للمشاركة وإبداء الرأي أضغط هنا


ملفات ساخنة

المقالة: | قبل | بعد | | عناوين المقالات | عناوين جميع المقالات
وجه العراق الجديد بعد نقل السلطة
آفاق الوضع العراقي في المرحلة المقبلة

* رياض ابو ملحم
تساءل كثيرون عن المغزى الحقيقي للتصريحات التي ادلى بها وزير الدفاع الأميركي دونالد رامسفيلد قبل أيام قليلة واستحضر فيها ذكريات حرب فيتنام وتفاصيل ذاك اليوم الطويل من عام 1968 حين شن مقاتلو «الفيتكونغ» هجومهم الشامل على مدينة «سايغون» العاصمة السابقة لما كان يعرف بـ «كوريا الجنوبية، وتمكنوا من بلوغ سطح السفارة الاميركية وزرع علمهم الخاص فوقه.
بيد ان التصريحات وجدت تفسيرها الواضح لاحقا في اسلوب تنفيذ قرار تسليم السلطة الى العراقيين قبل يومين من الموعد المحدد له في الثلاثين من يونيو، وبطريقة شبه سرية اختصرت شكليات «التسلم والتسليم» الى ادنى حد ممكن. فالادارة الأميركية كانت تخشى، كما يبدو، ان تكون الهجمات الواسعة التي شنها مقاتلون عراقيون في عدة مدن رئيسية الأسبوع الماضي، وفي وقت متزامن تقريبا، عبارة عن «تجربة عملية» لهجوم شامل قد يشنونه في الثلاثين من يونيو (على غرار هجوم قوات الفيتكونغ في فيتنام) لافساد اجراءات نقل السلطة وتحويل التركيز الاعلامي المنتظر عن الحدث نفسه الى مضاعفاته الامنية المر??بة.
لعل الشيء نفسه ينطبق على سلوك حاكم العراق (السابق) بول بريمر الذي رحل فجأة من دون اجراء «الوداع المناسب» له ليترك البلد في عهدة 138 ألف جندي أميركي يساندهم نحو 20 ألفاً آخرين من بريطانيا وعدة دول حليفة اخرى، تطلق عليهم الآن تسمية «القوات متعددة الجنسيات».
وهذه التطورات الدراماتيكية عكست بوضوح حدة المشكلة الامنية وخطورتها في العراق، كما اثارت مخاوف متزايدة في شأن طبيعة المرحلة التي ستعقب عملية الفصل بين ما هو عراقي وما هو اميركي (نظريا على الاقل) في ظل التداخل الامني المستمر بين الطرفين، ومع وجود هذا العدد الضخم من القوات الاجنبية، بينما لا تتوفر للعراقيين سوى قوات شرطة ذات تسلح خفيف، في حين لا يقل استهدافها من قبل المهاجمين عن القوات الاميركية.
وهذا الوضع المعقد لا يطرح مشكلة الأمن فقط: امن المواطنين، وأمن المؤسسات العامة، وأمن الحدود.. الخ، وانما يطرح ايضا مسألة السيادة التي ستظل، والى امد غير معروف، على قدر كبير من الغموض والالتباس. فثمة رابط قوي بين الامن والسيادة لاسيما في حالة العراق الراهنة تحديداً. ذلك انه من غير المنطقي الحديث عن سيادة مكتملة في ظل هذا التواجد العسكري الاجنبي الكثيف، ومع غياب جيش عراقي قوي يتمتع بكل ما تتمتع به جيوش الدول المستقلة ذات السيادة، من مقومات.
قبل ايام قليلة ادلى نائب قائد القوات الاميركية في العراق توماس ميتز بتصريح تعهد فيه بمواصلة حماية رئيس الحكومة العراقية ورئيس الدولة والوزراء بعد تسليم السلطة الى العراقيين. وأوضح ان «البند الاول على قائمة الاولويات هو الحفاظ على حياة هذه الحكومة» وأضاف موضحاً: «سنبدأ على الارجح برئيس الوزراء ثم رئيس الدولة ونائبي الرئيس، ثم بدرجة اقل الوزراء والنواب».
