للمشاركة وإبداء الرأي أضغط هنا


ملفات ساخنة

المقالة: | قبل | بعد | | عناوين المقالات | عناوين جميع المقالات
البديل الاسلامي للارهاب العولمي (ملف جديد)
تحرير الانسانية من الارهاب العولمي

* أبو يعرب المرزوقي
يمكن أن نحدد البديل الإسلامي بالمقارنة بين العولمة من حيث هي غاية الأفلاطونية التوراتية المحدثة ذات الأفق الحلولي والكونية الإسلامية من حيث هي الأفلاطونية الحنيفية المدثة ذات الأفق الاستخلافي بحسب تعريفها للهوية التي هي مجال لتبادل أصناف القيم في أحياز الوجود التاريخي، أحيازه الواصلة بين السياسي والديني بما هما بعدان من قيام الإنسان دون أن توحد بين المؤسسات الممثلة لهما. ويتعين ذلك كله في تصور الهوية الحضارية بما هي أفق يستثنى الغير أو يقبله. وقد تحدد موقف الحضارة العربية الإسلامية من هذه الإشكالية في صورتيها اللتين تمثلان اليوم الحضارة الغربية أعني الصورة التي فرضتها السنة اليهودية المسيحية والصورة التي فرضتها السنة اليونانية اللاتينية. لذلك فالموقف يعد موقفاً مضاعفاً: فهو موقف من نظرية الهوية الاستثنائية في التصور الديني اليهودي المسيحي ومن نظرية الهوية الاستثنائية في التصور اليوناني اللاتيني. وكلا الموقفين مضاعف وهما يجتمعان في الغاية في نظرية الأفق المفتوح الذي يجعل الكونية الإسلامية متعالية على التنافي بين الحضارات:
بالقياس إلى السنة اليونانية اللاتينية: قضية فلسفية مضاعفة:
ـ الهوية من حيث هي مبدأ من مبادئ العقل:
من المعلوم أن الفلسفة القديمة قد حددت مبادئ العقل التي تخضع لها المعقولية في الوجود وفي القول المتعلق بعلمه فحصرتها في مبدأ أساسي هو مبدأ الهوية الذي يتفرع عنه مبدآن هما مبدأ عدم التناقض والثالث المرفوع.
والمقصود بمبدأ الهوية أساس الجوهر الصوري الذي بمقتضاه يبقى الموجود هو هو وغير غيره. فيكون مبدأ الهوية مفيداً أمرين:
أولهما هو ما يحد الموجود حداً يفصله عما عداه من الموجودات وهذا هو الوجه السالب من مبدأ الهوية أعني ((ما ينفعل من الذات من حيث يحدها الغير)).
والثاني هو ما يبرز فاعلية الموجود إبرازاً يجعله ذا مجال يخصه يكون فيه سيداً ومنه ينطلق في علاقاته بغيره من ذاته بما هو أساس قيامه الذي لا يستمده من غيره. وهذا هو الوجه الموجب من مبدأ الهوية أعني ((ما يفعل من الذات من حيث هي تحد الغير)).
ولتخليص الفكر والوجود من حصر قيامه في الطبائع وضع أعلام الكلام والفلسفة العربية الإسلامية مبدأين آخرين مكنا من تحرير مفهوم الهوية مما سنحلله من المزالق الوجودية والخلقية. فهم قد أضافوا مبدأ الترجيح المتعلق بالكيف الماهوي الذي يمكن للموجود أن يكون عليه من عدد لا متناه من الكيفيات الممكنة وهو المقصود بالقدر الذي يكون عليه الشيء ومبدأ التحقيق المتعلق بنقل الترجيح التصوري من مجرد التصور إلى التحقيق الفعلي وهو المقصود بالقضاء الذي يوجد الشيء. وإذا كان مبدأ الترجيح يتعلق بانتخاب الماهية المتصورة فإن مبدأ التحقق يتعلق بإنيتها أعني باختيار يرجح وجودها على عدمها بتحصيل الممكن.
