|
* إحسان الأمين
(واعتصِموا بحبلِ اللهِ جَميعاً ولا تفرّقوا واذكُروا نِعْمةَ اللهِ عليكُم إذ كنتم أعداءً فأ لّف بين قُلوبِكُم فأصْبَحْتُم بنعْمَتهِ إخواناً ) . ( آل عمران / 103 )
هذا النص الإلهي الكريم كان ولا زال محور جميع الدعوات باتجاه توحيد الاُمّة الاسلامية على كلمة واحدة : راية واحدة يعملون في ظلِّها وهدف واحد يتّجهون إليه .
إلاّ أنّ التاريخ ينبئنا بأنّ المسلمين بدأوا بالاختلاف منذ رحيل الرسول الكريم (صلى الله عليه وآله وسلم) ، ولم يشهد التاريخ بعد هذا الفقد العظيم اجتماعاً لكلمتهم حتّى يومنا الحاضر .. نعم وكما نجد لكل قاعدة استثناءً ، فإنّنا نجد فترات محدودة وقصيرة ربّما شهدت نوعاً من الاتحاد أو الاجتماع على كلمة واحدة .
وهذا الاضطراد التاريخي في التفرّق والتوزّع في الآراء والمذاهب والاتجاهات الثقافية والميول السياسية ، مدعاة للتأمّل العميق والبحث الجاد عمّا وراء هذه الظاهرة التاريخية من أبعاد وخلفيّات تعيق الاتحاد أو تُسبِّب الإنقسام .
إنّ التساؤل الأوّل الذي نواجهه هو حول ماهية الاتحاد ؟ هل الاتحاد المطلوب على مستوى العقائد ؟ وأيّ العقائد يجب الاتحاد فيها ؟ وما الفرق بين العقائد حقيقة وما يتداوله الناس اليوم تحت عنوان العقائد ؟
هل المطلوب أن تكون الاُمّة فقهياً على مذهب واحد ؟ وأيّ مذهب فقهي هذا؟ وما هي الاختلافات بين المذاهب وتأثيرها على قضية الوحدة ؟
هل المراد أن تنتظم الاُمّة تحت قيادة واحدة ؟ وهل يستوجب ذلك إلغاء سائر القيادات وإبطال معظم الجماعات ؟ وهل يعني هذا أنّ الوحدة تكون بإلغاء الحواجز الجغرافية وإبطال الأنظمة السياسية لتنصهر جميعاً في نظام واحد وقيادة واحدة وكيان سياسي واحد ؟
هل تعني الوحـدة ، وحدة الناس ثقافياً وفكرياً ليكون موقفهـم من موضوعات الحياة المختلفة واحداً ؟ هل يعني ذلك إلغاء التنوّع في التفكير وحذف الاتجاهات والابداعات الثقافية ؟ هل يكون ذلك بوضع ضوابط وقواعد للتفكير ، وإرساء أسس وأطر تحدِّد الموقف من كل قضية ؟
ماذا عن اختلاف المكان والزمان ؟ ماذا عن تنوّع بين الانسان وتلوّن أنماط التفكير واختلاف الأذواق ؟ ماذا عن قدرة الابداع وفطرة التجدّد المغروسة في التاريخ البشري ؟
وبعد ، فهل الوحدة إلغاء للقوميات والترفّع عن الانتماءات العرقية والاتجاهات الوطنية ؟ هل يعني ذلك أنّ التاريخ البشري كلّه كان مغلوطاً وأنّنا يجب أن نسعى لصياغة وضع جديد ؟
وماذا عن اللغة واختلاف الألسن ؟ وماذا عن العادات الاجتماعية والأعياد القومية والفولوكلور الشعبي ؟ ماذا عن الأزياء والتقاليد ؟ ماذا عن القبائل والعشائر ؟
وماذا عن الحدود والتوزيع الجغرافي والسياسي ؟ هل يعني الاتحاد أن يكون التنقّل بين بلاد المسلمين حرّاً ؟ هل يعني ذلك تغيير التركيبة السكّانية للبلاد المختلفـة ؟ هل سنشهد غزوات وهجرات جماعية من قارّة لأخرى ، فضلاً عن بلد لآخر ؟
هل ذلك ضروري حتى يكون الناس اُمّة واحدة؟ ولا تكون أمّة الاسلام خير اُمّة إلاّ بإلغاء الفوارق وإزاحة الامتيازات ؟
ثمّ ماذا عن وحدة الحركة الاسلامية ؟ وماذا عن هذا العدد الهائل من التنظيمات والهيئات الاجتماعية والسياسية التي نجدها في الساحات المختلفة ، الاسلامية وحتى ساحات المهجر ؟
