|
يرجع تاريخ انطلاق أول محاولة جادة للتقريب بين المذاهب الاسلامية خلال هذا القرن إلى سنة 1947م، حيث استطاع الشيخ محمد تقي القمي (ت سنة 1990)، بعد زيارته للقاهرة أن يؤسس فيها: (دار التقريب بين المذاهب الاسلامية) بمساعدة مجموعة من علماء الأزهر الشريف وشيوخه ((لقد كان الجو السائد عند بدء الدعوة (إلى التقريب) مليئاً بالطعون والتهم ـ كما يقول شيخ الأزهر محمود شلتوت ـ مشحوناً بالافتراءات وأسباب القطيعة وسوء الظن من كل فريق بالآخر، حتى عد تكوين الجماعة (جماعة التقريب بين المذاهب) بأعضائها من المذاهب المختلفة، السنية الأربعة، والإمامية والزيدية، نصراً مبيناً أهاج نفوس الحاقدين، وهوجمت الدعوة لا من فريق واحد، بل من المتعصبين أو المتزمتين من كلا الفريقين. السني الذي يرى أن التقريب يريد أن يجعل من السنيين شيعة، والشيعي الذي يرى أننا نريد أن نجعل منهم سنيين.. حارب هذه الفكرة ـ يضيف شيخ الأزهر ـ ضيقو الأفق، كما حاربها صنف آخر من ذوي الأغراض الخاصة السيئة.. حاربها الذين يجدون في التفرق ضماناً لبقائهم وعيشهم.. هؤلاء وأولئك ممن يؤجرون أقلامهم لسياسات مفرقة، لها أساليبها المباشرة وغير المباشرة في مقاومة أية حركة صلاحية والوقوف في سبيل كل عمل يضم شمل المسلمين ويجمع كلمتهم..)).
لقد تعرضت جهود التقريب بين المذاهب الاسلامية لتحديات صعبة ومتعددة، كما أشار إلى ذلك شيخ الأزهر، لكن صلابة وإخلاص المؤسسين لدار التقريب والمشاركين في أعمالها وجهودها، جعلتهم يتجاوزون عدداً كبيراً من هذه التحديات وتمكنوا من وضع اللبنات الأساسية للتقريب الحقيقي والواقعي. بين المذاهب الاسلامية المختلفة والمتصارعة. لقد استشعر القائمون على عملية التقريب والداعون إليها، خطورة الاختلافات المذهبية التي ورثها المسلمون، وقد أصبحت تساهم في تشرذم الاجتماع الاسلامي (السياسي والديني والمجتمعي)، هذا الاجتماع الذي تعرض وما زال يتعرض لأخطار عديدة على رأسها الاستعمار الغربي، الذي استفاد بدوره من سلبيات هذا الاختلاف، ليعمق الفجوة والتباعد بين المجتمعات الاسلامية التي تتقاسمها هذه المذاهب المختلفة.
كما استطاعت الجهود الأولى للتقريب أن تحقق أول تواصل بين مجموعة من علماء وزعماء المذاهب والفرق الاسلامية المتواجدة على الساحة، هذا التواصل الذي غاب عن الساحة الاسلامية لمدة طويلة، مما جعل الحواجز النفسية والمعرفية تكبر وتتعاظم بين أرباب وأتباع هذه المذاهب، وساد الجهل المطبق والمتبادل بالآخر المخالف، بحيث انتشرت الأساطير والخرافات التي تروجها وتحيكها كل فرقة أو مذهب عن المذهب الآخر. ومما زاد في الطين بلة، أن هذا الجهل بالآخر المخالف بلغ حداً جعل هذه المذاهب والفرق تتبادل تهم التكفير والتفسيق والتبديع. فكل مذهب يدعي أنه هو المذهب الاسلامي الحق، الذي سيدخل أتباعه الجنة لأنهم على الصراع المستقيم، وأن غيرهم ومخالفيهم في ضلال مبين وأن مصيرهم الجحيم لا محالة.