والفلسفة الحديثة كلها وخاصة في صياغة لايبتنس لها، اعتمدت على هذين المبدأين الأخيرين تحت اسم مبدأ العلة الكافية بدرجتيه، أعني بما هو مرجح للكيف الماهوي الذي سيقع الخلق بحسبه، وللإنية التي تتحقق فيها تلك الماهية المختارة. ذلك أن الوجود الطبيعي فضلاً عن الوجود الخلقي لا يمكن أن يرد إلى مجرد الآلية المادية والضرورة العقلية الخالصة كما هو الشأن في الرياضيات بل لابد من إضافة الترجيع الذي يضيف إلى الضرورة المنطقية الغائية الوجودية التي تفسر كل كيف ما من دون سواه يكون ما تتحقق بحسبه الموجودات في حين أن غير ذلك الكيف ممكن عقلياً.
ـ الهوية من حيث هي حقيقة وجودية:
لكن معنى الهوية عندما يتعلق بالذات أعني بمعنى هو مؤنث ((ذو)) ويفيد الحقيقة الوجودية التي تنسب إليها الأمور نسبة تجعلها تكون ((ذات كذا .. ))) أو الجوهر الذي تحمل عليه الأعراض الذاتية وغير الذاتية ويمثل وحدة المقومات في كل موجود عيني بما هي وحدة طبيعته. هوية الشيء هي إذن جوهره المتعين أو طبيعته التي تخصه. وقد ميزت الفلسفة القديمة والوسيطة خمسة مستويات للهوية بهذا المعنى بحسب عدة الوحدات الوجودية إذا اعتبرت طبائع في مقابل الوحدات التي تعد من لامواضعات أو الشرائع: الهوية بحسب الوحدة التشكيكية (علة اختلاف الرتب الوجودية)، وبحسب الوحدة الجنسية العالية (اختلاف المقولات)، وبحسب الوحدة الجنسية (علة اختلاف الأجناس ضمن نفس الرتبة الوجودية)، وبحسب الوحدة النوعية (علة اختلاف الأنواع ضمن نفس الجنس)، وبحسب الوحدة العددية (علة اختلاف الأشخاص ضمن نفس النوع). ويعتبر هذا المعنى الأخير أتم وحدة ومن ثم أتم هوية وجودية.
أما الهوية بمعناها الثقافي فإنها لا سند لها في الميتافيزيقا القديمة التي كانت تنفي أن يكون للثقافة أو التاريخ تاثير في الهوية الإنسانية الثابتة ومن ثم فهي تنفي أن يكون بين الوحدة النوعية (الإنسان بما هو نوع) والوحدة العددية (الشخص الإنساني المعين) وحدة متوسطة تكون هوية تميز الأقوام بعضهم من بعض تمييزاً جوهرياً وغير عرضي. ويمكن أن نعتبر ما أشار إليه أرسطو في كتاب الشعر بخصوص الوحدة ((الاصطناعية)) التي تتميز بها المبدعات الفنية مثل وحدة ((الإلياذة)) أو وحدة أي طراغوذيا من هذا الجنس، ولعلها ذات صلة بالوحدة الاسمية أو الاشتراك في الاسم.
لكن تطبيق هذا المبدأ خارج مجال الطبائع لم يصبح موجواً إلا بمفعول أمرين كان أولهما ثورة ميتافيزيقية حققها الكلام والفلسفة العربية الإسلامية، وكان ثانيهما صورة مسيخة من هذه الثورة لكونه عاد بها إلى الدلالة الطبيعية وحولها إلى إيديولوجيا عنصرية:
ـ نفي الطبائع كما تعينت نظرياته في الكلام الإسلامي وتعويضها بالخلقات.
ـ نفي مُسخ في ما بعد في شكل تحويل الفروق الحضارية إلى فروق عرقية.
