|
* حازم محمد
للمرة الأولى منذ عقود طويلة تتجاوز الدولة المصرية في تحديد صورة التشكيلة الحكومية الجديدة المفهوم التقليدي القائم على "النظر تحت الأقدام" للتعامل مع المشاكل, الى التعاطي مع إشكاليات المجتمع عبر نظرة شاملة استراتيجية.
فاختيار الدكتور أحمد نظيف رئيساً لمجلس الوزراء جاء على خلفية اهتماماته التكنولوجية وصلته بالمجتمع المعرفي الجديد الذي ساهم في تحقيق طفرة مذهلة للدول المتقدمة وهو ما يؤشر الى رؤية جديدة تعتقد فيها الدولة المصرية وتسعى إلى الاستفادة منها.
فعلى مدار عقود طويلة تعاطت الدولة المصرية مع مشاكل معقدة منها التنمية والبطالة وتوفير الحاجات المجتمعية مثل الإسكان والخدمات, عبر وزراء تقليديين يملكون رؤى أكاديمية نمطية ويفتقدون للرؤية المستقبلية في علاقة تلك الأزمات بالتخلف التكنولوجي في مصر.
من هذه الخلفية تأتي التشكيلة الحكومية الجديدة مناقضة لمسار اختيارات نظيراتها في السابق, ولتؤكد استيعاب الأسباب الحقيقية للأزمات المزمنة في مصر وفي مقدمها تجاهل أهمية تحديث الدولة وأساليبها بالإندماج في مجتمع التكنولوجيا للاستفادة بها في تطوير البنية التحتية لجذب المزيد من الاستثمارات وما يترتب عليها من تحقيق طفرة تنموية, وتوفير فرص عمل, والأهم من ذلك الاستفادة من تعظيم عوائد الاشتباك مع تكتلات تكنولوجيا المعلومات والاتصالات الحديثة الدولية.
لكن هذا التطور الموضوعي المهم في تحديد إطار التشكيلة الحكومية افتقـد إلى واحـد من أهم آلياته وهو الشفافية في الاختيار والاعتماد على الأسلوب النمطي للدولة المصرية بانتقاء العناصر ذات الصلة بالمفاهيم البيروقراطية القائمة على المعرفة الشخصية والركون الى "استسهال" تحديد المطلوب لشغل الموقع, وهو ما قد يؤثر سلباً على تحقيق النتائج المرجوة.
واللافت ان سبعة وزراء من أربعة عشر جدداً التحقوا بالوزارة هم من اعضاء المجلس الأعلى للسياسات الذي يقوده السيد جمال مبارك نجل الرئيس حسني مبارك وان كان ذلك يؤشر الى بدء تعاظم نفوذ الجيل الجديد في ضخ كوادر تنفيذية حكومية. إلا أنه يؤشر ايضا إلى أستمرار أزمة الدولة في سعيها إلى تحديث وتغيير قياداتها.
فمنذ أن بدأ الجيل الجديد تحركه لتصحيح الأوضاع داخل الحزب الحاكم واستثمار مردود ذلك في تطوير أوضاع الدولة, وهو يعتمد على الانتقاءات الشخصية القائمة على الصلات المباشرة واختيار أشخاص يملكون رصيداً أكاديمياً أو خبرات استثمارية من الأنشطة الخاصة أو ثقافة تكنولوجية اعتمدت على الطموح الشخصي والقدرات الذاتية.
وعلى مدار سنتين غابت عن تشكيلة الجيل الجديد العناصر ذات التاريخ السياسي أو أصحاب الخبرة في الاشتباك مع الرأي العام عبر معارك سياسية أو انتخابية وثقافية أو حتى من خلال طرح رؤى جديدة تؤهلها للحلول في شكل طبيعي في مواقع القيادة الرسمية وتمنحها الدور المطلوب من دون افتعال.
ويمثل هذا الجانب السلبي في فرض الجيل الجديد على المجتمع المصري امتداداً طبيعياً للأساليب المعتادة, في اختيار القيادات منذ عقود طويلة والتي تقوم على مفهوم "الابن الطبيعي" للدولة بديلاً من "الابن الملائم" والذي يحمل في داخله قدراً من الخلاف ناتجاً عن تجربته الشعبية المستقاة من خبرات ومفاهيم الاشتباك التي تتيح خلط خبراته الاكاديمية مع توازنات المجتمع واحتياجات فئاته المتنوعة.
وفي هذا السياق يمكن القول إن قواعد الانتقاء لدى الجيل الجديد ما زالت قائمة على
تفضيل اختيار "التكنوقراط" من صغار السن وان المجلس الأعلى للسياسات تحول الى "معمل" لانتخاب الكوادر الجديدة, بدلاً من تأهيلها والزج بها في معترك الحياة السياسية العامة ودفعها للاشتباك مع مكونات المجتمع لامتلاك قيادات طبيعية.
