|
احمد عمرابي
ليس السؤال ما اذا كان الاصلاح الديمقراطي يأتي من الداخل ام من الخارج وانما السؤال هو: هل حقا وابتداء تريد الشعوب العربية الحرية الديمقراطية؟والسؤال ليس بالبدهية والبساطة التي يبدو عليها.انظر مليا في ملامح صورة النظام الاستبدادي ـ طبيعته ومواطن قوته ومرتكزاته السلطوية ـ وستكتشف ان هذا النظام لا يعتمد في بقائه بالدرجة الاولى على القوة العسكرية انه في الحقيقة يعتمد على الشعب المحكوم نفسه او بالاحرى الشريحة الاكبر للشعب.وفقا لنظرية الامن السلطوي فان أي مشروع امني داخلي لحماية نظام استبدادي لن يكتب له النجاح مالم يحظ بتعاون منتظم وثابت من نصف المجتمع على الاقل.
في المجتمع الديمقراطي الحر تعرف النخبة الحاكمة اتجاهات الرأي العام من خلال المؤسسات المنتخبة ـ كالبرلمان ـ ومن خلال التعبير الشعبي الحر في الوسائط الاعلامية ومن خلال التحركات المشروعة للأحزاب والمنظمات مثل هذه الادوات غير متاحة بالطبع لنظام الحكم الاستبدادي لان النخبة الحاكمة طغمة معزولة شعبيا.
ومن هنا يلجأ الحكم الاستبدادي الى البديل ـ وهو خلق مؤسسة امنية تمارس عملها على خطين متوازيين: التجسس اليومي على مدار الساعة على الجماعات والافراد من ناحية وعزل العناصر المشاغبة او يشتبه انها مشاغبة من ناحية اخرى لتأديبها او تصفيتها.
لكن لكي تنجح المؤسسة الامنية في رسالتها فان عليها ان تستقطب نصف المجتمع على الأقل لكي يتعاون معها ضد النصف الآخر.
وعندما ترى نظاما استبدادياً طال عليه الامد وهو باق على السلطة وآمن على بقائه لامد اطول فان فئات الشعب المحكوم تتسابق ضد بعضها البعض في التعاون مع المؤسسة السلطوية الامنية.
وهذا هو الحال الغالب في العالم العربي ولن يتغير هذا الحال الا بعد ان تنشأ حالة تذمر تتوسع دوائرها على مدى سنين بحيث ينتظم اغلبية الشعب رفض التعاون مع السلطة.
ولكن ما الذي يدفع الاغلبية ـ كما هو الحال في البلدان العربية ـ الى التعاون مع الاجهزة الامنية؟ الاجابة ببساطة هي: الخوف او الطمع.
هناك قسم من الناس يتراء لهم انهم اذا تعاونوا مع اجهزة السلطة بوسائل التجسس على الآخرين فانهم بذلك يتقون شر السلطة فلا تشتغل بهم ومثل هؤلاء لا يطلبون لانفسهم وذويهم الاقربين سوى السلامة.
لكن هناك ايضا من يدفعهم هاجس الطموح غير المشروع طلبا لمنصب او مال او مكانة وهؤلاء يكون تعاونهم على مستوى اعلى نوعيا لما يملكون من مواهب وقدرات يستثمرونها لخدمة السلطة الاستبدادية. وهؤلاء هم نخب المثقفين بأصنافهم.
ان الديمقراطية ليست مجرد صناديق اقتراع وحريات عامة وصحافة حرة وقضاء مستقل، هذه هي فقط مظاهر الديمقراطية او ادواتها، فالديمقراطية هي بالدرجة الاولى ثقافة لمنظومة قيم. ولن يحصل أي شعب على الحريات العامة والقضاء النزيه والانتخابات الحرة الا بعد ان تعتنق غالبيته هذه الثقافة عن ايمان راسخ. وعندما يتبلور هذا الايمان على المستوى الشعبي العريض فان من المحتم ان تنبع منه ارادة التغيير.
وعندما نطبق هذا المعيار على العالم العربي المعاصر سنكتشف دون عناء ان الشعوب العربية لا تريد الديمقراطية.
ان القيم التي تشتمل عليها الديمقراطية تتضمن العدالة وتكافؤ الفرص وسيادة القانون ـ لا سيادة الحاكم بينما يتعامل النظام الاستبدادي بمعايير الظلم والفساد وعندما ترى اغلبية الشعب يصفقون للشخصيات الفاسدة المستفيدة بالوسائل غير المشروعة من الطغمة الاستبدادية الحاكمة وينظرون اليهم كرموز من «الشطار» فاعلم ان هذا الشعب زاهد في القيم الديمقراطية.
بالطبع لن يأتي الاصلاح الديمقراطي من الخارج، هذا مستحيل وضد طبائع الاشياء، وداخليا لن يأتي من الطغمة الاستبدادية الحاكمة، ان الاصلاح لا يأتي الا من ارادة شعبية.. لكن هذه الارادة لها شروط.
المصدر :البيان
|