|
يقتضي تحديد أصل الإرهاب بالمعنيين كليهما محاولة فهم الشروط التي تجعله ظاهرة عامة ملازمة للعمران الإنساني أولاً وظاهرة غالبة أحياناً على بعض ضروبه أو فتراته ثانياً. ولنبدأ بأصل النوعين النسقيين من الإرهاب، أعني أصل الإرهاب الذاتي لبعض ضروب العمران في كل لحظات تاريخه، وأصل الإرهاب الملازم لبعض لحظات التاريخ رغم كونه ليس ذاتياً لضرب من العمران الذي طرأ عليه الإرهاب طريان المرض على الحي. والمعلوم أن الشكل الثاني منهما يمكن أن يؤخذ محل الأول كما فعل هيجل مع الإسلام، إذ حاول إرجاع المرض الذي أصاب ظرفه المنحط كما عرفه هيجل متعيناً في الخلافة العثمانية إلى جوهره الذي يعرفه بالمناظرة السلبية مع الإصلاح الجرماني. كما أن الشكل الأول يمكن أن يؤخذ محل الثاني كما يفعل الماركسيون والوضعيون مع نفي الأفق المتعالي الذي هو ذاتي لتصورهما الحلولي للعالم والوجود، إذ يعتبرون ما ينتج عنه عائداً إلى ظرف عارض لهذا الموقف الذي يطلق النسبي أو يعين المطلق في النسبي وليس نابعاً من ذاته.
ويعرف ابن خلدون مصدر الهرج المفسد للعمران أو الإرهاب بمعنييه هامشاً وأصلياً من خلال تحديد آليات فساد العمران الناتجة عن طغيان صورته، أو الدولة على مادته، أو المجتمع فعلاً (الظلم)، ورد فعل (الثورة على الظلم)، أو من خلال طغيان المادة على الصورة عندما ينفرط عقد الدولة فيعود المجتمع إلى ما يشبه الفوضى السياسية، أو ما يطلق عليه ابن خلدون اسم الهرج الذي تفضي إليه العصبية عندما يغيب الوازع الديني أو العقلي. ويمكننا القول بلغة حديثة إنه يحدد أصل الإرهاب من خلال عدم التوازن الذي يحصل في العلاقة بين الطبيعة والثقافة نفسياً كما في نظرية التربية (بين التربية التحررية والتربية العنيفة في الأسرة والمدرسة) وسياسياً كما في الوازع السياسي ضمن نفس النوع العمراني (بين الوازع الخارجي والوازع الذاتي) أو بين ضربي العمران (البداوة التي يغلب عليها البعد الطبيعي والحضارة التي يغلب عليها البعد الثقافي) في نفس الحضارة أو بين حضارتين مختلفتين إحداهما بدوية والثانية حضرية فيعتبرها جميعاً ناتجة جوهرياً عن عدم التوازن بين الثقافة والطبيعة بحسب بعدي هذه العلاقة النفسي والاجتماعي تمييزاً بين نوعي المؤثرات الذاتية والأجنبية ومقابلة بين مدخلي الفعل ورد الفعل.
ولعل ما يحدد الظرف الحضاري الحالي الذي يتميز بتضمن ظاهرة الإرهاب تضمناً تقتضيه طبيعته العولمية فضلاً عما تقتضيه خاصيته الحضارية، هو أن كل ما يفعله الفاعل وكل ينفعل به المنفعل والفاعلية والانفعالية كلها كونية. لكن الموقف الذي يعين معنى هذه الكونية يختلف محدده. فكونية موقف الفاعل وكونية موقف المنفعل متنافيتان: النظام الروحي الذي تتألف منه مقومات الذوات المحددة لمفاعيلها فعلاً وانفعالاً. ومن ثم فمعنى هذا الحدث الكوني مختلف بحسب كونيتي موقف الفاعل الحلولية وكونية موقف المنفعل الاستخلافية: فالفاعل والمنفعل متنافيان بالموقف القيمي لانتسابهما إلى نظامين روحيين مختلفين، مما يجعل المشكل المطروح هو مشكل التعايش بين صور الكونيتين المتصارعتين منذ القرون الوسطى المسيحية صورهما إحداهما عن الأخرى ومن ثم حاجتهما إلى نظام كوني ينبني على قيم متعالية على علل تقابلهما وصراعهما، قي تقبل التنوع الحضاري فتجعله مصدر التعارف بدلاً من أن يبقى مصدر الصراع بين البشر، وذلك هو عين نظام الروح الاستخلافي عندما لا ينقلب إلى هوية قومية، ويبقى أفقاً متعالياً تسعى إليه هوية الإنسان من حيث هو إنسان كما يدعونا إلى ذلك القرآن الكريم.