وبماذا نفسِّر المسيرة العكسية التي اختطّتها هذه الحركات، لتنقسم وتتوزّع وتتشعّب وتتعدّد بعد أن كان بعضها حركة واحدة بقيادة واحدة تضمّ عدّة بلدان وتنتظم دول عديدة فيها ؟
وكيف نتفهّم وجود عشرات الجمعيات الدينية في مدينة واحدة ، كما هو حال مدن المهجر ، توزّعت فيه هذه الهيئات على أساس البلاد الأصلية للمهاجرين، فتلك هندية وأخرى باكستانية ، وهذه مصرية وأخرى لبنانية ، وهذي مغربيّة وأخرى عراقية ؟
هل يعـبِّر هذا التصنيف والتوزيع عن ظاهرة سـلبية ؟ هل يمثِّل عمق الارتباط القومي والانتماء الوطني وتفوّقه على الالتزام الديني ؟
هل تُعالَج هذه الظواهر بإلغاء الانتماءات القبلية وصبّها في عالم الايمان ؟ هل يعني كونك مسلماً أن تعيش في دُنيا الاسـلام وتنسى أو تتناسى كل شيء غيره من عادات وتقاليد وعلاقات وارتباطات ؟
وما هي الوحدة المطلوبة أخيراً ؟ هل هي وحدة الأشكال والأساليب ؟ هل هي ارتباط الهيئات والجمعيات وسائر التنظيمات الاجتماعية والسياسية لتشكِّل جسماً واحداً؟ هل هي وحدة القيادة وصدور الفكر والموقف وانطلاق العمل من مصدر واحد ؟
هل يعني الاتحاد أن يكون لنا هيكل تنظيمي وسـياسي يعبر الحدود ويتجاوز الحواجز السياسية ويتغافل عن الأعراف الدولية ؟
هل تعني الوحدة أن لا يكون القرار محلِّياً ووطنياً ؟ أن تأتي الارشادات بإشارات من خارج الحدود ؟ أن لا نشترك في «اللّعب» الانتخابية الوطنية ؟ أن لانعير أهمية للقضايا القومية ؟ أن لا تأخذ اهتمامات الناس اليومية موقعاً في أهدافنا المرحليـة ؟ أن لا نلتقي مع «الآخرين» في برامجهم الدنيوية واصلاحاتهم المحدودة ؟
وبشكل أوضح ، ما هي فروقات الوحدة ، وما الذي يشقِّق واقع الاُمّة ويعيقها عن أهدافها «الرسالية» ؟
هل هو اللقاء مع «الآخر» الوطني أو القومي أو العلماني ؟
هل هو تأييد أو دعم برامج الدول «غير الاسلامية» أيّاً كان لهذه البرامج من تأثير في تحسين الأوضاع الراهنة ؟
هل هو الاتفاق أو التعاون مع الدول «الاشتراكية» أو «الليبرالية» ؟
هل هو الدخول في جبهات وطنية أو قومية ؟
هل هو طرح أو تبنِّي شعارات مرحلية أو برامج دنيوية ؟
هل هو الدخول في قوائم انتخابية مع التوجّهات السياسية الأخرى غير الاسلامية ؟
هل التعاون مع الهيئات الدينيـة غير الاسـلامية يكون على حساب الوحدة الاسلامية ؟
هل التفاهم مع الأحزاب والقوى العلمانية يكون على حساب «البيت» الاسلامي ؟
هل يتوقّف مدّ جسور التعاون وتدعيم نقاط الالتقاء مع الآخرين على ترتيب «البيت الداخلي» وإنهاء الخلافات الاسلامية ـ الاسلامية ؟
وهل تتطلّب الوحـدة تقديم «الاسلامي» مُطلقاً على غيره ؟ وتأييده حتى لو كان مخطِئاً أو متجاوزاً في موقفه ؟
هل الولاء والموالاة تكون مقدّمة على الموقف من الحقّ والباطل ؟
هل يعني ذلك نصرة أخيك ظالماً أو مظلوماً ؟
هل يمكن عملاً صدّ «الأخ» المعتدي عن عدوانيّته والتصدِّي له لكفِّه عن شيطانيّته ؟
هل الاسلامي دوماً على حق وغيره دائماً على باطل ؟
هل يتم تصنيف وتقييم المواقف على أساس الذوات لا الموضوعات ، فيكون الاسلامي متميِّزاً ومنحازاً إليه لمجرّد إعلانه إسلاميّته ؟
وبعد ...
