|
يورد المؤلف في صدر الفصل الثالث من كتابه نبذة تاريخية عن جمع القرآن اقتبسها من كتاب ( الأتقان في علوم القرآن ) للسيوطي و قد علق على جمع القرآن في حياة النبي (ص): بأنه قول غير صحيح إذ لم تجمع الأيات في كتاب و أن أول مرة كانت في حياة أبي بكر الصديق رضي الله عنه. ثم جاء عثمان بن عفان رضي الله عنه و أحرق جميع المصاحف عدا مصحفه - الذي لم يصحح - متحديا بذلك جميع الصحابة رضوان الله عليهم !!!...
و للرد نقول : بمراجعة كتاب ( الأتقان في علوم القرآن ) / النوع الثامن عشر ( في جمعه و ترتيبه ) وجدنا ردا كافيا على كلام المؤلف و لنقرأ سويا : قال الخطابي: إنما لم يجمع (ص) القرآن في المصحف لما كان يترقبه من ورود ناسخ لبعض أحكامه أوتلاوته فلما انقضى نزوله بوفاته ألهم الله الخلفاء الراشدين ذلك وفاء بوعده الصادق بضمان حفظه على هذه الأمة فكان ابتداء ذلك على يد الصديق بمشورة عمر. وأما ما أخرجه مسلم من حديث أبي سعيد قال: قال رسول الله (ص) لا تكتبوا عني شيئاً غير القرآن .. الحديث فلا ينافي ذلك لأن الكلام في كتابه مخصوصة على صفة مخصوصة وقد كان القرآن كتب كله في عهد رسول الله (ص) لكن غير مجموع في موضع واحد ولا مرتب السور. قال الحاكم في المستدرك: جمع القرآن ثلاث مرات. إحداها: بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم. ثم أخرج بسند على شرط الشيخين عن زيد بن ثابت قال "كنا عند رسول الله (ص) نؤلف القرآن من الرقاع" الحديث. وقال البيهقي: شبه أن يكون المراد به تأليف ما نزل من الآيات المفرقة في سورها وجمعها فيها بإشارة النبي (ص). الثانية: بحضرة أبي بكر . أ هـ . فقد جمع النبي (ص) القرآن و رتبه أياته المتفرقات في سور و رتب سُوَره بالترتيب المعروف و قد أملاه جبريل عليه كاملا و لقنه لصحابته . و هذا واضحا من الحديث الشريف : روى احمد بإسناد حسن بن عثمان بن أبي العاص قال: كنت جالساً عند رسول الله (ص) إذ شخص ببصره ثم صوبه ثم قال: " أتاني جبريل فأمرني أن أضع هذه الآية هذا الموضع من هذه السورة (إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى) إلى آخرها " و أيضا قال ابن الحصار: ترتيب السور ووضع الآيات مواضعها إنما كان بالوحي كان رسول الله (ص) يقول: ضعوا آية كذا في موضع كذا وقد حصل اليقين من النقل المتواتر بهذا الترتيب من تلاوة رسول الله (ص) ومما أجمع الصحابة على وضعه في المصحف.. ، و يورد السيوطي أيضا : وقال الحارث المحاسبي في كتاب فهم السنن: كتابة القرآن ليست بمحدثة فإنه (ص) كان يأمر بكتابته ولكنه كان مفرقاً في الرقاع والأكتاف والعسب فإنما أمر الصدّيق بنسخها من مكان إلى مكان مجتمعاً وكان ذلك بمنزلة أوراق وجدت في بيت رسول الله (ص) فيها قرآن منتشراً فجمعها جامع وربطها بخيط حتى لا يضيع منها شيء. قال: فإن قيل: كيف وقعت الثقة بأصحاب الرقاع وصدور الرجال قيل لأنهم كانوا يبدون عن تأليف معجوز ونظم معروف قد شاهدوا تلاوته من النبي (ص) عشرين سنة فكان تزوير ما ليس منه مأمونا وإنما كان الخوف من ذهاب شيء من صحفه . أ هـ . فكيف لا يعد هذا جمعا للقرأن ؟ بل أنه الجمع الأول الذي به اهتدى الخلفاء الراشدون من بعده .