وأعرب ميتز عن امله بأن يتم في النهاية «تسليم تلك المسئولية الى قوة عراقية، او الى مشتركة خاصة متعاقدة».
هذا الكلام ماذا يعني من الناحية العملية؟
فيما يتعلق بالجانب الامني تكشف تصريحات الجنرال الاميركي عن ان مهمات القوات الاميركية لن تقتصر بعد نقل السلطة، على دعم اجهزة الامن العراقية، كما هو معلن، بل تشمل حماية الحكومة العراقية نفسها، ابتداء من رئيسها ورئيس الدولة الى وزرائها وكبار ا لمسئولين فيها، وهو ما سيجعها بالضرورة أسيرة الاجراءات الامنية التي تقررها اجهزة الحماية الاميركية.
وفضلا عن الجانب المعنوي الذي ينطوي عليه هذه العملية، سواء فيما يتصل بمعنويات المسئولين العراقيين المشمولين بالحماية الاميركية، او بمعنويات المواطنين العراقيين الذين يبحثون عن الامان والاستقرار، فإن الحديث عن السيادة الوطنية حيال ذلك لا يبدو امراً مضحكاً فحسب، بل لا معنى له. ومن هنا ضرورة التمييز بين نقل السلطة، واستعادة السيادة، مع التأكيد على ان شروط الاثنتين غير مكتملة، لا بل هي غير متوفرة موضوعيا، حتى الآن.
الى ذلك فإن الجنرال الاميركي المذكور يطرح احتمال التعاقد مع شركة خاصة لتولي شئون حماية كبار المسئولين العراقيين. وحتى من دون ان يذكر الضابط الاميركي هوية هذه الشركة، فمن الطبيعي الاستنتاج بداهة، انها لابد ان تكون اميركية، او ربما اسرائيلية، بحكم الخبرة وقوة التعاون القائم بين الاجهزة الامنية الاميركية والاسرائيلية، من جهة وفيما يتعلق بالوجود الاسرائيلي الاستخباراتي الكثيف في العراق، على ما تذكر المعلومات الرائجة، من جهة اخرى.
وعلى ذلك فإن تخصيص الامن هو الخيار الاميركي الآخر المطروح على الحكومة العراقية، اذا كانت الحماية الاميركية الرسمية تثير حساسية لدى العراقيين. وبمعنى آخر فإن الحماية الوطنية ليست بين للخيارات المطروحة، في الوقت الحاضر على الاقل.
السيادة... وشكوك العراقيين
ازاء هذه الصورة المشوشة يرى المحللون ان شكوك العراقيين بالنسبة لمسألة استعادة السيادة، تبدو منطقية ومبررة تماماً. ومن العوامل الرئيسية التي تساعد على تولد هذه الشكوك:
1) بقاء مفتاح المشكلة الامنية في يد القوات الاميركية الى امد غير منظور. فالرئيس الاميركي جورج بوش يردد دائما ان القوات الاميركية ستظل في العراق طالما وجدت ذلك ضروريا. و«الضرورة» في مثل هذه الحالة تحددها الادارة الاميركية في احداث تغييرات جذرية في الدول المجاورة للعراق وهو ما تؤكده باستمرار.
2) وجود عدد غير معروف من الشركات الاميركية التي تنشط في العراق على نطاق واسع. ويرتبط وجود هذه الشركات بمسألة انفاق مليارات الدولارات التي خصصتها الادارة الاميركية لتغطية عملياتها العسكرية. اي ان الوجود العسكري الاميركي وانفاق هذه المليارات يبدوان متلازمين تماماً بحسب الخطط الاميركية. ومن الطبيعي القول ان العراق يحتاج الى اية اموال في اطار عملية اعادة الاعمار التي تراهن عليها اطراف عديدة. وهذه المسألة التي تولد بطبيعتها اغراءات مادية شديدة، لا يبدو ان الرئيس بوش والمجموعة المحيطة به بعيدون عن خلق الاجواء المساعدة على ازدهارها.