هل الوحدة هدف ولو كانت على حساب الشعوب ومصالح الناس ؟
هل تعني الوحدة تأييد الحكّام الظالمين لمجرّد أنّهم «مسلمون» ؟
هل تعني الوحدة الوقوف مع هؤلاء وإن يتم سحق شعوبهم ومصادرة حقوقهم ؟
هل الوحدة وحدة أنظمة أم شعوب ؟
هل يمكن أن تتّحد الحكومات الدكتاتورية والأنظمة المستبدّة مع البلاد «الديمقراطية» والأنظمة المستقرّة ؟
هل تكون مثل تلك الوحدة لصالح الاسلام ، أم لصالح الشعوب ؟ أم لصالح النظام ، وعلى حساب الاُمم ؟
هذه أسئلة وهناك العديد من الأسئلة الاُخرى التي تضطرد في هذا الباب وتطرح نفسها باستمرار كلّما حاولنا أن نستحضر عنوان الوحدة وأن نعيش واقعنا الحياتي المعقّد وسعينا للجمع بين النظرية والتطبيق .
ذلك أنّنا نواجه انقساماً نفسياً وتناقضاً داخلياً بين فهم وتصوّر نحاول أن نتمثّله، وبين واقع يتجافى باستمرار عن تلك الصورة الخيالية التي نحملها.
فهل يمكن وضع مراتب وتصنيف مجالات للوحدة ؟ فتكون الوحدة أمراً متكثّراً في موضوعها بدل أن تكون واحداً يصدر عن واحد ؟
هل يمكن أن نتّحد في موقف معيّن ، تجاه قضايا محدّدة ، في برامج خاصّة أو على مستويات محدّدة ؟
هل يمكن للوحدة أن لا تلغي الخصوصيات ولا تتعارض مع الواقعيات ولا تتقاطع مع الميول والاتجاهات ؟
هل يمكن أن يكون الانسان ، الشعب ، البلد ، متميِّزاً في ذاته ، منفرداً في شأنه الخاص ، مستقلاًّ في حياته وقراراته .. ويكون في نفس الوقت منسجماً مع الآخرين ، متناسقاً معهم في حركتهم العامّة ، متّحداً في موقفه تجاه قضاياهم المصيرية ؟
هذه وغيرها عشرات الأسـئلة الحائرة والملحّة التي تطرح نفسها على طاولة البحث في موضوع «الوحدة الاسلامية»، وهي تحتاج لمعالجات جذرية تنطلق ابتداءً من دراسة مفهوم الوحدة ، فإذا ما تحدّد هذا المفهوم اتّضحت أبعاده وآفاقه في المستويات المختلفة : أفراداً وجماعات، اُمماً ودولاً وتكتّلات .
نحو فهم جديد لمفهوم الاتحاد :
إنّ الأرض لها حركتها الخاصّـة ، ولها أقمارها ومجالها المغناطيسي المتميِّز ، وهي تدور حول الشمس أيضاً ، في نفس الوقت الذي فيه (الشّمسُ تجري لمُستقرٍّ لها ذلك تقدير العزيز العليم ) .
وكل هذه الحركات والبركات المنبعثة منها لم تجرِّد هذه الكواكب المختلفة من جمالها ولم تُعِقها عن كمالها مع انتظامها وانضمامها جميعاً في مجاميع رائعة وشامخة في الانسجام والنظم والتوحّد والتآلف ، فلم يمنع التعدّد أو التوزّع أو التشعّب والتنوّع عن تمثيل هدف كوني كلِّي أو التعبير عن سرٍّ إلهي خفي يطبعها جميعاً بسحره وتألّقه وجماله اللاّمحدود .
