|
إن امتناع تعريف أي مفهوم بصادقيته (امتناع إحصاء الأمور التي يصدق عليها أعني هنا الأفعال الإرهابية كلها) لا يبقي إلا طريقة واحدة للتعريف: التعريف بالمفهومية تحديداً للصفات العامة التي يتصف بها كل أمر يحيل غليه المفهوم، وفي هذه الحالة كل فعل أو منهج يصدق عليه الوصف بكونه إرهابياً. ويمكن أن ننطلق من تحديد أول بين بذاته وعام بحيث يحصل حوله الإجماع فنحصل على تعريف مبدئي: فالفعل الإرهابي بما هو فعل ينبغي أن يستهدف غاية وبما هو إرهابي ينبغي أن يتضمن خطة تستعمل القوة لتحقيق تلك الغاية. وهذا التحديد يستثني من المحدود الحوادث غير القصدية والأفعال غير العنيفة، لكنه يبقي على جرائم القانون العادي. ولكي نميز الأفعال الإرهابية من الجرائم العادية لابد من ملاحظة أن غاية الإرهاب ينبغي أن تكون من طبيعة سياسية ضرورة حتى وإن كان القضية التي يدافع عنها الإرهابي غير سياسية. ذلك أن الفعل الإرهابي، لابد حتى عندما يكون مافياويا (أياً كان نوع المافية) أن يتضمن البعد السياسي السلبي لكونه مشروطاً بإفساد القوة العامة، أو هو بصورة أدق مشروط بإدخال الفوضى على حكم القانون حتى وإن كانت دوافع هذا الفعل ليست الوصول إلى الحكم. لذلك فإنه يمكننا القول إن جوهر الإرهاب يتمثل أساساً في السعي إلى حذف الطابع العمومي لاستعمال القوة سواء بالقضاء الفوضوي على الدولة أو بتعويضها بتحكم القانون الطغياني. وإذن فالفعل الإرهابي هو فعل عنيف يستهدف تحقيق غاية ضد إرادة القوة العامة بالتعدي على مبدأ احتكارها إياه. فإذا كانت الغاية المستهدفة سياسية، كان الإرهاب سياسياً، وإلا فهو مافياوي.
لكن هذا التعريف لا يمكننا من الحصول على مجموعة قابلة للحصر التام للأفعال التي توصف بكونها إرهابية: أفعال عنيفة تستهدف القوة العامة إما إيجاباً لافتكاك الحكم، أو سلباً بالحد من تأثير القوة العامة وتحييد القانون من أجل تكوين سلطة موازية. ويمكن لتمييز عملي أول أن يُمَكِّننا من تصنيف أشخاص المجموعة من الأفعال التي عَرَّفناها هذا التعريف. وهذا التمييز يؤلف بين معيارين: جنسية الأمر المستهدف بالفعل الإرهابي، وجنسية الشخص القائم به، فنحصل عندئذ على نوعين من الإرهاب أولهما بسيط والثاني مركب من ثلاثة فصائل. فأما النوع الأول فهو نوع الإرهاب الذي يخضع لقانون دولة بعينها يحدد بجنسية الموضوع الذي يستهدفه الفعل وجنسية الفاعل. وأما النوع المركب فهو الإرهاب الدولي إما بجنسية موضوعه الأجنبية أو بجنسية فاعله الأجنبية أو بجنسيتهما الأجنبية معاً. والنوع الأول يمكن تعريفه بالقانون الوطني أما فصائل النوع الثاني فتعريفها يتم بالقانون الدولي.
لكن هذا التمييز ينتج عن خاصية أجنبية تربط الإرهاب بالقانون: جنسية موضوع الفعل الإرهابي وجنسية القائم به. فلنحاول الآن تعميق البحث في هذه العلاقة مستندين إلى إحدى خاصياتها الذاتية. ذلك أن لجوء الإرهابي إلى العنف ليس إلا تعبيراً عن عدم لجوئه إلى القانون الوطني أو الدولي مبرراً كان ذلك أو لم يكن في مقابل تحريفه عن غايته أو عدم تطبيقه. لكن تحييد القانون هذا، وبصورة أخص، تبريره الصريح أو الضمني يضع المشكل الحقيقي في تعريفنا. فإذا كان الإرهاب يعرف بالقياس إلى هذا التحييد (أياً كان تبريره) أفلا يتفق أن يكون القانون نفسه مولداً لأنواع أخرى من الإرهاب متضايفة مع الأنواع التي حددناها، ومن ثم قابلة لأن توصف بكونها إرهاباً عاماً مقابل الإرهاب الذي وصفنا، والذي يمكن أن نطلق عليه اسم الإرهاب الخاص؟ وعندئذ سنجد حالتين من الإرهاب العام المتضايف مع الإرهاب الخاص، أحدهما وطني والثاني دولي.
ـ الإرهاب العام المستند إلى القانون الوطني الذي تسنه سلطة غير شرعية أو طاغوت وطني يحرف القانون عن غايته الأصلية أو يحول دون تطبيقه. ويناظر هذا النوع الأول الإرهاب الوطني الخاص الذي هو إرهاب الصمود أمام الطاغوت الوطني.
ـ الإرهاب العام المستند إلى القانون الدولي الذي تفرضه قوة أجنبية ما تتصرف تصرف الطاغوت الدولي بتحريف القانون الدولي عن غايته الأصلية أو بمنع تطبيقه. ويناظره إرهاب الصمود أمام الطاغوت الدولي.
|