وهذا التعالي على التقابل بين المواقف الحضارية ليس بالأمر الجديد. فقد حدده الإسلام عندما جعل الفطرة الإنسانية الواحدة متعالية على الحضارات بما هي جاهليات تستمد تنافيها من إطلاق ذاتها وتحريفها للفطرة أعني من ظن المطلق محصوراً فيها، الفطرة التي هي غاية مطلوبة وليست بداية متحققة، بحيث هي القبلة التي يسعى إليها طالب الحق وليست أمراً يدعي أحد حيازته: ومن ثم فالتحريف ليس هو إلا نفي الفرق بين أفق التعين الحضاري من الفطرة وتلك هي الجاهليات والأفق المتعالي منها وذلك هو قصد التجاوز الذي يلتقي فيه طلبة الحق من البشر. وقد علل القرآن الكريم هذا التحريف بمفهومين يعودان إلى نوعي الربا الذي يجعل الناس بعضهم للبعض أرباباً مستبدلين التعارف (من المعرفة والمعروف) بالتناكر (من النكرة والمنكر).
والعلاج هو تحقيق الدولة الكونية التي تشمل البشرية كلها بالجواب عن السؤال التال: كيف يُحكَم العالم حكماً عادلاً يكون فيه كل إنسان مواطناً بحق ومسهماً في مصير العالم الذي استخلف فيه الإنسان من حيث هو إنسان ليخلصه من الفساد الروحي والمدني بالتدافع السلمي (الذي قد يتضمن التدافع المسلح في حالتين يكون فيهما القتال جهاداً في سبيل الله: هما حالة الدفاع عن الحرية الدينية وحالة الدفاع عن حقوق المستضعفين أو تحقيق العدل)، خاصة والفرد الواحد قد صار الآن بوسعه استعمال فاعلية الإنسانية كلها بحكم ما سنصف من خصيصة للحضارة الكونية الحالية.
إن الفعل ورد الفعل السياسيان في العالم المؤثر فعلاً وردَّ فعل، هو أكثر هذه الأجوبة تمثيلاً لطبيعة الأزمة، أعني نظام حكم العالم في عصر العولمة أو إن شئنا كون العالم أصبح واحداً في كل شيء من دون عقل مدبر، فانعدام الإرادة السياسية الشرعية الواحدة التي تحكمه تُبقي العالم خاضعاً لدولة مافياوية كبرى تسير عن بعد دولاً من جنسها. وهذا النظام المافياوي ليس ديموقراطياً إلا في الظاهر. وهو في الباطن ألغارشية. ففي هذا النظام لم ينتخب الحاكم العالمي إلا نصف المشاركين من الناخبين في الدولة المافياوية الكبرى. وهو يحكم العالم الذي اتحد في كل شيء تقريباً رغم أن مَن اختار بوش تتعدى نسبتهم نصف واحد من المائة من سكان العالم لكون منتخبيه هم ربع الناخبين الأمريكيين أعني حوالي 30 مليوناً أي ربع واحد من أربع وعشرين من سكان العالم. ويمكن لهذه المافية بما يتوفر لديها من سلطان أن تعلن الحرب في العالم كله على العالم كله لحماية امتيازاتها فتحطم العالم بأخطبوطها ذي الأصابع الخمسة: الاستعلامي والإعلامي والثقافي والسياسي والاقتصادي والعسكري، أي إنه يمكن أن يعلن الحرب العالمية الثالثة في حين أنه لا يمثل إلا نصف من المائة من البشرية.
كيف أصبحت الحرب الأهلية العالمية بنية عصر العولمية المافياوية مخمسة الفروع الإرهابية؟ وكيف لا يمكن إلا أن يكون كل فرع منها مخمس الأفنان؟ فالعالم أصبح ككل في حرب إرهابية سرطانية منذ أن صار كل فرد بوسعه أن يحوز بيسر على فاعلية البشر جميعاً بفضل التطابق الذي حصل بين البعد الرمزي (العلم) والبعد التقني (العمل) من الفعل الإنساني، أو بفضل اختزال التطابق بين النظر والعمل الجماعيين في أدوات قابلة للاستعمال الفردي. فهي حرب أهلية نراها اليوم تصبح بالتدريج حرباً أهلية شاملة بين أغنياء العالم وفقرائه، وذلك هو جوهر التناقض الحالي الذي ينسب إليه الحدث الذي نحلله بعد أن بلغت ذروتها ضمن العالم الغني بين أغنايئه على تقاسم بقية العالم موضوعاً للحرب لا طرفاً فيها، مع غلبة غزو الأغنياء للفقراء (حروب تقاسم العالم بين القوى الاستعمارية) غاية لحرب أهلية ضمن العالم، غلب عليها العكس، أعني غزو الفقراء للأغنياء طرفين في الحرب (هجرات الشعوب البدائية وغزوها لما حولها من الحضارات) غاية لحرب أهلية عالمية بين قبائل العالم المعمور في بدايات التاريخ الإنساني (لكون الاستقرار لا حقاً للترحال في العمران البشري) أعني بين قبائل متقاربة المستوى الحضاري لعدم وجود فرق كبير بينها في الفعل الإنساني (علماً وعملاً).
|