3) سيكون للولايات المتحدة ابتداء من الآن سفارة تضم عدة آلاف من الموظفين بحسب الاعلانات الصادرة عن واشنطن وليس من المبالغة الافتراض بأن نفوذ هذه السفارة ـ لاعتبارات كثيرة، من بينها بقاء 138 ألف جندي في العراق موزعين على مجموعة من القواعد العسكرية الرئيسية، بالاضافة الى وجود عشرات المستشارين الاميركيين في الوزارات والمؤسسات العراقية الرسمية ـ لن يقل عن نفوذ الحكومة العراقية نفسها. لاسيما وان هذه السفارة ستتولى الاشراف على انفاق مليارات الدولارات المخصص جزء منها للمساهمة في اعادة الاعمار، كما يقال.
4) ذكرت المعلومات ان بول بريمر حاكم العراق (السابق) وقع قبل رحيله العديد من القرارات والاجراءات التي تلزم الحكومة العراقية لاحقا، منها تعيين العديد من الاشخاص الذين تثق بهم الولايات المتحدة ويمكن ان يشكلوا طابورا خامساً في المستقبل. وستظهر نتائج هذه الاجراءات فيما بعد.
5) لم يتوقف حديث المسئولين الاميركيين حتى الآن عن احتمال ارسال مزيد من القوات الاميركية الى العراق، بالتزامن مع تسليم السلطة الى العراقيين. وهذا التوجه المستمر بالنسبة لتعزيز القوات الاميركية في العراق يكشف عن مواصلة ادارة بوش رهانها الاستراتيجي المتمثل باحداث تغييرات جذرية في المنطقة من خلال اعطاء دور اكبر للوجود العسكري في المنطقة كلها. ويحدث ذلك برغم ازدياد التخبط الاميركي في المستنقع العراقي، كما يؤكد معظم المحللين في الولايات المتحدة وخارجها.
سياسة توريط دول الأطلسي
وبدلا من ان تعيد الادارة الأميركية النظر بالسياسات التي أدت بها الى المأزق الراهن، تراها تحاول توريط أطراف أخرى في المشكلة العراقية. ويرى المحللون ان سعي واشنطن لاشراك حلف شمال الاطلسي في الملف الامني العراقي جزء من محاولة التوريط هذه، بعدما عارضت عدة دول رئيسية في الحلف، لاسيما فرنسا وألمانيا وبلجيكا واسبانيا، أي دور للمنظمة الاطلسية في العراق.
من المفهوم ان الادارة الاميركية تسعى لاستثمار المشاركة الاطلسية المبتغاة في معركة تجديد ولاية الرئيس جورج بوش في نوفمبر المقبل، على اعتبار ان هذه المشاركة تخفف عن الولايات المتحدة عسكريا، من جهة، كما تظهر وكأنها نوع من التضامن الاوروبي (الأطلسي) معها، من جهة أخرى. وهذا الامر ظل موضع اخذ ورد بين الولايات المتحدة والاتحاد الاوروبي على مدى الاشهر الماضية. ولكن نظرا للتباين العميق بين موقفي الطرفين فقد تعذر حسم الموضوع في صورة واضحة ونهائية.
ومن الواضح ان القرار الذي توصلت اليه قمة اسطنبول الاطلسية الاخيرة، وقبلها القمة الاميركية ـ الاوروبية في ايرلندا، جاءت انعكاسا لهذا التباين المستمر. فقد وافقت القمتان على ان يستجيب الحلف الاطلسي لمطلب الحكومة العراقية بتولي تدريب القوات العراقية، ولكن بشرط ان تتم عمليات التدريب خارج العراق، وان تجري الاتفاقات في شأنها بطريقة ثنائية بين الحكومة العراقية وكل دولة على حدة. أي من دون ان يرافق ذلك ارسال قوات اطلسية الى العراق، سواء على شكل خبراء تدريب أو على شكل قوات حماية.
وفي الوقت نفسه، فقد انعكس التباين الاميركي ـ الاوروبي في شأن العراق على المسائل الاخرى التي نوقشت في قمة اسطنبول، لا سيما مشروع الشرق الاوسط الكبير الذي مازالت ادارة بوش تركز عليه برغم الصيغة التي تم التوصل اليها في شأنه خلال قمة الدول الثماني الغنية في جزيرة «سي ايلاند» الاميركية. اذ كرر القادة الاوروبيون موقفهم القائم على أساس عدم فرض اصلاحات من الخارج على دول المنطقة.
