|
* د.وهبة الزحيلي
فقه الوفاق
ليس هناك أمة، على وجه الأرض، لها من مقدمات الوحدة والوفاق، والبناء المشترك والعمل الموحد مثل الأمة الاسلامية، لأن دينها واحد، وعقيدتها واحدة، وأخلاقها وتطلعاتها واحدة، وانتماءها إلى جذع واحد أو أرومة واحدة، ووجودها يفرض عليها وحدة المسيرة والاتجاه، وتاريخها واحد، ورقعتها الجغرافية واحدة أو متقاربة الحدود والامتداد من الشرق إلى الغرب، ومن الشمال إلى الجنوب، ومصادر ثقافتها ومعارفها واحدة لا تعدد فيها ولا ازدواجية، ونصوص شريعتها واضحة في الأصول والجوهر والغاية، ومصيرها واحد، وهو لقاء رب العالمين، وإيمانها بمبعث الخلق أجمعين.
ومصادر الاجتهاد فيها واحدة أيضاً، وإن شابها شيء من الاختلاف في التطبيق، أو الخلاف في الفروع، ما عكر صفاء الفكر ووحدة العمل، فعني الكثير من الأمة بمظاهر الاختلاف الواهية أو المحدودة، وتركوا الجذور والأصول والمنطلقات، وصعب، في مسيرة التاريخ، التخلص من هذه الشوائب، وبعد الناس عن المنبع، واشتغلوا بالسواقي والجداول.
ولم يتخلص العلماء بالذات، فضلاً عن العوام، من العناية بالخلافات، وضخموا مسائل الاختلاف، وهولوا وقائع النزاع، وتركوا نقاط الاتفاق والتلاقي، وصنفوا العديد من المصنفات في بيان أسباب الاختلاف بين الفقهاء، إما بحسن نية ليعذر الناس العلماء في ما اختلفوا فيه، أو بسبب الولع بتتبع الخلافات، الأمر الذي أنسى الأمة، في خزانة الفكر الاسلامي أو الانساني، ظاهرة الوفاق والتوحد، ورصدوا الكثير من مسوغات الخلاف، ما جعل المسلم يعنى بالاختلاف، وينسى الاتحاد أو الوحدة.
لذا لم أجد مصنفاً واحداً، في القديم والحديث، عني بالأمر البدهي أو الأصيل الاسلامي، وهو وحدة الفكر والمصدر والاستنباط، لحمل الناس عليه، علماً بأن نقاط الاتفاق والاتحاد أكثر بكثير من نقاط الخلاف والخصام والتعصب المذهبي.
وإذا كنا، اليوم، نعاني الكثير مما خلفه التاريخ العلمي والواقع المجزأ المبني عليه، فقد آن لنا في رصيد الصحوة الاسلامية الحاضرة أن نعود للأصول الواحدة، والمشاعر الواحدة، والأفكار الواحدة، لنبني تاريخاً جديداً قام صرح الاسلام العظيم في الماضي على أصوله الواحدة، وثوابته القائمة التي لا تتغير ولا تتبدل.
ونحن، اليوم، أكثر من أي وقت مضى بأشد الحاجة للوقوف صفاً واحداً، أمام التحديات الكثيرة والمدروسة التي تهدف إلى القضاء على وجودنا، وزعزعة استقرارنا، ونهب ثرواتنا، وإضعاف بنيتنا، والتشكيك في مقدراتنا، بل وفي عقائدنا ومقدساتنا، وعلومنا وشرعنا، وتاريخنا وسيرة سلفنا.
وإذا وجد، في هذا التاريخ المضيء، بعض المآسي والجروح، فإن ذلك أقل بكثير مما نجده في تاريخ الأمم الأخرى ولا سيما أهل الغرب. ولكن إلى متى تظل مآسي التاريخ الجانبية تفرق بين الإخوة، وأبناء الدم الواحد، والاعتقاد الواحد، والمصدر الواحد؟! وإلى أي مدى يسمح علماؤنا، من أي مذهب كان، بأن نظل أسارى تلك النقاط المظلمة في تاريخنا، والمعكرة لصفونا، والتي تباعد بين الإخوة، وتبقي الفرقة، كأنها الأصل، وتنسى الوحدة وهي الجذر؟!