وقد يكون من الممتع والمفيد أن يكتسب البحث طابعاً فلسفياً ، ليكرّر السؤال التاريخي المعروف حول إمكانية صدور الكثير من الواحد ، أو أنّ الواحد لا يصدر عنه إلاّ واحد ، إلاّ أ نّه مهما كانت نتيجة البحث ، إلاّ أ نّنا لايمكن أن نتصوّر وحدة الموضوعات الخارجية التي نواجهها ، وإلغاء الفوارق الحقيقية التي نشاهدها ، لنطابق بين الأضداد ونجمع بين المتناقضات .
فالعالم متنوِّع ومتوزِّع ومختلف ومؤتلف في قضاياه وأشيائه ، في مادِّياته ومعنوياته ، ولكنّه على أي حال يسير بقوانين طبيعية واحدة ومحكوم بسنن إلهية رتيبة .
وما نريد قوله هنا أنّ مشروع «الوحدة الاسلامية» كما تصوّره وأراده الكثيرون ، هو أيضاً مشروع نظري وأيديولوجي يكفي الاستدلال بعدم واقعيّته وعدم الوصول إليه خلال أربعة عشر قرناً من التاريخ الاسلامي ، الذي لو أردنا تقييمه وفقَ تصوّر أطروحة الوحدة الاسلامية المنشودة ، فإنّه سارَ في الطريق الآخر والاتجاه المعاكس تماماً لهذا المشروع الخيالي !
وأيّاً كانت العوامل والأسباب ، فإنّنا اليوم أمام نيف وخمسين دولة بدلاً من دولة أو خلافة واحدة ! وأمام العديد من أشكال الأنظمة ، إمارة وملكية وسلطانية وجمهورية شعبية أو اشتراكية أو ليبرالية ، دستورية أو ديمقراطية ، أو مطلقة ! بدلاً من نظام إمامة واحد .
ونحن اليوم نشاهد اعتزازاً أكثر من أي يوم مضى ـ في التاريخ الاسلامي ـ بالتراث الوطني والقومي ، وتمسّكاً أشدّ بالأرض وتماسكاً مليّاً وتمظهراً محليّاً أوسع ، بحيث يمكن أن نرى انقسام دول عتيدة وانبعاث دول جديدة دون أن نتوقّع اتحاد هذه وتلك وتشكيل كيانات متحدة بالمعنى التاريخي المتصوّر حول الوحدة ؟
وإذا كنّا دوماً نبحث عن متّهم مجهول أو عوامل وأسباب قادمة من وراء الحدود أو خطط صهيونية أو استعمارية كانت وراء تقسيم البلاد ورسم الحدود.. إذا كان هناك ما يُبرِّر قبولنا لهذه التصوّرات ، فإنّنا اليوم لا يمكن أن نصدِّق أنّ البلاد الاسـلامية جميعاً على اختلاف سياساتها ومداراتها وولاءاتها لا زالت تحكمها خطط اليهـود ، وأنّ ما يحول دون وحدتها عدم رغبتها أو فقدانها لارادتها المسـتقلّة والقوية لتحقيق ذلك ، فإذا كان هذا واقع الحكومات ـ كما يقولون ـ فبماذا يبرِّرون واقع الشعوب ، وواقع «الاسلاميين» المنقسم والمتوزِّع قبل غيره ؟
إنّنا لا بدّ أن نستوعب دروس تاريخنا الطويل ، وأن نتفهّم واقعنا المرير .. بل لابدّ من التعرّف على الواقع العالمي وتجاربه «الوحدوية» التي لم تعد تقوم على أساس الذوبان والانصهار في بوتقة واحدة ، بل هي مبنيّة على أسس نظرية جديدة تجتمع فيها مفاهيم التوحّد والتعدّد معاً في منظومة تلفت الأنظار وتستدعي التأمّل فيها والتوقّف عندها ؟
لقد كان التصوّر القديم يقوم على أساس أنّ الوحدة هي حركة الجميع نحو رأس الزاوية :
فبالتالي كلّما تقدّمت الخطى كلّما اقتربت الأفكار واجتمعت الاتجاهات واتّجهت المسارات نحو نقطة واحدة هي رأس الزاوية .. وبهذا فإنّ معنى أن نتّحد، أن نتوحّد، أن نتطابق، أن نلتقي في المسير ونسير معاً نحو نقطة واحدة .. لذا فإنّ الوحدة بهذا التصوّر تعني إلغاء الآخرين ، وإبطال الاتجاهات واجتماع الجميع على منهج واحد .. وكان من متطلّبات هذا أن تتحد مناهج الفكر وخطط السّير وأساليب العمل ، لأنّ النتيجة تتبع أخسّ المقدّمات .