فصار هذا المسخ تأسيساً للتمييز العنصري الذي يعتبر الفروق العرضية بين الأقوام والناتجة عن التاريخ الحضاري أثراً لفروق جوهرية في بنية بعض الشعوب العرقية. وبذلك انتقلت نظرية الهوية من التحول المشهود في التطور التاريخي الحضاري إلى التحول المفروض في التطور التاريخي الطبيعي عند أصحاب النظريات العنصرية وخاصة منذ نشأة صراع التطورية التاريخية الهيجلية التي دعمتها نظرية البقاء للأصلح في التطورية العضوية الداروينية بجعل التطور لا يقتصر على أرواح الشعوب بل يطول صور الأنواع وظن المكتسب الحضاري موروثاً حيوياً.
بالقياس إلى السنة اليهودية المسيحية: مسألة دينية مضاعفة
ـ الهوية الحضارية العامة:
الهوية الحضارية تمثل غذن وحدة ما من جنس الوحدة الاصطناعية في العمل الإبداعي وهي أقرب إلى الوحدة الروائية التي تتميز بها المبدعات التي ليس لها مؤلف محدد لكونها ناتجة عن تأليف تراكمي بحسب المتدخلين في القص الروائي. وقد يعتقد أصحابها المتماهين معاً أنها من وضع الرب في الأديان الطبيعية أو المنزلة أو من وضع الإنسان عند نفاة الدور الربوبي. إنها أمر تاريخي قد يؤمن أصحابه بكونه ذا صلة أو بكونه عديم الصلة بما بعد التاريخ المتعالي على ظرفيات التاريخ أحداثاً ومعنى، ويحصل بالتدريج يكوّن تماثلاً ثقافياً يتوسط بين الوحدة العددية (هوية شخص بعينه أي وحدته الذاتية التي تجعله زيداً أو عمرواً) والوحدة النوعية (هوية الإنسان عامة). لكن هذه الوحدة الوسيطة التي تنتج عن الاشتراك في ممارسات اجتماعية وعادات وتقاليد وأخلاق مشتركة معينة بعد طول عهد (بحيث تكون هذه الوحدة أمتن وشبه طبيعية كلما طالت مدة الانفصال عن الغير في جماعة منعزلة كما نلاحظ ذلك مثلاً في التماثل شبه العضوي عند الصينيين) تصبح عندما تظن ذات أساس عضوي مصدر تفاخر وتنافس بين الحضارات يؤديان إلى مواقف عنصرية تقفها الأمم بعضها من البعض.
وهذه الهوية أو الوحدة هي المقصود عادة عند الحديث عن هوية أمة أو شعب بالمقابل مع الهويات أو الثقافات الأخرى على أرضية الوحدة النوعية البشرية التي نفيت بالتدريج، وخاصة بعد تعميم نظرية تطور الأنواع تعميماً جعل نفس النوع مؤلفاً من درجات متفاضلة عضوياً ونفسياً وخلقياً، وليس فقط بمجرد الممارسات الحضارية والعوائد الثقافية، لكأن المكتسب التاريخي صار موروثاً. وبين أن هذه الوحدة التي هي حصيلة تاريخية لا غير لعدم صحة تحول المكتسب إلى موروث يمكن اعتبارها ضرباً من الفصل بين البشر بحواجز مصطنعة لتحقيق تجمعات على أساس خلقي وحضاري وسياسي واقتصادي يكون منطلق التقابل بين الأمم على أرضية الوحدة البشرية.
وبحكم هذه التجمعات يكون تاريخ كل أمة تاريخ صنع الهوية بوجهيها السالب والموجب بالمعنى الذي حددناه في الفصل الأول من هذه المحاولة. لذلك فإنه يمكن القول بأنه لا وجود لتاريخ خاص بأمة من الأمم بل كل تاريخ عالمي بالطبع لكون كل هوية ليست إلا حصيلة التفاصل بين هذه المجمعات التي تتكون بالتدريج وتتصارع في المعمورة لتحقيق ذاتها بالتضايف مع ذوات غيرها. وتلك هي العلة التي تجعل التاريخ في الفكر العربي كونياً من البداية سواء نظرنا إلى ذلك في القرآن الكريم أو في أول فلسفة تاريخ واعية أعني كتاب المقدمة لابن خلدون التي تحتاج إلى بعض التحليل ليتبين طابعها الكوني وراء التمثيل الذي اعتمدته استناداً إلى التاريخ العربي الإسلامي دون حصر فيه أو استقراء ناقص.