إننا، نحن العلماء، آثمون أشد الإثم من حيث ندري أو لا ندري إذا لم نعد حساباتنا، ونفكر في مصائرنا، ونعمل من جديد على إعادة وحدة الأمة في السياسة، والاقتصاد، والاجتماع، والاعتقاد، والاجتهاد والاستنباط، والتربية والتعليم، والتوجيه والتثقيف، وبناء حياة مزدانة بكل عناصر القوة، والمجد، والجدية، والنهوض من الكبوات، ونسيان الخلافات الماضية التي ليس لإثارتها أو إحيائها أو التحدث فيها أي معنى، بل إنها سم زعاف، وضرر محض يؤدي لإحياء الحديث في تلك الخلافات، التي تفرق ولا تجمع، وتهدم ولا تبني، وتمزق ولا ترقأ، وتضعف ولا تقوي أو تعالج، وتثير النزاع ولا تؤاخي أو تضمد الجراح.
إنني أشك في أمانة العالم أو المؤرخ الذي يكثر من الحديث، أو التحقيق، أو الإعلان أو المقال الآن عن جراح الماضي، وما أدت إليه من الفرقة المذهبية، والتشتت الوجداني، والضياع القاتم، وما على العالم أو الفقيه إلا أن ينبه إلى العمل بأوجه اللقاء والتفاهم، والترفع عن الأحقاد والخصومات، وتناسي الثارات، والعمل على صعيد مشترك يحقق الوحدة الاسلامية.
إنني أعيد الحساب بنفسي، لعل غيري يقلدني، ويبدأ الجميع في نسج فكر واحد، وبناء مجد واحد، والتصدي لعدو شرس خطير واحد، فهل من متذكر أو مستجيب؟!
إن الصلح في الفكر والتراث وكل النزاعات، ولا سيما أمام المخاطر، هو جوهر صفاء الدعوى إلى الله وإلى الإسلام الحق، وإلى الوجود الدولي الاسلامي الواحد.
نقاط الاتفاق والالتقاء بين المذاهب الاسلامية:
1 ـ وحدة الدين: إن الدين عند الله الاسلام، والاسلام واحد وهو جوهر جميع الرسالات الإلهية، وهو دعوة جميع الأنبياء والمرسلين، إنهم دعوا إلى إله واحد، ورب واحد. فالله هو الإله الواحد، والخالق الواحد، والرب الواحد، وأركان الإيمان في الاسلام واحدة، إنها إيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وأركان الاسلام بالمعنى الخاص الذي عليه المسلمون الآن بجميع فرقهم ومذاهبهم واحدة، إنها شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت من استطاع إليه سبيلاً من المسلمين.
والمسلمون، بمختلف مذاهبهم، في الماضي والحاضر، متفقون في أركان الإيمان والاسلام، وعناصر الاعتقاد، وإن اختلفوا في تفاصيل الفكر الإيماني والفلسفي.
2 ـ وحدة الانتماء: المسلمون، في أنحاء العالم، إما عرب لحماً ودماً وموقعاً جغرافياً وتاريخاً حضارياً، وإما مسلمون من جنسيات مختلفة، ولغات مختلفة، وبلدان متباعدة أو متقاربة، ولكن الاسلام صهر الجميع في بوتقة واحدة هي الانتماء للأمة الاسلامية ذات المبدأ الواحد، والنظام الواحد، والخلق الواحد، والتاريخ الواحد، والآلام والآمال الواحدة، يلتقون جميعاً على مائدة الاسلام العظيم الذي ضم بجناحيه جميع المسلمين في المشارق والمغارب، وحملهم جميعاً أمانة تبليغ الدعوة إلى الله في جميع الأزمان والأمكنة. وآخى بينهم برابطة الأخوة الإيمانية، كما في قول الله تعالى: (إنما المؤمنون إخوة، فأصلحوا بين أخويكم، واتقوا الله لعلكم ترحمون).
وكان المسلم، في صدر الاسلام، لا يعتز بغير انتمائه للاسلام، فيقول قائلهم:
أبى الاسلام لا أب لي سواه إذا فافتخروا بقيس أو معد
وجعل الله، تعالى، لهذه الأمة ما دامت متمسكة بدينها، ملتزمة بشريعة ربها عزة خالدة، ونصراً مبيناً، فقال الله تعالى: (ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين، ولكن المنافقين لا يعلمون).
