للمشاركة وإبداء الرأي أضغط هنا


ملفات ساخنة

المقالة: | قبل | بعد | | عناوين المقالات | عناوين جميع المقالات
البديل الاسلامي للارهاب العولمي (ملف جديد)
تمهيد

* ابو يعرب المرزوقي
الإرهاب والترهيب والاسترهاب كلها مصادر تفيد في دلالتها القرآنية معنى الإخافة والتخويف والاستخافة. ومن هذا المعنى الرهبانية والترهب اللذان يفيدان الخوف من الدنيا والهروب منها لتجنب المعاصي وطاعة الله. وإذن فكل هذه المعاني تفيد متعديةً التحذير والوعيد الذي يسبق الفعل ليغني عنه قدر المستطاع وهي تفيد لازمةً تجنب الفعل الذي يمكن أن يتضمن مخاطر. ومن ثم فهي جميعاً لا تتضمن معنى عدوانياً كما في دلالة مفهوم الإرهاب الحديثة. إنها تستعمل بمعنى الردع عن العدوان أو بمعنى تجنبه لا بمعنى العدوان. فمن جنسها مثلاً التحديدات القانونية التي تبدو إرهاباً للجاني الممكن وما يعضدها من قوة عامة تساعد على تطبيقها الممكن أو الوعيد القرآني المصاحب للوعد بالجزاء أو الدعوة للاستعداد للحيلولة دون العدوان كما في الآية الكريمة: ( ... ترهبون به عدو الله وعدوكم ... ).
أصبح اسم الإرهاب يستعمل للدلالة على مفهوم جديد يقابل دلالة اسم Terrorisme الذي يعني السلوك المضاد لما وصفنا لكونه ليس مجرد وعيد بل هو تصرف نسقي يستند إلى العدوان الفعلي. فهو ليس قوة ردع فحسب بل هو تركيع لإرادة الغير بالقوة المتوحشة خارج التحديدات القانونية والقوة العامة التي تعضدها أعني بغير القوة الشرعية. إنه إذن ضرب من الخروج عن القانون في استعمال القوة من أجل غايات غير شرعية. لذلك فحكمه الشرعي هو حكم الحرابة داخلياً وحكم الغزو الأجنبي خارجياً. ويستعمل المفهوم عندئذ في معنى أعمق عندما يحول ما كان يحدد بالإضافة إليه إلى جنسه فيصبح انحرافاً يبعد القوة التي تمثل الشرعية عن الشرعية. فيكون حكمه الشرعي عندئذ حكم الطاغوت داخلياً وخارجياً. وبذلك تكون شرعية التحديد القانوني وشرعية استعمال القوة العامة نفسيهما مستندتين إلى هذا التصرف النسقي المعتمد على العدوان بالقوة المتوحشة خارج أساس القانون نفسه أعني العدل والحق وذلك في مجالي القانون الوطني والدولي.
فيكون الإرهاب عدم شرعية سلطة القانون الوطني أو الدولي ومن ثم السلطة التي تستند إلى الاغتصاب فتجعل مَن استحوذ على القوة العامة يستعملها استعمالاً غير شرعي كما هو الشأن في كل الأنظمة الدكتاتورية التي هي أنظمة إرهابية بالطبع لكون القانون الذي تسنه غير شرعي حتى لو فرضناها عاملة به. والعالم اليوم خاضع لضربين من الدكتاتورية المباشرة التي تنصبها الدكتاتورية غير المباشرة. وهي لا تعمل به إلا عندما يطابق منفعة تخصها وذلك هو مصدر ما يسمى بالمعايير المزدوجة. ويصح ذلك في المستويين الوطني والدولي. لذلك شرعت الأديان والفلسفات الثورة عليها واعتبرت ذلك جهاداً من أجل القيم لكونه ثورة على الاغتصاب وإحقاقاً للحق. فالقيم الخلقية التي يستند إليها القانون فوق القانون لكونه من دونها يصبح مجرد تبرير للعسف: فإذا خالفها فقد شرعيته لكون نسبته إليها عندما لا يكون شرعياً هي عينها نسبة العنف الإرهابي بالقياس إليه عندما يكون شرعياً.
وبهذين المعنيين ـ ((الإرهاب الهامشي)) الذي يعد شذوذاً على قاعدة الحق الشرعي و ((الإرهاب الأصلي)) الذي يسن بمقتضاه ممثل الشرعية قانوناً خارجاً عن الشرعية الخلقية التي يستند إليها ـ ليس الإرهاب بالظاهرة المحدودة بعصر دون عصر ولا بحضارة دون حضارة بل هو ملازم للوجود الاجتماعي الوطني والدولي ملازمة المرض للصحة والسلوك غير السوي للسلوك السوي. فبعض الأحياء تكون الصحة فيها القاعدة والمرض شذوذاً وبعضها ينعكس عندها الأمر فيكون المرض عندها قاعدة والصحة شذوذاً. وهو مثل المرض والشذوذ يمكن أن يكون من داخل الذات يصدر عنها أو من خارجها يرد إليها. وعندما يصل العمران العالمي إلى تحقيق ما يشبه المجال الحضاري الواحد كما هو الشأن في عصرنا يصبح التمييز بين الداخلي والخارجي شبه معدوم، حتى وإن لم يصبح القانون الدولي بعد صادراً عن سلطة سياسية واحدة تمثل الإنسانية كلها.
ويمكن بعبارة أخرى أن نقول إن نسبة الإرهاب إلى الحق في الوجود الاجتماعي الخاص بدولة معينة أو بالإنسانية ككل هي نسبة اللانظام إلى النظام أو نسبة الفوضى إلى النظام أو نسبة التشويش إلى البلاغ في نظرية التواصل. فبعض الخطاب تكون فيه نسبة التشويش الذاتي أو الأجنبي (وكلاهما صار واحداً في العولمة الحالية) إلى البلاغ شذوذاً لا يحول دون التواصل وبعضها الآخر ينعكس فيه الأمر فيكون التشويش قاعدة والبلاغ شذوذاً فلا يحصل التواصل. وبهذا المعنى فالإرهاب يمكن أن يكون ظاهرة غالبة على عصر دون عصر أو على حضارة دون حضارة إما لأسباب عارضة وطارئة أو لأسباب ذاتية وملازمة للعصر أو للحضارة المعنيين. ونحن نعتقد أن العولمة يغلب عليها التشويش لأسباب ذاتية سنحاول تحديدها لكي نخلص البديل الإسلامي من تصوره عين الحل الإرهابي الذي ينسب غليه حالياً ليس بمؤامرة من الغرب كما يزعم البعض بل أيضاً بسبب سلوك المتكلمين باسمه وبسبب ما آل إليه الأمر عن المسلمين الجغرافيين.

المقالة: | قبل | بعد | | عناوين المقالات | عناوين جميع المقالات

 © حقوق الطبع محفوظة للبلاغ
Copyright © 2000 alblagh ORG. All rights reserved. info@balagh.com