و «الوحدة» بهذا الفهم تعني تطابق الذوات والموضـوعات ، ولذا كان السّعي دوماً من طلاّب الوحدة وبغاة الاتحاد إلى تثبيت «عقيدة» واحدة وإلغاء الأفكار الاُخرى ، وإلى إرساء «أيديولوجية» حاكمة في كل شيء تفصِّل القضايا والأشياء على أساس مقاساتها الثابتة والتي لا تقبل التجديد ولا التغيير ، ولم يكن حينئذ للاجتهاد ولا الابداع معنىً ، كما لا موقع في تلك التصـوّرات وما يُبنى على أساسها من كيانات ومجتمعات للرأي الآخر والتعدّدية السياسـية أو التنوّع الثقـافي ، فضلاً عن إمكانية بحث وجود قيادات مختلفة أو كيانات متعدِّدة أو مجالات مفسوحة لحرِّية الانتخاب والاختيار ، فالتصميم جاهز وعلى الناس أن يسيروا بين الخطوط التي ترسمها الفكرة ، وتكون قيمة كل إنسان ، بل قل وجوده متوقِّفاً على سيره والتزامه بهذه الخطوط لأنّ الخروج عنها يعني ـ في ذلك التصوّر ـ التمرّد على الطبيعة والقوانين وخرقاً صارخاً للسّنن وتحدِّياً مريعاً لإرادة الاُمّة التي قرّرت أن تسير ولا تنظر إلى حواليها ...
وإذا كان هذا التصوّر والنموذج المنبثق عنه قد فشل تاريخياً رغم أنّ كثيراً من الظروف الثقافية والاقتصادية والأوضاع الاجتماعية والسياسية التي كانت سائدة في العالم آنذاك تساعد عليه ، فالأنظمة غالباً ما كانت تقوم على أساس السلطة المطلقة للحاكم الواحد ، والكيانات تستمدّ وجودها من قوّتها وتتقوّم نظريّتها على أساس «البسط» ، فكل دولة تقوى تزحف على جيرانها ، وكل قبيلة تغنى تسطو على مَن إليها من القـبائل ، وهكذا كان البقاء لا للأصلح ذاتاً أو الأقوم وجوداً بل لمن غلب ..
ورغم كل هذه الأسباب وقيام حكومات عالمية ودول أسطورية «لم تغب عنها الشمس» ، إلاّ أنّ قوانين الطبيعة التي خلقت التوزّع وأبدعت التنوّع والسّنن الإلهية التي أسّست على أساس الاستبدال والتغيير لم تكتب لهذه الكيانات الواهية ـ رغم أبّهتها ـ الخلود ، فسرعان ما جاشت في داخلها النوازع البشرية الحقيقية لتهشِّم «وحدتها» المزعومة و «اتحادها» الكاذب ، لنجد اليوم دولاً على أنقاض دول توزّعت في مئات الوجودات التي قامت محل امبراطوريات عتيدة لم يكن يتصوّر عتاتها يوماً أن لا تدوم لهم الدنيا فضلاً عن الآخرة ، فراحوا يبنون الاهرامات لممالك ما بعد البعث والنشور ، ورفعوا القصور التي أرادوها أن تسع الأحفاد مدى الدهور .. ولكن سقطت التيجان وبادت الحكومات ولم يبقَ منها إلاّ أطلال وآثار «عبرة للعالمين» .
وإذا كانت نهاية القرن العشرين نهاية الأنظمـة الأيديولوجية ، فإنّنا أيضاً شهدنا بتلك النهاية انهيار آخر الحكومات الاتحادية الكُبرى في روسيا، كما شهدنا في بداياته انهيار النموذج الذي حاولَ أن يتزيّن باللِّباس الديني ويستفيد من لواء «الوحدة الاسلامية» ، فأين ذهبت الحكومة العثمانية، وماذا خلفت بعدها من عشرات الدول ومئات الاتجاهات السياسية والدينية ؟
إنّ التطابق الوحدوي المزعوم لا يمكن أن نجده في الاُسرة الواحدة ، بل بين شقيقين توأمين ، ولدا من أب واحد واُم واحدة ، ونشآ في بيت واحد ، فلا يمكن أن تكون ميـولهما واتجاهاتهما ورغباتهما ونوازعهما ، وطاقاتهما وإمكانياتهما متطابقة، فكيف نريد ذلك لاُمّة وشعوب مختلفة نشوءاً وارتقاءً .