3 ـ وحدة النصوص التشريعية: الوحدة التشريعية من أهم ركائز الوحدة بين المجتمعات أو الجماعات والأمم والشعوب، وقد توافرت للأمة الاسلامية وحدة التشريع، بما حفظه الله لها في مصدريها الأصليين، وهما القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة، لذا أمر الله تعالى باتباعهما، تحقيقاً لخير الأمة، في آيات كثيرة، مثل قول الله سبحانه: (يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول) (أطيعوا الله ورسوله ولا تولوا عنه وأنتم تسمعون). وذلك لأن النص هو المرجع الأول للمجتهدين جميعاً، وعليه مدار استنباط الأحكام الشرعية، فإذا صح ثبوته وصرحت دلالته، وسلم من المعارض، كان عليه الاعتماد في الحكم بالاتفاق.
وإن من أهم ما يبرز الشخصية الاسلامية في العالم الاسلامي، أن قاعدة التعامل بين أفراد الأمة واحدة ثابتة واضحة تتمثل في نظام العقود المدنية والشخصية والاقتصادية والاجتماعية، وفي نظام العقوبات، فأنى اتجه المسلم في أرض الاسلام، يجد احترام عقود المعاملات على أساس من التراضي، والبعد عن التدليس والغش، والاحتكار في أصل النظام، والامتناع عن الربا والغرر (بيوع الأشياء الاحتمالية) وإخلاء العقد من الجهالة والعجز عن التسليم، وانعدام المعدوم، في ما عدا المستثنيات كعقود السلم والاستصناع، وعقود الاستثمار المشروع من مضاربة وشركات، وعقود استغلال الأراضي بطريقة المزارعة والمساقاة والمغارسة، وحماية مصالح الدائنين بالتوثيقات الثلاثة: وهي الشهادة، والكفالة، والرهن، ومنع التعسف في استعمال الحق، وتجنب الضرر والضرار، والأذى في علاقات الجوار.
وتطبيق قواعد الاسلام الكبرى، في نظام الحكم، من مراعاة العدالة في القضاء والحقوق والواجبات، وتحقيق المساواة أمام الشريعة، والتزام قاعدة الشورى في الحكم ومختلف الأنشطة.
4 ـ وحدة العمل ضد عدو مشترك واحد: وهذا من أولى الواجبات في خط المسيرة الاسلامية الظافرة. والمعلوم أن أعداء العالم الاسلامي صنفوه في مواجهة العالم الغربي، أو الصليبي ـ الصهيوني. وإذا كنا، في هذا التصنيف، لا خيار لنا، وإنما زج بنا في حمأة الكراهية والتعصب، وفي دوامة الحقد الصليبي ـ الصهيوني، فعلينا، في قاموس أبسط الأشياء والبدهيات، أن نستعد لهذه المواجهة بمختلف الوسائل وبذل كل الطاقات والإمكانات لصد الخطر، والانتصار على البغي والظلم والعدوان.
والسبيل المتعين، أمام الأمة الاسلامية، هو شيء واحد نفتقده جميعاً ألا وهو وحدة العمل، ووحدة التخطيط، وصلابة القوة والإرادة، وعزيمة الأشداء، وجهاد الأقوياء الشرفاء، من غير خيانة أو طعن من الخلف، أو هرولة لإرضاء العدو، أو مبادرة فردية للتنصل من مقتضيات العمل الواحد.
وليكن التزامنا أول ما نتصور بالبعد عن الخيانة، قال الله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تخوفوا الله والرسول، وتخونوا أماناتكم وأنتم تعلمون).
وإن من الواجب أن يبدأ المسلمون، في عالمهم، بالعمل على وحدة اقتصادية أو سوق مشتركة، والتعاون، في جميع الأصعدة السياسية والدفاعية والداخلية والخارجية، على إقامة وحدة أو اتحاد اسلامي، قد يسمى بهذا الاسم أو بغيره من الأسماء، مع تقدير الظروف الدولية، والبدء بالأولويات الضرورية، ثم (الحاجية)، ثم التحسينية، وهذا هو نظام مقاصد الشريعة المطهرة.
