطاني سيبلغُ ما بلغَ مُلكُ كِسرى ، وينتهي إلى
مُنتهَى الخُفِّ والحافِر (57)، وقولا له : «إن أسلمتَ أعطيتُكَ ما تحتَ يديك ، وملّكتُكَ علَى قَومِكَ مِنَ الابناءِ» (58).
فلمّا رجعا ، وأخبرا (باذان) بالخبر ، قال : «والله ما هذا بكلام ملك ، وإنّي لاَرَى الرجل نبيّاً كما يقول ، وَلَنَنْظُرَنَّ ما قد قال ، فلئِن كان هذا حقّاً ، ما فيه كلام إنّه لَنَبيٌّ مُرْسَلٌ ، وإنْ لم يَكُنْ ، فَسَنَرى فيهِ رأينا» (59).
وبعد فترة وجيزة قدم الخبر على (باذان) من (شيرويه) ، يخبر بقتله لابيه كِسرى، واستيلائه على السلطة ، ويطلب منه عدم التحرّش بالرّسول محمّد (ص) لضعف دولتهم .
وعندما قرأ باذان كتاب شيرويه، قال: «إنّ ذا الرّجل ـ يعني النبيّ محمّداً (ص) ـ لَرَسولٌ ، فأسْلَمَ ، وأسْلَمَ الفرسُ الموجودون في اليمن معه» (60).
ب ـ وفي السنة السادسة من الهجرة كتب الرّسول الهادي محمّد (ص) إلى المُقَوْقِسِ حاكم الاسكندرية في مصر ، فقرأ المُقَوْقِس كتاب رسول الله (ص) وقال خيراً ، وكَتَبَ إلى رسول الله (ص) كتاباً وأهدى له جاريتين وكِسوةً وبَغلةً ، فقبل رسول الله (ص) هديّته ، وتزوّج إحدَى الجاريتين ـ وهي مارية ـ فولدت له ولده إبراهيم(61).
ج ـ وكتب رسول الله (ص) إلى الحارث حاكم دمشق يدعوه إلى الاسلام ، وجاء في الكتاب :
«سلامٌ على مَنِ اتّبَعَ الهُدى ، وآمَن به ، إنِّي أدعوكَ إلى أنْ تُؤمِنَ باللهِ وحدهُ لا شَريكَ له ، يَبقى لك مُلكُكَ» .
فردّ ردّاً سيِّئاً على كتاب رسول الله (ص) ومبعوثه .
د ـ وأرسل رسول الله (ص) أحد الصحابة إلى النجاشي ملكِ الحبشة ، وكانَ نصرانيّاً ، يدين بدين المسيح (ع) ، أرسلَ إليه الرسالة في الوقت الّذي كان فيه جعفر بن أبي طالب ، والمهاجرون معه ، موجودين في الحبشة ، بحماية النجاشي هذا ، ونصّ كتاب رسول الله (ص) هو :
«بسم الله الرّحمن الرّحيم ، مِن محمّد رسول الله (ص) إلى النجاشي الاصحم ملك الحبشة، سلم أنت، فإنِّي أحمدُ إليك الله، الملك القدّوس السّلام المؤمن المهيمن ، وأشهد أنّ عيسى بن مريم روح الله وكلمته ألقاها إلى مريم البتول الطيِّبة الحصينة ، فحملت بعيسى فخلقه الله من روحه ونفخه ، كما خلق آدم بيده ونفخه ، وإنِّي أدعوك إلى الله وحده لا شريك له ، والموالاة على طاعته ، وأن تَتَّبِعَني ، وتؤمنَ بالّذي جاءَني ، فإنِّي رسول الله ، وقد بعثتُ إليك ابن عمِّي جعفراً ، ونفراً معه من المسلمين ، فإذا جاءك فَأقِرَّهُم وَدَعِ التجبّر ، فإنِّي أدعوكَ وجنودَكَ إلى الله ، فقدْ بَلّغتُ ونصحتُ ، فاقبلوا نُصْحي ، والسّلام علَى مَنِ اتّبَعَ الهُدى»(62).