أما جمع القرآن على عهد عثمان بن عفان رضي الله عنه فكان توحيد للقراءات على قراءة واحدة ،و يورد السيوطي هذا في كتابه فيقول : وأخرج ابن أبي داود من طريق محمد بن سيرين عن كثير بن أفلح قال: لما أراد عثمان أن يكتب المصاحف جمع له اثني عشر رجلاً من قريش والأنصار فبعثوا إلى الربعة التي في بيت عمر فجيء بها وكان عثمان يتعاهدهم فكانوا إذا اندرءوا في شيء أخروه. قال محمد: فظننت أنما كانوا يؤخرونه لينظروا أحدثهم عهداً بالعرضة الأخيرة فيكتبونه على قوله. وأخرج ابن أبي داود بسند صحيح عن سويد بن غفلة قال: قال عليّ لا تقولوا في عثمان إلا خيراً فوالله ما فعل الذي فعل في المصاحف إلا عن ملأمنا قال ما تقولون في هذه القراءة فقد بلغني أن بعضهم يقول إن قراءتي خير من قراءتك وهذه يكاد يكون كفراً قلنا: فما ترى قال: أرى أن يجمع الناس على مصحف واحد فال تكون فرقة ولا اختلاف قلنا: فنعم ما رأيت . و قال ابن التين وغيره: الفرق بين جمع أبي بكر وجمع عثمان أن جمع أبي بكر كان لخشية أن يذهب من القرآن شيء بذهاب حملته لأنه لم يكن مجموعاً في موضع واحد فجمعه في صحائف مرتباً لآيات سوره على ما وقفهم عليه النبي (ص) وجمع عثمان كان لما كثر الاختلاف في وجوه القراءة حتى قرأوه بلغاتهم على اتساع اللغات فأدى ذلك بعضهم إلى تخطئه بعض فخشى من تفاقم الأمر في ذلك فنسخ تلك الصحف في مصحف واحد مرتباً لسوره واقتصر من سائر اللغات على لغة قريش محتجاً بأنه نزل بلغتهم وإن كان قد وسع في قراءته بلغة غيرهم رفعاً للحرج والمشقة في ابتداء الأمر فرأى أن الحاجة إلى ذلك قد انتهت فاقتصر على لغة واحدة . وقال القاضي أبو بكر في الانتصار: لم يقصد عثمان قصد أبي بكر في جمع نفس القرآن بين لوحين وإنما قصد جمعهم على القراءات الثابتة المعروفة عن النبي (ص) وإلغاء ما ليس كذلك وأخذهم بمصحف لا تقديم فيه ولا تأخير ولا تأويل أثبت مع تنزيل ، ولا منسوخ تلاوته كتب مع مثبت رسمه ومفروض قراءته ، وحفظه خشية دخول الفساد والشبهة على من يأتي بعد. وقال الحارث المحاسبي: المشهور عند الناس أن جامع القرآن عثمان وليس كذلك إنما حمل عثمان الناس على القراءة بوجه واحد على اختيار وقع بينه وبين من شهده من المهاجرين والأنصار لما خشى الفتنة عند اختلاف أهل العراق والشام في حروف القراءات فأما قبل ذلك فقد كانت المصاحف بوجوه من القراءات المطلقات على الحروف السبعة التي أنزل بها القرآن فأما السابق إلى جمع الجملة فهوالصديق وقد قال عليّ: لووليت لعملت بالمصاحف التي عمل بها عثمان. أ هـ
أما عن نزع قريش للصفات البشرية عن شخصية النبي (ص) : و الباسه صفة الألوهية لتجعل منه مشترعا فهو تراهات لا أساس لها من الصحة ، لأنه بنفسه قد نفى ذلك في حديثه الصحيح : " لا تطروني كما أطرت النصارى بن مريم و لكن قولوا عبد الله و رسوله " ،? و قول أبي بكر الصديق حين بلغه وفاة الرسول عليه صلوات الله و سلامه : من كان يعبد محمدا ،فإن محمدا قد مات ... الخ ، فلو كانوا يريدون به صفة ألوهية لما قالوا ذلك و ما رضوا به . و لم نسمع أبدا بحديث رجل من السلف الصالح ارتفع بالرسول الكريم إلى مرتبة الألوهية . فهي قطعا معلومة خاطئة قد أوردها المؤلف عن مصدر مجهول !