5 ـ وحدة المصادر الاجتهادية: إن مصادر الاجتهاد، واستنباط الأحكام التي يجب على كل مسلم احترامها وتنفيذها، إما نصية أو اجتهادية في ما لا نص فيه.
أما النصوص الشرعية فواضحة كل الوضوح في بيان ما يجب وما يمتنع، وما يجوز وما لا يجوز، لأن الحلال بين والحرام بين، ولسنا نعجز مهما كنا بعيدين عن أصالتنا وتشريعنا عن معرفة ما هو متفق مع شرع الله ودينه، وما يخالفه ويعارضه، أو يتصادم معه.
وعلى كل حال، فإن نقاط الالتقاء والتفاهم بين المذاهب الاسلامية كثيرة، ونقاط الخلاف والتباعد قليلة محدودة، كما سبق إيضاحه، وكما يتبين مما يأتي:
اتفق المسلمون جميعاً، من مختلف المذاهب والفرق، على حجية القرآن والسنة، فهما مصدرا التشريع الأساسيان، ولا يستطيع مسلم إنكار حكم صريح ثابت فيهما، وإن اختلف المسلمون في بعض المقصود من البيان الشرعي، أو طريق وصول السنة النبوية إلينا، أو تحديد المراد بالسنة، والعبرة بالنتائج فلا نجد خلافاً كبيراً في الأحكام الشرعية المستمدة من هذين المصدرين، فإن وجد اختلاف، فهو في بعض الفروع والجزئيات، لا في الجوهر أو المضمون، ولا في الغاية والمقصود، ولا في حكمة التشريع.
أما القرآن الكريم فلا خلاف إطلاقاً بين أهل السنة والشيعة على المسائل القطيعة فيه، المعلومة من الدين بالضرورة، أي البداهة، مثل الشهادتين، والشرك بالله، وفرض الصلوات الخمس، والزكاة، والحج، وصوم رمضان، وتحريم الزنا، والقتل، والسرقة، وشرب الخمر، وتحريم الربا والغيبة والنميمة، وإساءة الظن، والغش، وأكل أموال الناس بالباطل، وشهادة الزور، والضرر، وتطفيف الكيل والميزان، واحترام الوصايا العشر المذكورة في آيات سورة الأنعام الثلاث وهي: (قل: تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئاً، وبالوالدين إحساناً، ولا تقتلوا أولادكم من ملاق نحن نرزقكم وإياهم، ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن، ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق، ذلك وصاكم به لعلكم تعقلون. ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده، وأوفوا الكيل والميزان بالقسط، لا نكلف نفساً إلا وسعها، وإذا قلتم فاعدلوا، ولو كان ذا قربى، وبعهد الله أوفوا، ذلكم وصاكم ب لعلكم تذكرون. وأن هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه، ولا تتبعوا السبل، فتفرق بكم عن سبيله، ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون).
وإيجاب الكفارات مثل كفارة القتل، وكفارة الظهار، وكفارة اليمين، وفرض عقوبات الحدود، مثل حد الزنا السرقة والحرابة، والقذف، وتشريع الزواج وإباحة الطلاق وتعدد الزوجات، ورجعة المرأة المطلقة طلاقاً رجعياً، ونفقة الزوجة، والميراث، وتحريم الميتة والدم ولحم الخنزير وغيرها.
وإحلال الطيبات والصيد، وتحريم الخبائث، وحل الزواج بالكتابية، ووجوب أداء الشهادة وتحريم كتمانها، وإشهاد ذوي عدل، وإباحة البيع والشركة والإجارة والصلح ونحوها من عقد المعاملات، وإيجاب فرائض الوضوء، والغسل من الجنابة والحيض، والترخيص للمسافر والمريض بالإقطار في نهار رمضان وإيجاب القضاء في أيام أخر، والتيسير على الشيخ الكبير بأداء الفدية، وإباحة التيمم لفاقد والعاجز عن استعماله والمريض، ونحو ذلك كأنواع العدد: (عدة الطلاق وعدة الوفاة وعدة الحامل).