إنّ التصوّر الحديث للوحدة، والتي خلصت إليه تجارب الانسانية ، وانتهت إليه أفكار البشرية ، هو عكس النظرة السابقة ، إذ إنّه يقوم على أساس السير من رأس الزاوية باتجاه ذراعيها المفتوحين :
فكلّما تقدّمت الانسانية في مسيرتها ، كلّما توزّعت في الافهام وتنوّعت في الاتجاهات وتعدّدت في الرؤى ، والوحدة الصحيحة والواقعية تقوم على أساس أنّ المجتمع ، أو الدولة ، أو الكيان السياسي أو التنظيمي كلّما تقدّم وكان قويّاً ، كلّما كان أكثر استيعاباً لهذه الرؤى المختلفة وأكثر انفتاحاً على الاجتهادات والأفكار المستجدّة ، وكلّما كان مجال تعايش وتآلف الناس المختلفين والآخرين فيه أوسع .
فهو مفتوح على المستقبل ومنفتح على الآخر ، ويحمل في أفكاره وبرامجه وخططه العملية القدرة على الاستيعاب الايجابي الذي لا يلغي الآخرين بل يتقبّل وجودهم ويحترم اختلافهم ويتفهّم تنوّعهم الاعتيادي الذي لم تلغه الطبيعة بل جعلت حيويّتها واستمراريّتها منوطة بقدرتها على التغيير والتحوّل المسـتمر ورهينة باختياراتها المتعدِّدة وتطوّرها المضطرد مع حركة الحياة ونموّها .
ولا يعني هذا النمط من التوحّد عدم وجود قواسم مشتركة أو أهداف موحّدة أو الالتقاء في قضايا مصيرية والتوافق على مواقف أساسية من مسائل أساسية أو حوادث طارئة ، ولكنّه يعني أيضاً ترك مساحات واسعة للحركة وإعطاء مجالات كبيرة للتميّز وإغفال النظر عن الخصوصيات الذاتية والمسائل الخاصّة ، وتحمّل وجهات نظر مختلفة في قضايا الحياة المتنوِّعة ، وخلق أجواء فعّالة للإبداع والتجديد ..
وبالتالي ، فإنّ هذا المجتمع ، حركة ، أو دولة ، أو اُمّة ، يعيش حياته بفعالية واسعة وينشط أعضاؤه في حرِّية كبيرة ضمن محيط يجمعهم ويتّفقون فيه على بنائه ودعمه وتقويته ليوفِّر الحماية اللاّزمة لهم جميعاً ، ويؤمِّن الأجواء المناسبة لرشدهم وحركتهم باتجاه الأهداف السامية .
فهو لا يلغي الفرد ولا يخنق الجماعات ، ولكنّه يشكِّل جوّاً جماعياً قائماً على قواسم عامّة مشتركة ، ويتّفق على قواعد كلِّية ليؤمِّن العيش الكريم والتعايش السليم .
وهذه المساحة المتحرِّكة والأجواء المتحرِّكة هي التي تبعث في المجتمع الحياة ، وتحفِّز فيه كوامن النهوض وتدفعه للحركة والنهوض العلمي والثقافي وتدعم فيه أسس البقاء والاستمرار، وبالتالي تؤمِّن له الأجواء المناسبة للخلق والابداع ، ولا يمكن لأي مجتمع أن يكون متنامياً وقوياً وراقياً ومتقدِّماً إلاّ بتوفير مثل تلك الأجواء التي تجعل سائر أفراده متحرِّكين مع سيرهم باتجاه واحد هو علوّ ذلك المجتمع ورقيّه ، وذلك من تأويل (والشّمس تجري لمُستقرٍّ لها ذلِكَ تقدير العزيز العليم ) .
وإنّما كانت الأنهار متدفِّقة تحمل معها الحياة إلى الأصقاع المختلفة لحركة أمواجها المختلفة في اتجاهاتها المنفردة المجتمعة في سيرها نحو هدف واحد ، وبذا امتازت الأنهار ـ وكذا البحار المتموِّجة ـ عن البحيرات المُغلقة الراكدة المياه .
|