ولهذه الوحدة الاصطناعية مادة بحسب المصطلح الخلدوني هي مادة العمران التي هي المجتمع من حيث هو مجال إنتاج القيم المادية وحفظها وتبادلها واستهلاكها ومجتمع القيم الذوقية بنفس تلك الأبعاد ولها صورة هي صورة العمران أو الدولة جهازاً وتشريعات أعني المجتمع السياسي والمجتمع الروحي. وتتحد المادة والصورة في قيام الهوية الحقيقي أعني المجتمع المدني الذي هو وحدة بعدي الوجود الإنساني الطبيعي والتاريخي. وتلك هي الهوية التي تتحدد بهذه الأبعاد الخمسة فتمثل الأفق الوجودي لأمة من الأمم وتكون منغلقة أو منفتحة بحسب ما سنرى من المحددات. فهي العمران البشري أو المجتمع المحدد الذي يتعين بخمسة فضاءات كل منها حاو لخمسة مضامين تحدده بما يحصل فيها فتتحول الفضاءات أو الأحياز بمقتضى ما يطرأ على القيم بما هي مجالات من جنس المجالات المغناطيسية. وبتصور هذه المجالات انغلاقاً أو انفتاحاً تتمايز الحضارات لكونها هي المحددة لمعاني الاجتماع الخمسة أي المجتمع الاقتصادي (وله صلة بالطبيعة خاصة وبالأبعاد الأخرى في علاقتها بهذه الصلة) والمجتمع الخلقي (وله صلة بالحياة خاصة وبالأبعاد الأخرى في علاقتها بهذه الصلة) والمجتمع المدني (وله صلة بالنظام النظري المتعلق بالبعدين المتقدمين عليه والمواليين له وبذاته) والمجتمع السياسي (وله صلة بالنظام العملي المتعلق بالأبعاد المتقدمة عليه والبعد الموالي له وبذاته) والمجتمع الروحي (وله صلة بالتعالي المحرر من كل تحديدات الأبعاد السابقة ومن تحديد التعالي نفسه).
والفضاءات التي تصبح أحياز المجتمع والوجود بهذه المعاني هي من منطلقها المحدد في الأفق المنغلق (دورة المجتمع) إلى غايتها المحررة منه بإطلاق (دورة الوجود):
1 ـ الدورة العمرانية ممثلة للمجتمع السياسي أو لأحكام كيفية تحول مقومات الوجود الاجتماعي (البعد المالي والبعد البشرير والبعد الرمزي والبعد المؤسسي من الوجود العمراني) بعضها إلى البعض بمفعول تكوين الجماعة الوسيطة بين الفرد والنوع وبما هي ممثلة لتفاعل هذه المؤثرات.
2 ـ والسلم العمراني ممثلاً للمجتمع المدني وأثره في العمران والرتب الاجتماعية.
3 ـ والزمان ممثلاً للحياة والمجتمع الخلقي وأثره في العمران.
4 ـ والمكان ممثلاً للطبيعة والمجتمع الاقتصادي وأثره في العمران.
5 ـ ثم وحدة التعالي المتجاوز لهذه الأبعاد الأربعة وحدتها المطلقة في المثال التصوري للوجود عامة أو المجتمع الروحي، أعني تصور الوجود المطلق أو الكلي في التمثلات الأسطورية والفنية والفلسفية والدينية. والمضامين هي أصناف القيم الذوقية (الجميل والدميم) والخلقية (الخير والشر) والمعرفية (الصدق والكذب) والعملية (الحر والمضطر) والوجودية (الشاهد والجاحد).