فكتب النجاشي إلى رسول الله (ص) :
«بسم الله الرّحمن الرّحيم ، إلى محمّد رسول الله ، من النجاشي الاصحم بن أبجر : سلام عليك يا نبي الله ورحمة الله وبركاته ، من الله الّذي لا إله إلاّ هو ، الّذي هداني إلى الاسلام، أمّا بعد فقد بَلَغَنِي كتابُكَ يا رسول الله فيما ذكرت من أمر عيسى ، فَوَرَبِّ السّماءِ والارضِ إنَّ عيسى ما يَزيدُ على ما ذكرتَ ثُفْروقاً ، إنّه كما قلتَ ، وقد عرفنا ما بعثتَ به إلينا، وقد قرينا ابنَ عمّك وأصحابَهُ ، فأشهدُ أنّكَ رسولُ الله صادقاً مُصدِّقاً ، وقد بايعتُكَ وبايعتُ ابن عمّك ، وأسلمتُ على يديهِ لله رَبِّ العالمين ، وقد بعثتُ إليكَ بابني أرها بن الاصحم بن أبجر ، فإنِّي لا أملكُ إلاّ نفسي ، وإنْ شِئْتَ أنْ آتيكَ فعلتُ يا رسولَ الله ، فانّي أشهدُ أنّ ما تقولُ حقٌّ ، والسّلامُ عليكَ يا رسول الله»(63).
هـ ـ ووجّه رسول الله (ص) أحد أصحابه إلى ملك الرّوم ، وكتب إليه :
«بسم الله الرّحمن الرّحيم، من محمّد رسول الله (ص) إلى هرقل عظيم الرّوم : سلامٌ على من اتّبَعَ الهُدى ، أمّا بعد فانّي أدعـوك بداعية الاسـلام ، فأسْلِمْ ، تَسْلَمْ ، ويُؤتِكَ الله أجرَكَ مرّتين: (قُلْ يا أهلَ الكتابِ تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألاّ نعبدَ إلاّ اللهَ ولا نُشرِكَ به شيئاً ولا يتّخذَ بعضُنا بعضاً أرباباً مِنْ دُونِ اللهِ فإن تَوَلّوا فَقولوا اشهدوا بأنّا مُسْلِمون ) ، فإن تولَّيْتَ فإنَّ عليكَ إثمَ الاريسيين» (64).
فكتب هرقل إلى رسول الله (ص) رسالة جوابية قال فيها :
«إلى أحمد رسول الله ، الّذي بشّر به عيسى ، مِنْ قيصر ملك الرّوم : إنّهُ جاءَني كتابكَ مع رسولك ، وإنِّي أشهدُ أنّك رسولُ اللهِ نجدُكَ عندنا في الانجيل ، بشّرَنا بكَ عيسى بن مريم ، وإنِّي دَعَوْتُ الرّوم إلى أن يؤمنوا بكَ فأبوا ، ولو أطاعوني لكانَ خيراً لهم ، وَلَوَدَدْتُ أنّي عندكَ فأخدمَكَ ، وأغسلَ قدمَيْكَ ، فقال رسول الله : يبقى ملكُهُم ما بقي كتابي عندهم»(65).
2 ـ استعمال اسلوب الفتح والجهاد : أمّا الاسلوب الثاني الّذي أمر الله نبيّه به ، فهو اُسلوب الفتح والجهاد، لتحطيم قوى الطاغوت والظالمين، وانقاذ البشرية وتحريرها من سيطرة المستبدين والمجرمين .
وقد جاهد رسول الله (ص) الكفّار والمجرمين في الجزيرة العربية وخارجها ، وحقّق النصر عليهم ، لقد غزا المسلمون دولة الروم مرّتين ، مرّة بقيادة بعض أصحابه وهي غزوة مؤتة سنة 8 هجرية ، ومرّة بقيادته هو (ص) سنة 9 هجرية وهي غزوة تبوك ، وبعد عودته من حجة الوداع ، وقبيل وفاته دعا المسلمين لجهاد الروم ، وجعل اُسامةَ بن زيد بن حارثة قائداً لهذا الجيـش ، وكان شاباً عمره سبع عشرة سنة ، وفي هذه الاثناء مرض رسول الله (ص) ، فتأخّر المسلمون ، ولكنّ رسول الله (ص) أمرهم مرّة اُخرى ، وطلب منهم ألاّ يتوقّفوا ، وكرّر قوله عدّة مرّات : «أنفذوا جيش اُسامة»(66).
* البلاغ
|