و أما عن عدم احترام ذي النورين عثمان بن عفان رضي الله عنه لحديث النبي الكريم : ( ان هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف ) فهو عاريا من الصحة فقد أوضحنا من قبل معنى الحديث ( راجع التعليق الوارد في هذا من كتابنا) و عرفنا أن القرآن قد انزله الله تعالى بلغة قريش متضمنا بعض اللغات ( اللهجات ) الأخرى ، فليس سبعة أحرف أي سبعة مصاحف مختلفة أحرقها عثمان، فهنا يحاول المؤلف تضليل القارئ عن طريق تشابه و تشابك الموضوعات و لكن القارئ الفطن أظنه الأن قد انكشف له الأمر جليا واضحا .
أما عن طلبه لدليل على صحة نسخة عثمان التي أبقاها و أحرق ما سواها فما من دليل على صحتها خير مما قلناه سابقا و نؤكد ثانية أنها نسخة متواترة مجمع عليها من كافة صحابة رسول الله الذين عرفوا بالغيرة الشديدة على الدين ، و أظن أن مسألة جمع القرآن ليست بالسهلة الهينة أن يتهاونوا و لو في كلمة من آيه . فالمسلمون لم يعرفوا في أي يوم ما يسميه المؤلف بمصحف أبي بكر و مصحف عثمان و مصحف ابي بن كعب و مصحف بن مسعود !!
و يورد : أن المسيحيين يحتفظون بنسخ خطية من كافة كتبهم إلى هذا اليوم و لم يخف منها شئ و بمقابلة هذه النسخ فيمكننا الوصول إلى الجوهر الأصلي .
و نرد عليه و نقول : و لو أنني لم أكن لأتكلم في هذا المجال الأن و لكن المؤلف هو الذي يقودنا إلى هذا الموضوع ! فليتفضل بالرد على هذه التساؤلات :
1.نزلت التوراة على موسى عليه السلام من لدن الله عز وجل في صحراء سيناء منذ 3600 تقريبا و قد كانت صغيرة الحجم بحيث تكتب على الواح من الحجر عددها اثنا عشر لوحا ( وَتَكْتُبُ عَلى الحِجَارَةِ جَمِيعَ كَلِمَاتِ هَذَا النَّامُوسِ نَقْشاً جَيِّداً ) تث 27 : 8 ،2. و في أيضا ( انْتَخِبُوا مِنَ الشَّعْبِ اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلاً. رَجُلاً وَاحِداً مِنْ كُلِّ سِبْطٍ . وَأْمُرُوهُمْ قَائِلِينَ: احْمِلُوا مِنْ هُنَا مِنْ وَسَطِ الأُرْدُنِّ مِنْ مَوْقِفِ أَرْجُلِ الْكَهَنَةِ رَاسِخَةً اثْنَيْ عَشَرَ حَجَراً, وَعَبِّرُوهَا مَعَكُمْ وَضَعُوهَا فِي الْمَبِيتِ الَّذِي تَبِيتُونَ فِيهِ اللَّيْلَةَ ) يشوع 4 : 2-3 و السؤال هنا : هل توراة موسى أو الأسفار الخمسة بحجمها الذي نراه الأن يمكن كتابتها على اثني عـشر لوحـا من الحجر ؟ أم أنها توراة أخرى ؟!....
3.في احد الأسفار التاريخية نقرأ ( فَدَامَتِ الشَّمْسُ وَوَقَفَ الْقَمَرُ حَتَّى انْتَقَمَ الشَّعْبُ مِنْ أَعْدَائِهِ. أَلَيْسَ هَذَا مَكْتُوباً فِي سِفْرِ يَاشَرَ؟ ) يشوع 10 : 13 فأين سفر ياشر هذا ؟ و ماذا كان مكتوبا فيه ؟ و إن كان اسما ثانيا لأحد أسفار التوراة فلم لم يعرف بـه مع اسمه الأصلي ؟ ... أم أنـه سفر مفقود ؟!!!