وتعود الهوية على نفسها في وعيها بذاتها فتكون صورة فاعلة هي الدولة أو هي كل القوى (وهي بعدد أصناف القيم التي تصبح منبع السلطات في المجتمع: سلطة القيم الذوقية وسلطة القيم الخلقية، وسلطة القيم المعرفية وسلطة القيم العملية وهي الوحيدة التي حصر فيها مفهوم الدولة في التصورات التقليدية، وسلطة القيم الوجودية وغالباً ما تعتبر هذه السلطة سلطة دينية أو روحية) المحددة لهذه الفضاءات تحديداً ينزلها في الفضاءات الكونية وأصناف القيم العامة ثم يفصلها عما حولها بحدود اصطناعية تصبح مميزات حضارة عن حضارة أخرى فيتكون منها نسق شبه منغلق هو صورة الهوية أو تصورها لنفسها الذي يجعلها دون الكل أعني دون كل مكان العالم وكل زمانه وكل سلمه وكل دورته وكل تعاليه عليها وكل قيمه بعدتها.
وكلما حصل ثبات طويل المدة في هذه الفضاءات المحدودة بهذه الصورة كلما كانت الهوية أوثق إلى حد يكاد يقربها منم الوحدة العضوية التي يوهم بها التماثل العضوي الخارجي الناتج عن التزاوج الداخلي والانغلاق والدنو المتدرج من وحدة الإرث البايولوجي. وطبعاً فهذا الثبات يكون بين الطبقات المنغلقة (Castes) ضمن نفس الشعب وبين الشعوب ضمن المعمورة. ويمكن أن نقسم الشعوب بهذا المعيار إلى شعوب ذات هويات منغلقة بالمعنيين كما هو الشأن في الصين والهند وشعوب ذات هوية منفتحة مثلما هو الشأن خاصة بالنسبة إلى العرب والمسلمين بفضل النظرة الوجودية الإسلامية كما نرى في الفصل الموالي. ذلك أن الإسلام قد حاول الحد من أثر هذه الحدود الاصطناعية بمحوها قدر المستطاع واعتبار الهوية الوحيدة الجامعة بين البشر كلهم هي الأخوة الإنسانية بما هي جوهر الفطرة أو الإسلام. لكن الإسلام لم يلغ الأفق الحضاري بإطلاق بل أبقى عليه بشرط اعتباره أفقاً نسبياً يعلو عليه الأفق الكوني الذي هو الفطرة ( = الإسلام) التي تجمع الشعوب والقبائل المكلفة بالتعارف والتدافع تنافساً من أجل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أو من أجل تحقيق أسمى ما في أصناف القيم من مثل يسعى إليها الإنسان بمقتضى الفطرة رغم اختلاف الآفاق الحضارية العينية بل وبفضل تنوعها ذاته.
فتكون الهوية بذلك أمراً اصطناعياً لا ينبغي أن يستثني الغير إلا في حدود المواضعة التي وضع لأجلها دون أن يكون ذا مدى وجودي أو قيمي يقتتل من أجله البشر، إنها:
1 ـ تحديد الحيز الدوري بما يحصل فيه من تحقيق أصناف القيم إنتاجاً وحفظاً وتبادلاً واستهلاكاً.
2 ـ وتحديد الحيز السلمي بنفس المحدد.
3 ـ وتحديد الحيز الزماني بنفس المحدد.
4 ـ تحديد الفضاء المكاني بنفس المحدد.
5 ـ وتحديد الحيز الكلي المتعالي عليها جميعاً والمحرر من أسرها بنفس المحدد.