وتحمل عملية اختيار العناصر الحكومية الجديدة دلالات بالغة الأهمية في التأكيد على إطلاق المرحلة الثانية من تحديث الدولة المصرية, إذ تشير الى تطبيق قاعدة الإحلال والتجديد بديلاً من الانقلاب والتغيير الشامل الفوري وهو الأسلوب ذاته الذي قام الجيل الشاب بتطبيقه في مواجهة الحرس القديم داخل الحزب الوطني قبل عامين, فبدلاً من فرض الجيل الجديد اتبع اسلوب الحلول الهادئ والتدريجي عبر سلسلة من الممارسات, وتوسيع صلاحياته ونفوذه على مهل ومن دون مواجهات عنيفة علنية.
لذا يمكن القول إن ما يجري في ساحة المشهد السياسي وحتى الآن لا يعدو كونه تطويراً وتحديثاً للدولة المصرية من دون الانقلاب على جوهر مفاهيمها التقليدية التي تمنح الأزمات الاقتصادية جل اهتمامها وتهمل الجوانب السياسية وتفريخ كوادر قادرة على التعاطي مع فعاليات المجتمع المختلفة وفقاً لقاعدة "العمل معاً" وليس "العمل لدى الحكومة".
وتمثل هذه الملاحظة الإشكالية الحقيقية أمام الحكومة الجديدة, فهي وان كانت تسعى - بلا شك - في النجاح وبلوغ طموحاتها لتجاوز عنق الأزمة الضاربة في جذور البلاد فإنها في الوقت ذاته تواجه تجربة جديدة على المجتمع المصري تحتاج الى مفاهيم ديموقراطية مغايرة لما كان سائداً في العصور السابقة, ففكرة التحديث التكنولوجي ترتبط ارتباطاً وثيقاً بتوسيع مساحة الديموقراطية وإتاحة المعلومات للمجتمع من دون قيود وترسيخ مفهوم الشفافية وانهاء مرحلة إحتكار السلطة, وإتاحة الفرصة للآخر, ومواجهة الثقافة التقليدية السائدة في البلاد منذ نحو عقدين أو أكثر قليلاً. والأهم من كل ذلك إطلاق حرية الإبداع والمشاركة.
ولا تعطي الصورة النهائية للتشكيلة الحكومية دلائل قوية في هذا الاتجاه. فالعناصر الجديدة جميعها (14 عضواً) ومن دون استثناء غير معروف عنها اهتمامات بالأوضاع العامة أو مشاركة في العمل العام باستثناء عضوية سبعة منهم في "المجلس الأعلى للسياسات" وإبداء الرأي في اجتماعاته والمشاركة في إعداد أوراقه ووثائقه.
ويبدو جلياً أن استمرار غالبية العناصر القديمة في الحكومة (20 عنصراً) سيكون أحد العوامل السلبية القوية المعوقة لتنفيذ الأفكار الجديدة التي يسعى إليها الجيل الشاب في الحزب والدولة خصوصاً في محاولة التطوير والاصلاح السياسي والدستوري المطلوب.
ومما يثير المخاوف أيضاً أن دلالات التشكيلة الحكومية والتي جاءت خلواً من العناصر ذات الخبرة والتاريخ السياسي وأصحاب المواقف تجاه القضايا الشائكة العالقة في المجتمع فإنها تؤشر الى استمرار إبعاد الحكومة عن التعاطي والتفاعل مع ملف الاصلاح السياسي والدستوري المطلوب لتحقيق نجاح حقيقي للإصلاح الاقتصادي المنشود, وهي بذلك ستظل أسيرة المهام الاقتصادية من جوانبها الفنية.
لكن هذه التحفظات العديدة على التشكيلة الحكومية والقواعد التي خضعت لها في اختيار عناصرها لا تمنع القول بوجود جوانب إيجابية منها حصول حراك مختلف أثمر حالة في المجتمع أتاحت الحديث النقدي وللمرة الاولى من زوايا مختلفة قائمة على فكرة وجود جيل جديد بدأ خطواته الأولى ليكون بديلاً من حرس سيطر على مواقعه لنحو ربع قرن وفرض خلالها أساليبه التقليدية على هيكل الدولة فأصابها بالشيخوخة والترهل. واذا كان يحلو للبعض الحديث عن بدء عصر "حكومة" جمال مبارك استناداً الى ما حصل في التشكيلة الحكومية الجديدة فإن تحقيق هذا التحليل يرتهن أساساً بقدرة الجيل الجديد بعد إقصاء العناصر المؤثرة في الحرس القديم على تجاوز أزمته في التفاعل مع المجتمع والتعاطي مع مشاكله عبر كوادر شعبية مؤهلة ومحنكة تكتسب خبراتها بالاشتباك لتتمكن من الصعود الطبيعي إلى دوائر القرار, بدلاً من "التأهيل المعملي" داخل مؤسسات الدولة للهبوط على مقاعد الحكم من أعلى.
* دار الحياة
|