ويرى المراقبون ان ثمة صعوبات متزايدة تواجه تفاقم الادارة الاميركية والاتحاد الاوروبي على قواسم مشتركة تجمع بينهما. وذلك، في ضوء اصرار ادارة بوش على فرض مواقفها ومخططاتها المتعلقة بمختلف الشئون العالمية. واذا كان التباين بين الطرفين حول تسوية النزاع العربي ـ الاسرائيلي، ثم حول الملف العراقي، يعتبر علامة بارزة في هذا المجال، فان رد فعل الرئيس الفرنسي جاك شيراك العنيف على تدخل الرئيس بوش في ملف انضمام تركيا الى الاتحاد الاوروبي، بدا دليلا جديدا على التناقض القائم بين جانبي الاطلسي، وبسبب السياسات الحمقاء للمحافظين الجدد تحديدا. لقد أعلن الرئيس الفرنسي في اسطنبول بصراحة «اننا أصدقاء وحلفاء، لكننا لسنا خدما للولايات المتحدة».
ما بعد تسليم السلطة
والآن، كيف يبدو الحال بعد تسليم السلطة الى العراقيين، على النحو الذي حدث؟
من الواضح ان ابرز المشكلات التي تواجه الوضع الجديد في العراق تتمثل خصوصا في الانهيار الامني وفي تفاقم المشاكل القائمة مع بعض دول الجوار، لا سيما مع ايران وسوريا. ولا يخفى ان المخاوف التي تثيرها سياسات الادارة الاميركية تجاه طهران ودمشق، هي المسبب الرئيسي لهذا التوتر المتزايد. إذ ان ادارة بوش مازالت ترى في كلتا الدولتين مصدرا لما تسميه «الارهاب»، بحسب تصريحات وزير الدفاع الاميركي دونالد رامسفيلد.
بينما تدعم هي بقوة الاعمال العدوانية التي ترتكبها اسرائيل ضد الشعب الفلسطيني، من دون ان ترى في ذلك أي تناقض. وفي حين يتهم رامسفيلد النظام الايراني بأنه «يتسبب بالاذى في افغانستان ويعمل بنشاط مع حزب الله وسوريا لنقل الارهاب الى اسرائيل عبر لبنان»، هدد البيت الابيض بالسعي «لاحالة ملف ايران النووي الى مجلس الامن لفرض عقوبات عليها»، وذلك في ضوء قرارها المعلن باستئناف نشاطها المتعلق بتخصيب اليورانيوم.
ويعتقد بعض المحللين ان توتير العلاقات مع كل من ايران وسوريا يخدم سياسة المحافظين الجدد في البيت الابيض بخلق ذرائع لبقاء القوات الاميركية في العراق لأطول وقت ممكن. باعتبار ان ذلك يحقق المصالح الاميركية والاسرائيلية في المنطقة ويشكل ضغطا مستمرا على دول وحكومات المنطقة. كما ان الحملات التي تشنها الادارة الاميركية على كل من سوريا ولبنان ومنظمات المقاومة الفلسطينية تحت شعار «مكافحة الارهاب»، إنما توظف لاستثارة مشاعر الاميركيين ودفعهم لاعادة انتخاب الرئيس جورج بوش.
ويرى المحللون ان ادارة بوش قد تحقق مكاسب انتخابية عبر هذه التكتيكات، لكن ذلك سيكون بالتأكيد على حساب العراق والشعب العراقي والمنطقة بأسرها، كما هو حال الدعم الاميركي لاسرائيل الذي يجري على حساب الشعب الفلسطيني والشعوب العربية، وعلى حساب سلام واستقرار منطقة الشرق الأوسط برمتها.
* البيان

المقالة: | قبل | بعد | | عناوين المقالات | عناوين جميع المقالات

 © حقوق الطبع محفوظة للبلاغ
Copyright © 2000 alblagh ORG. All rights reserved. info@balagh.com