كل هذا مما ورد به النص صراحة، فلا خلاف فيه بين المذاهب الاسلامية. أما ما ورد به النص الظني الدلالة في القرآن فهو كل اجتهاد، مثل تفسير القرء بحيض أو طهر في العدة، ومقدار النفقة الزوجية، ومقدار الكفارة بالطعام، وإيجاب الإيمان في عتق الرقبة في كفارة الظهار واليمين ونحو ذلك، فالخلاف فيه هين يسير، ولا مانع في مجال الاجتهاد في الظنيات من وقوع الخلاف، وهو مسموح به شرعاً، ومرفوع فيه الحرج، بل يثاب كل مجتهد، سواء خطأ أم أصاب في اتجاه أكثر العلماء، ولا إثم على مقلد أي مجتهد، لأن الحق أو اليقين لا يعرف بعد انقطاع الوحي وانتهاء النبوات. ولا يصح أن يكون مجال الاجتهاد المعفو عنه سبباً للتفرقة وإساءة الظن، والمبادرة بالتكفير أو التفسيق لمن أخطأ، فذلك إثم وبهتان وزور.
وأما السنة النبوية: فهي واجبة الاتباع بالإجماع كالقرآن الكريم في استنباط الأحكام الشرعية، لكن دلالتها على الأحكام منها القطعي وهو ما دلت عليه الأحاديث المتواترة: وهي ما رواها عن النبي (ص)، في العصور الثلاثة الأولى، جمع يمتنع في العادة تواطؤهم على الكذب، مثل السنة العملية المروية عنه (ص) في الوضوء والصلاة والصوم والحج والزكاة والأذان والإقامة ونحوها من شعائر الدين، ومثل الأحاديث المتواترة، كحديث: ((من كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار)) وحديث: ((ويل للأعقاب من النار)) وعدد هذه الأحاديث (309 أحاديث).
وبعض الأحاديث دلالتها ظنية وإن كانت متواترة، كما أن الحكم في الأحاديث المروية بطريق الآحاد مظنون، وسنة الآحاد: هي ما رواها عن الرسول (ص) أحاد، كواحد أو إثنين أو جمع لم يبلغ حد التواتر. وأكثر الأحاديث آحاد، وتسمى خبر الواحد. ويرى الشيعة أن كل ما رواه آل البيت حجة في التشريع، وسنة. وقد يقع الخلاف في الأحكام المستفادة من السنة، وليس في ذلك ضرر، ويعذر العلماء في ما اختلفوا فيه، و أغلب تلك الأحكام متفق عليه بين المذاهب، مثل السنة العملية والقولية لبيان كيفية العبادات وضوابط المعاملات، وتخصيص عام القرآن بها كتخصيص آية: (وأحل لكم ما وراء ذلك) بحديث: ((لا تنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها، ولا على ابنة أخيها، ولا على ابنة أختها)). ومثل تقييد مطلق موضع قطع يد السارق من الرسغ عند أهل السنة، والأصابع فقط عند الإمامية. وقد تنسخ السنة آية، كحديث: ((لا وصية لوارث)) فإنه نسخ آية الوصية للوارث، وهي: (كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيراً الوصية للوالدين والأقربين). ولم ير الإمام الشافعي هذا النسخ، وإنما الناسخ آيات المواريث.
وأجاز الإمامية الوصية للوارث ولو بغير إجازة الورثة. وقد تستقل السنة ببيان حكم جديد سكت عنه القرآن، مثل أخبار رجم الزاني المحصن، والحكم بشاهد ويمين، وتحريم لبس الذهب والحرير على الرجال، وصدقة الفطر، وإيجاب الدية على العاقلة (عصبة القاتل) وتحريم لحوم الحمر الأهلية، وفكاك الأسير ونحو ذلك.
كل هذه نقاط اتفاق مضيئة بين العلماء، وأما الخلاف فيقع في جزئيات أخرى من الأحكام الشرعية بين المذاهب، ولا عيب في ذلكن وإن كان مع الأسف يعتني طلاب العلم بالفروع ويتركون نقاط الاتفاق، فيتصورون الخلاف قبل الوفاق، وتبتعد عن أذهانهم نواحي الالتقاء بين المذاهب، وتحشى الأفكار والعقول والذاكرة بالخلافات، وتنسى مواطن الاتفاق.