ومن هنا فإن الهوية هي في هذه الحالة المجال المغناطيسي الموحد لهذه المجالات الخمسة بصفتها مؤسسة ذات حصول تاريخي وليست طبيعة أزلية وأبدية. وقد كانت عند المسلمين مفتوحة في الداخل (توكيد الحركية حيث ينتقل الأشخاص بين الرتب بحسب الجهد الشخصي دون حدود ونفي الطبقية) وفي الخارج (السواسية ونفي العنصرية) وبالقياس إلى التحديدات المكانية (أهمية الهجرة والرحلة) وفي الزمان (الوصل بين القديم والحديث) وفي السلم (رفض الفروق الرتبية رغم تعدد الأدوار وهو ما يعيبه هيجل على المسلمين ويعتبره حائلاً دون تكون دولة مستقرة ومن ثم دون بناء الحضارات) والدورية (المقاصد الخمسة جعلت المال والعقل والنفس والعرض الخ ... قيم شرعية من نفس القيمة) والكلية (العالم الدنيوي ليس عديم القيمة كما هو الشأن في الأديان الأخرى بل هو شرط القيمة المعنى الأخروي).
والجمع بين كل هذه الخصائص حددها القرآن الكريم بخاصية الوساطة الشارطة للشهادة على العالمين وعرف ذلك بصفتين ذكرهما وكنى عليهما بثمرتيهما. فأما الصفة الأولى فهي صفة نظرية هي الإيمان وقد كنى عليه بالتواصي بالحق أعني الاجتهاد بما هو واجب عين في غياب المؤسسة المنفية أعني السلطان الروحي المتعالي على الشخص المؤمن لكون الإسلام قد نفاه (نفي الكنيسة) وهو اجتهاد لا يقيده إلا عدم الخروج عن الإجماع حول شروط الحياة الجماعية التي تحددها الجماعة بحسب حاجات العصر (من هنا صيغة المشاركة). وأما الصفة الثانية فهي صفة عملية هي العمل الصالح وقد كنى عليه بالتواصي بالصبر أعني الجهاد بما هو واجب عين في غياب المؤسسة المادية أعني السلطان الزماني المتعالي على الشخص المؤمن لكون الإسلام قد نفاه (لا طاعة لأولي الأمر في معصية الله) بنفس القيد حول شروط الحياة الجماعية (من هنا صيغة المشاركة كذلك). ولا يعني ذلك نفي الدولة بل هو يعني نفي تعاليها على الضمير الشخصي: كل مؤمن يتعالى على الدولة بضميره الديني والخلقي الذي يجعله حكماً يتعالى على كل سلاطين الدنيا. وتلك هيا لديموقراطية الحقيقية الوحيدة.
وقد حدد الإسلام الانتساب إلى هذه الهوية المفتوحة بحيث يمكن لكل إنسان أن ينتسب إليها بمجرد تحقيق الشرط المطلوب (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) في شكلين: إنشائي يجعل الهوية مشروعاً مفتوحاً علينا العمل لتحقيقه كما أمرتنا بذلك الآية الكريمة: (ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون) آل عمران/ 104، وخبري يجعلها حقيقة بشرنا بكوننا نستطيع تحقيقها كما أخبرتنا بذلك الآية (كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله ولو آمن أهل الكتاب لكان خيراً لهم منهم المؤمنون وأكثرهم الفاسقون) آل عمران/ 110. وبذلك تكون هويتنا هي هوية كل مَن يريد أن قوم بهذا الدور ليكون قواماً بالقسط شاهداً على مَن لا يقوم بهذه الوظيفة الاستخلافية.