4.و حدث انفصال بين اسباط بنى اسرائيل منذ حوالي ثلاثة ألاف عام و عرف ما يسمى بالعبرانيين و السامريين و كل منهم له نسخة التوراة الخاصة به فهذا يقدس جبل جرزيم و ذاك لا يشير إلى هذا التقديس بشئ ! و في زمن البطالمة أمر بطليموس فيلادلفيوس في عام 282 ق.م. بترجمة التوراه العبرانية دون السامرية إلى اللغة اليونانية و اجتمع لهذا سبعون عالما من بنى اسرائيل فعرف النص بالنص السبعيني و بينه و بين النص العبراني بعض الأختلافات مثلا فنقرأ في النسخة العبرانية أن أدم عليه السلام قد مات قبل زمن نوح عليه السلام بحوالي 126 سنه ،
5.و في التوراة اليونانية نقرأ أن أدم مات قبل نوح بحوالي 732 سنه ،
6.و نفس المعلومة في التوراة السامرية تؤكد أن أدم قد عاش إلى زمن الطوفان و أدرك مع نوح 223 سنه ،
7. و قد اتفقت النسخ الثلاث على عمر أدم عليه السلام كان 930 سنة !... فأين الصواب في كل هذا ؟!
8.أيضا في ( مزمور 105 : 28 ) في النسخة العبرانية نجد ما نصه ( أَرْسَلَ ظُلْمَةً فَأَظْلَمَتْ وَلَمْ يَعْصُوا كَلاَمَهُ ) ،
9.و نجد نفس النص في التـوراة اليونانية (وَهُمْ عَصُوا كَلاَمَهُ ) فأين الصـواب أيضا ؟!
10.عندما جاء المسيح عليه السلام بأورشليم في زمن الرومان فنادى فيهم باحترام شريعة موسى ( لاَ تَظُنُّوا أَنِّي جِئْتُ لأَنْقُضَ النَّامُوسَ أَوِ الأَنْبِيَاءَ. مَا جِئْتُ لأَنْقُضَ بَلْ لأُكَمِّلَ ) متى 5 : 17 فقدس أتباعه بعد ذلك التوراة و اسفار الأنبياء ،
11.و عرفت بالعهد القديم و عرف الأنجيل و اعمال الرسل و الرسالات باسم العهد الجديد ،
12.و ذلك حتى عام 325 م حين عقد مجمع نيقية و أقر بالتوراة اليونانية دون العبرانية بالأضافة إلى الأناجيل الأربعة و بقية الأسفار و عرفوا جميعا بالكتاب المقدس و عدد أسفاره 72 سفرا . كما أمر المجمع باحراق عدد كبير جدا من الأناجيل المكتوبة و المدونة على فترات مختلفة فريبة أو بعيدة من السيد المسيح ،
13.و المعتد بها بين فرق نصرانية كثيرة منتشرة في انحاء العالم أنذاك نذكر منها ( انجيل السبعين أو تلامس ) و ( انجيل التذكرة ) و ( انجيل سـرن-تهس ) و ( انجيل نقوديموس ) و غيرها .. و السؤال هنا : لم احرقت هذه الأناجيل و ماذا كان مكتوبا فيها ؟ جدير ابلذكر أن اختيار الأناجيل الأربعة المعروفه كان عن طريق الأقتراع اثناء المجمع . فهل يكفي هذا لأثبات أنها صادقة دون غيرها ؟... و لم أربعة كتب تحديدا و ليس أكثر من ذلك ،
14.و لا أقل من ذلك ؟!…
15.و في بداية عصر النهضة ظهر ( مارتن لوثر ) و أعلن خروجه عن الكنيسة الكاثوليكية و نادى في أتباعه بتقديس التوراة العبرانية دون اليونانية ،
16.و حَذَفَ منها اسفار باروخ و طوبيا و يهوديت و المكابيين الأول و المكابيين الثاني و بعض استير و بعض دانيال بحجة أنها محسوبة على التوراة فيصير كتاب البروتستانت المقدس يتكون من 66 سفرا . فهل أضاف الكاثوليك في كلام الله ما ليس منه ؟ .. أم حذف البروتستانت من كلام الله ما لا يجوز حذفه ؟!!…
17.و بعد هذه التساؤلات البسيطة ماذا عن النسخة الخطية الأصلية التي يدعى المؤلف حفظها إلى يومنا هذا ،
18.و ما هو موقفها من هذا الأختلاف ؟!!
* طارق محمد الشافعي
|