وأما مصادر الاجتهاد في ما لا نص فيه: فتنحصر عند الإمامية بالعقل أي بدلالته القطعية، وتتفرع عند أهل السنة إلى مصادر كثيرة بأسماء متعددة، وهي الإجماع والقياس والاستحسان والمصالح المرسلة، والعرف، والاستصحاب، وشرع من قبلنا، وسد الذرائع، ومذهب الصحابي، ونحو ذلك كالعمل بالأقل، وإجماع أهل المدينة، وإجماع آل البيت.
وهذه المصادر في الواقع ليست أدلة مستقلة، كما حقق علماء السنة، وإنما هي قواعد كلية، وهذا متفق عليه. وحكم العقل المقابل للكتاب والسنة بوصفه دليلاً مستقلاً عنهما على أنه مدرك لا حاكم، مقبول عند الشيعة الإمامية والزيدية.
واتفقت المذاهب الاسلامية على الأخذ بحكم العقل إذا كان بناء على ما جاء به الشرع من عموميات، ولم يرد نص بالتحليل أو بالتحريم، فإذا كان في شيء مصلحة، ولم يرد نهي عنه، وكان خالياً من الفساد، فهو بحكم العقل مباح، وعكس ذلك إذا كان في شيء مضرة كتعاطي المخدرات، ولم يرد نص بتحريمه، كان بحكم العقل حراماً، لأن الله لا يرضى لعباده الضرر، ولا يريد الفساد.
فمن الإفراط: أن يقول أتباع المذهب: مذهبنا صواب يحتمل الخطأ، ومذهب غيرنا خطأ يحتمل الصواب. والواجب القول: إن كل المذاهب تحتمل الخطأ، والحق فيها أو الصواب غير متعين، وتلك العبارة المتداولة منشؤها التعصب المذهبي، والتعصب داء يؤدي إلى النزاع والشقاق والفرقة، وعلى المسلم أن يحرص على لم الشمل ورأب الصدع، والتسامي فوق الخلافات.
ومن التفريط: ما يشيع بين الجهلة والعوام من ضرورة توحيد المذاهب، والتخلص منها، واعتبار الخلاف العلمي من الخلاف في الدين والتفرق إلى شيع ومذاهب، الذي ذمه الله تعالى.
وهذا ينافي المنطق، فإن رجال القانون وأهل الحكمة والفلسفة كثيراً ما يختلفون، وتتعدد آراؤهم ونظرياتهم، ولم يعب أحد ذلك عليهم، فإن الاختلاف في مجال الفكر دليل الحرية والنضج والخصوبة، وليس أمراً معيباً أو مذموماً، وقد اختلف الصحابة الكرام والتابعون لهم بإحسان في كثير من أحكام الفروع، وإنما العيب في الاختلاف في الأصول وفي قضايا الأمة الكبرى، ورسم سياستها، وتحدي موقفها من أعدائها، أما الخلاف الداخلي فلا يضر، لأن الشأن في العلماء الإخلاص والتقوى.
الخلاصة:
إن نقاط الاتفاق بين المذاهب كثيرة، وهي الأصل العام في الشريعة الاسلامية، ونقاط الاختلاف محدودة، وهي تبع للأصل.
ليس الخلاف عيباً في مجال الفكر والاجتهاد، وإنما هو ظاهرة صحية طيبة تدل على إعطاء العقل أفقاً رحباً، وحرية كاملة.
الخلافات المذهبية، بين المذاهب الاسلامية، ليست خلافات في الجوهر والأصول: وإنما هي خلافات في الجزئيات والفروع.
فليس الخلاف بين أهل السنة والشيعة والإباضية، وفي نطاق كل مذهب من المذاهب الأربعة، أو بين الجعفرية والزيدية، ليس هذا كالخلاف بين طوائف المسيحية مثلاً، كن كاثوليك وأرثوذكس وبرتستانت، فهذه الطوائف مختلفة في أصل الاعتقاد كالاختلاف في طبيعة السيد المسيح (ع)، أهي بشرية أو ناسوتية أو إلهية؟
|