إن المكانة العلمية لرواد التقريب والقائمين على دعوته وشفافيتهم، وما تمتعوا به من انفتاح وسعة الاطلاع ـ ورغبتهم الحقيقية في علاج أسباب الاختلاف بين طوائف الأمة وفرقها ـ ، كل ذلك مكنهم من وضع الاختلافات الفقهية بين المذاهب في إطارها الموضوعي باعتبارها من أهم النتائج التي أسفر عنها مبدأ الاجتهاد الاسلامي. وعليه فالتعصب والإدعاء بامتلاك الحقائق المطلقة، ورفض اجتهاد المخالفين، كل ذلك يناقض ويخالف ((الحرية المذهبية الصحيحة))، لذلك دعا القائمون على التقريب إلى نبذ جميع أشكال التعصب واستبدالها بالدليل العلمي والبرهان. فليس هناك أي مجال للترجيح أو تقديم لاجتهاد على آخر، إلا باحترام الدليل العلمي، وهذا ما أكده ودعا إليه الاسلام (قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين) وباحترام الدليل العلمي، والبحث عن البراهيم النقلية والعقلية، يمكن القضاء على مجموعة من الخرافات والأساطير التي يروج لها أتباع هذه المذاهب لاتهام بعضهم البعض بالكفر والفسق والابتعاد عن مبادئ الاسلام وشريعته.
كما تمكن المشاركون في أعمال دار التقريب، وعبر كتاباتهم وما أنجزوه من بحوث ودراسات من اكتشاف ووضع اليد على الأسباب المتعددة التي انبنى عليها الاختلاف بين الفرق والمذاهب، كما تمكنوا من تصنيف هذه الاختلافات من حيث أهميتها العلمية، والملابسات التاريخية (السياسية والاجتماعية والدينية) التي جعلت من بعض الاشكالات العلمية والسياسية تتبلور في اتجاه جعلها محور صراع دائم، يتفجر بين الحين والآخر، مثل شكل الخلافة أو الإمامة الكبرى، وغيرها من المعضلات العلمية البحتة مثل إشكالية قراءة النص القرآني وتفسيره وتأويله، وما نجم عن ذلك من تعدد للقراءات والتأويلات، التي عمقت بدورها مجال الاختلاف ووسعته بين علماء المسلمين وفرقهم ومذاهبهم المتعددة.
لقد تعددت أنشطة دار التقريب في القاهرة وتوسعت باتجاه تحقيق أهدافها رغم تأثرها بالظروف والمتغيرات السياسية وتداعياتها التي جعلت مسيرة التقريب تتعثر وتتوقف في نهاية المطاف، لكنها لم تنحرف عن أهدافها رغم ذلك، ويكفي أصحابها والقائمين عليها فخراً ما أنجزوه في سبيل هذه الدعوة. خصوصاً مجلة (رسالة الاسلام) التي صدر العدد الأول منها سنة (1368هـ / 1949م)، واستمرت في الصدور إلى العدد (60) الذي صدر سنة 1972. وعندما نتصفح أوراق هذه المجلة العلمية الفصلية، تطالعنا أسماء شريحة من أهم العلماء والمثقفين الذين أثروا وأغنوا الساحة العلمية والفكرية العربية والاسلامية آنذاك، بكتاباتهم وبحوثهم القيمة في مختلف المجالات الفكرية والدينية، هؤلاء جميعاً كانوا من رواد حركة التقريب، ومن النشطاء والعاملين ضمن دار التقريب بين المذاهب في القاهرة مباشرة أو غير مباشرة.
من الأسماء الشيعية الإمامية البارزة التي شاركت ببحوثها القيمة والمتميزة ونشرتها في مجلة (رسالة الاسلام) نذكر: الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء، الشيخ محمد رضا الشبيبي، السيد هبة الدين الشهرستاني، السيد صدر الدين الصدر ومحمد جواد مغنية والسيد مسلم الحسيني الحلي. أما من الجانب السني المصري فقد شارك فيها شيخ الأزهر محمد شلتوت والدكتور محمد البهي والأستاذ محمد عبدالله دراز والشيخ عبدالمتعال الصعيدي، والأستاذ محمد فريد وجدي والأستاذ عباس محمود العقاد. إلا أن الأسماء المشاركة في أعمال وجهود التقريب كانت كثيرة ومن الشخصيات العلمية والسياسية والاجتماعية المعروفة آنذاك في مصر وعدد من الدول العربية، مثل شيخ الزهر عبد المجيد سليم والشيخ حسن البنا مؤسس حركة الإخوان المسلمين، وعلي مؤيد إمام الشيعة الزيدية في اليمن، وأمجد الزهاوي من كبار علماء العراق والحاج أمين الحسيني من فلسطين، والشيخ الآلوسي وغيرهم كثير.
