|
* يفجيني بريماكوف
وهكذا أعيدت السيادة إلى العراق. لكن عدم اجراء المراسم الرسمية لنقل السلطة إلى الحكومة العراقية المؤقتة، في الوقت المعلن سلفا ـ 30 يونيو ( حزيران ) ـ يعني الكثير. لقد قامت سلطات الاحتلال بتقديم الاحداث لمدة يومين لخشيتها من قيام مقاتلين بعمليات مكرسة للثلاثين من يونيو.
كنت قد كتبت مسبقا، ان سيادة السلطة العراقية لا يمكن ان تكون كاملة ـ فهناك 150 الف جندي اجنبي على الاراضي العراقية، يتمتعون بحرية الحركة، نسبيا. وكذلك سفارة ضخمة للولايات المتحدة جرى افتتاحها بمثل هذا الكم الهائل من الموظفين، وعلى ما يبدو ليس فقط من اجل متابعة الاحداث بل والإشراف عليها وضبطها. ومع ذلك فإنني اعتقد ان مثل هذه المرحلة الاولية لنقل السلطة، تبقى مسألة ضرورية، وهي مسألة طبيعية بعد كل ما حدث.
غير ان ذلك ليس امرا مطابقا للاستنتاج القائل إن ثمة توجه نحو الاستقرار في العراق، تتبدى ملامحه في المرحلة الحالية. فجوهر ما يحدث يكمن في ضرورة اقرار التعاون بين عدد من ممثلي الولايات المتحدة الذين ابعدوا قليلا، والإدارة المحلية التي تتزايد سطوتها بعض الشيء. غير ان تغيير اللافتات لا يمكن وحده ان يسفر عن تحقيق الاستقرار في البلاد.
وانه لأمر يثير المخاوف، ان تعجز الادارة الأميركية حتى اليوم، عن تقرير المهمة الرئيسية حسب اعتقادي في العراق، وتتمثل في الفصل بين المعارضة البناءة وبين العناصر الارهابية. لقد كانت الفرصة سانحة لذلك بلا شك. وكان من الممكن التوصل إلى هذا الفصل المطلوب، لو لم تلتزم الولايات المتحدة في العراق بمبدأ «من ليس معنا فهو ضدنا». وكان الرئيس بوش اول من طرح مثل هذا المبدأ قبيل بدء العمليات العسكرية في العراق. ولم يعد ذلك على الولايات المتحدة بأي فائدة، بل على العكس من ذلك، فقد زاد من عزلتها، نظرا لأن الدول التي لم تكن ضد الولايات المتحدة، لم تكن كلها ترغب في ان تكون معها عند القيام بالعمليات العسكرية ضد العراق، بعيدا عن منظمة الامم المتحدة. والآن يجري تطبيق مبدأ «من ليس معنا فهو ضدنا»، من جانب الولايات المتحدة، تجاه ما يجري من احداث داخلية في العراق المحتل، على نحو ليس اقل نجاحا.
ولعله من المستحيل التوصل إلى فصل هذه القوى عن الجماعات الارهابية التي لا يربطها أي شيء مع هذه المصالح، بدون استمالة قوى المعارضة البناءة إلى هذه القيادة، التي من مصلحتها اقرار السيادة الحقيقية في العراق.
كانت الولايات المتحدة قد اعلنتها «جزءا من الحرب ضد الارهاب» حين بدأت عمليتها في العراق. وتشهد الاحداث على ان الاحتلال اسفر، في واقع الآمر، عن تدعيم الارهاب الدولي الذي يسعى، وبقدر من النجاح، إلى الحصول على اراض اخرى كنقطة ارتكاز لنشاطه التخريبي. وليس سرا أن «القاعدة» وغيرها من المنظمات، قامت بتوسيع نشاطها في العراق. وتزيد من نشاطها هناك مجموعة «التوحيد والجهاد» بزعامة الزرقاوي، إلى جانب منظمات اخرى مثل «كتائب الجهاد الاسلامي». وتقول المصادر الأميركية، ان هناك بين صفوف هذه المجموعة وحدات كاملة من الاجانب مثل «اللواء الاخضر». وحسب مصادر ايطالية، فقد وصل مقاتلون من الشيشان ايضا إلى العراق.
وتميل المجموعات الارهابية التي تشكلت في العراق، إلى اقامة علاقات مع «القاعدة»، بل ويتشكل بعضها بمساعدة ممثليها. وتشير كل الشواهد إلى انه، ومع مرور الوقت، يمكن ان يتشكل مركز تنظيمي شكلي لتوحيد كل المجموعات ذات الطابع التخريبي في العراق.
ويعني مثل هذا التسلط من جانب المجموعات الارهابية في طياته، خطرا كبيرا، ليس فقط على العراق، فمخالب الارهابيين تمتد إلى السعودية، بل وثمة من يقول ان مصر قد تكون واحدة من اهدافها.
فهل يمكن ترك الامور على عواهنها؟ هل المطلوب دائما تعديل خط ممثلي الادارة الأميركية في العراق؟
اعتقد ان فكرة عقد مؤتمر دولي حول العراق بمشاركة مختلف القوى العراقية البناءة والدول المجاورة للعراق وكذلك الدول الدائمة العضوية في مجلس الأمن، لم تفقد رونقها بعد. ومن المعروف ان روسيا اقترحت عقد مثل هذا المؤتمر قبل تشكيل الحكومة المؤقتة. وللأسف لم يلق الاقتراح قبولا. لكن الوقت لم يمض بعد.
* الشرق الاوسط
|