بالقياس إلى المطلق: مفهوم الشيء جامعاً لوحدة المقياسين السابقين
بدأنا هذه المحاولة بما بعد الطبيعة فحددنا الموقف من الأفق بالقياس إلى التصور الذي فرضته السنة اليونانية اللاتينية فلسفياً ثم انتقلنا إلى ما بعد التاريخ فحددنا الموقف منه بالقياس إلى التصور الذي فرضته السنة اليهودية المسيحية دينيا، فلنعد غليهما في غايتها لتحديده بالقياس إلى المطلق وبصرف النظر عن إصلاح التحريفين اللذين اكتمل تعينهما الآن في العولمة التي صارت أفقاً منغلقاً. فَبُعدا ما بعد الطبيعة يحددان الهوية من حيث هي مبدأ عقلي ومن حيث هي طبيعة. وبعدا ما بعد التاريخ يحددانها من حيث هي مبدأ روحي ومن حيث هي شريعة. وعلينا الآن أن نحدد الجامع بين هذه الأبعاد لكونها تجتمع في مفهوم الشيء بما هو أثر المشيئة المقومة بمعنيي التقويم: القيام والقيمة. وقد ميز ابن تيميه (في ردوده على الفلاسفة وخاصة على المتصوفة الذين يرفضون الفرق بين الأمر الكوني والأمر الشرعي) بين الوجهين بأن نسب الأول إلى علاقة الإنسان (وغيره من الموجودات) بالله من حيث كان الإنسان مخلوقاً (يستمد قيامه الوجودي من خالقه) ونسب الثاني إلى علاقته بالله من حيث كان عابداً (يستمد قيمته أعني حريته وخلقه من مكلفه). ويسمي المستوى الأول من وجود الإنسان بمستوى الأمر الخلقي (بكسر الخاء) والمستوى الثاني بالأمر الشرعي. والأول هو مجال الضرورة والثاني هو مجال الحرية. وهو في الحالتين شيء بمعنى ثمرة فعل المشيئة.
ويمكن أن نفهم أن يكون المخاطب بمعنيي الخطاب الخالق (التكوين) والشارع (التكليف) حاصلاً بفضل فعل الخطاب وليس متقدماً عليه. وفي الحققة فإن فعل الخلق والتكليف الواردين في آيات التكوين والتشريع كلها لا يشترطان أن يتقدم عليهما المخلوق والمكلف في شكل طبيعة معدومة (شيئية المعدوم المعتزلية أو الثوابت في العدم الحاتمية) أو موجودة (القوى في المادة الأولى المشائية أو القوى في اللامحدد أو المثال اللقيط الأفلاطوني) بل يمكن تصور المخلوق ((الذي أتى عليه حين من الدهر لم يكن فيه شيئاً مذكوراً)) والمكلف قد صار شيئاً بفعل تكوينه أو الإرادة الخالقة والمشرعة في نفس الوقت مما يجعل الإسلام إيماناً طبيعياً (معلوماً بالعقل) ومنزلاً (معلوماً بالوحي) لكونه أمراً فطرياً مكتوباً في الإرث البايولوجي كما ترمز إلى ذلك الآيتان الكريمتان:
(وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم؟ قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين أو تقولوا إنما أشرك آباءنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم أفتهلكنا بما فعل المبطلون).
وهكذا فإن هوية الإنسان المخلوقة وهويته المشروعة كلتاهما خلقة توقيفية تتحدد بهذين الفعلين وليست طبيعة ثابتة أو أمراً نهائياً بل هي تتغير مضموناً بفعل التاريخ رغم ثباتها شكلاً بحسب ما يطرأ عليها بفعل الخلق وما يحدده لها الشرع من أطر مؤسسية يس فيها من ثابت إلا الشكل لكون مضمونها هو مجال الاجتهاد اللامحدود لكونه هو عينه الاعتبار والامتحان في أداء الأمانة التي هي عينها تحقيق أصناف القيم. فتكون الهوية في نفس الوقت ذات خصائص قريبة من الطبائع (شكلاً) دون أن تكون طبيعة فحسب وخصائص تجعلها قريبة من الشرائع (مضموناً) دون أن تكون شريعة فحسب: لذلك فهي فطرة أي طبيعة مشروعة وشريعة مطبوعة يعطاها الإنسان شكلاً دون مضمون محدد تحديداً قبلياً وعليه أن يحددها بفعلي الاجتهاد النظري والجهاد العملي كما حددناهما.

المقالة: | قبل | بعد | | عناوين المقالات | عناوين جميع المقالات

 © حقوق الطبع محفوظة للبلاغ
Copyright © 2000 alblagh ORG. All rights reserved. info@balagh.com