وإذا كان علماء الشيعة الإمامية هم من وقف وراء هذه الحركة التقريبية ودعموها وشجعوا كل متعاطف معها للمساهمة في تفعيل وتنشيط أعمالها، فقد أثمرت جهودهم بشكل متميز عندما أصدر شيخ الأزهر الإمام محمود شلتوت فتواه التاريخية بجواز التعبد بمذهب الشيعة الإمامية، هذه الفتوى التي أزاحت ركاماً كثيفاً من المقاطعة والكراهية والنفور بين أهم فريقين يتقاسمان الأمة العربية والاسلامية، وقد تبع هذه الفتوى قرارات مهمة أخرى، جعلت التقريب بين المذاهب الاسلامية حقيقة واعية، فقد تقرر في الأزهر تدريس فقه المذاهب الاسلامية من سنة وشيعة، كما تقرر أن يضم مجمع البحوث الاسلامية أعضاء من مختلف المذاهب الاسلامية.
وككل مرة، عصفت المتغيرات السياسية وتناقض المصالح بين الأطراف المتصارعة في العالم الاسلامي وخصوصاً في منطقة الشرق الأوسط، بجهود التقريب، عندما ساءت العلاقات السياسية بين مصر وإيران. فأغلقت دار التقريب وتوقفت أعمالها، لكن جهود القائمين عليها لم تذهب سدى، لأنها وضعت الأسس واللبنات الأساسية لأي عمل مستقبلي بهدف للتقريب بين المذاهب الاسلامية، لأنها أنتجت تراثاً فكرياً تصالحياً، جربت فيه الأطراف المختلفة سلوك طريق الدليل والبرهان والحوار بالتي هي أحسن، وعرض الاجتهادات والعقائد المذهبية الخاصة ليطلع عليها المخالفون، وليتعرفوا عليها من خلال أقلام أصحابها وألسنتهم، وليس من خلال كتابات خصومهم ومخالفيهم.
كما شكل هذا التراث الذي احتضنته مجلة (رسالة الاسلام) وثيقة تاريخية مهمة، يمكن عرضها للكشف عن النوايا السيئة، التي يختبئ وراءها المعادون لأي تقريب، لأن البحوث التي أنجزت ونشرت في رسالة الاسلام وتحدثت عن المذاهب الفقهية والسياسية الاسلامية، كانت بحوثاً علمية انتهجت الموضوعية، وقدمت الأدلة والبراهين على حجم الاختلافات المذهبية، وحصرتها في إشكالات معروفة ومحددة، كما عرفت باتجاهات المذاهب المختلفة.
لا يمكن أن نلم بجميع الجهود والآثار التي أسفرت عنها حركة التقريب، بين المذاهب، وما قامت به دار التقريب في القاهرة من أعمال جليلة في هذا السبيل، لأن أعمالها لم تنقطع بإقفال الدار، بل ظهرت آثارها في عدد من الأعمال والندوات والمؤتمرات، بل إن الجهود الجديدة التي تقوم بها بعض المؤسسات الآن (مثل مجمع التقريب في طهران) في سبيل التقريب، إنما تتخذ دار التقريب في القاهرة نموذجاً لها، معتمدة كذلك على ما أنجزته من تراث فكري تقريبي.
لا تفوتني الإشارة هنا لعمل متميز ظهر كذلك ضمن هذه الأجواء التقريبية (السياسية بالخصوص) بين مصر وسورية، ودعم حركة التقريب بين المذاهب بشكل علمي رصين، ونقصد به إنجاز موسوعة الفقه الاسلامي المقارن الشهيرة بموسوعة عبدالناصر الفقهية، التي أعدها مجموعة من كبار أساتذة الفقه الاسلامي وأصدرها المجلس الأعلى للشؤون الاسلامية (القاهرة سنة 1386هـ ). لقد شجع وأشرف على توجيه هذا العمل وزير الأوقاف يومذاك السيبد أحمد عبدالله طعيمة، وقامت بهذا العمل والمشروع لجنة خاصة مشتركة بين السوريين والمصريين، وفي سنة 1381هـ (23 يوليو 1961م) صدر الجزء النموذجي الأول من هذه الموسوعة. تأثرت أعمال اللجنة بظروف الانفصال السياسي بين البلدين، لكن وزير الأوقاف آنذاك المهندس أحمد عبده الشرباصي أصدر أوامره لإعادة تشكيل اللجنة ومتابعة مشروع الموسوعة التي صدرت في (20) جزءاً، عرض فيها الفقه الاسلامي على المذاهب التسعة، منقولاً عن أهم المصادر الفقهية المعتمدة لدى هذه المذاهب، وبذلك حقق هذا المشروع أهم المطالب العلمية في عرض اجتهادات وآراء المذاهب المختلفة، ألا وهو الموضوعية العلمية واعتماد مصادر الفرق والمذاهب في التأريخ لها والكتابة حولها.
* محمد دكير
|