للمشاركة وإبداء الرأي أضغط هنا


ملفات ساخنة

المقالة: | قبل | بعد | | عناوين المقالات | عناوين جميع المقالات
انتخابات العراق.. نظرة نحو أفق بعيد
الانتخابات العراقية واهمية الموقف

جيم هوغلاند *
ستؤدي الانتخابات العراقية إلى سيل من البيانات وشرائط الفيديو المتعلقة بالأحداث الدرامية دقيقة بدقيقة أو ساعة بساعة، كما يشير التعبير الصحافي في وصف أحداث اليوم. ومع التقدير لذلك، إلا أن علينا التطلع إلى المؤرخين وعلماء المستقبل والشعراء، لنفهم معنى هذه اللحظة في العراق القديم.
يؤكد قدوم مثل هذا اليوم، على المستوى الشخصي على الأقل، والذي يستعد فيه العراقيون لمواجهة القنابل والرصاص للتصويت من أجل مجلس دستوري، يؤكد عقودا من الأمل الذي لا يستصحب المنطق، وغضبا لا يتلاشى في مقابل ثقة لا تتزعزع بقدرة الإنسان على التغيير من أجل الافضل، بغض النظر عن المنطقة أو الحضارة التي ينتمي إليها.
وبالرغم من نواقص وخطورة هذا الاقتراع ونتائجه، فهو دليل على مرونة الروح الإنسانية. وبدا جوزيف كونراد كما لو أنه كان يكتب عن العراقيين عندما قال: «إنه الإنسان الذي لا يقهر بسبب قدرته على مقاومة البؤس والألم». أو وليام فوكنر الذي بدا كما لو كأنه يفكر في بغداد عندما قال أمام تجمع للحائزين جائزة نوبل: «الإنسان لن يتحمل فقط، ولكنه سيسود».
وسيصوت أكراد شمال العراق، الذين كانوا في يوم من الأيام ضحايا حملات التطهير العرقي التي قادها صدام حسين، للحفاظ وربما نشر الهدوء النسبي والمؤسسات الديمقراطية التي أسسوها من خندقهم خلف متاريسهم. وذلك، وبأي مقياس حضاري، هو التقدم بعينه، التقدم الذي يبدو من غير المنطقي التطلع إليه لقبحه باستدعاء تلك الصورة التي تجاهل فيها العالم شعب العراق، بل وخذله حقا بالوقوف إلى جانب صدام حسين، لـ«ضمان» الحصول على نفط العراق.
وقد شن الشيعة، الذين كانوا ضحايا الحرمان والقمع، حملة سلمية لعدة شهور، من أجل حكم الأغلبية الذي يستحقونه ويجب تحقيقه اليوم، فيما اتبعوا، لمدة عامين تقريبا، القيادة الصبورة «الهادئة» لآية الله العظمى على السيستاني، وتحدوا التوقعات التي أشارت إلى أنهم سيفعلون مع الأقلية السنية ما حدث معهم، بشن حملات تطهير وحرب أهلية للانتقام، فتسامحوا مع الحرب الأهلية التي تشنها عليهم قوات السلفيين المتطرفة وبقايا البعث.
وربما لا يستطيع المسلمون العرب السنة في العراق، أو يرغبون في التصويت بأعداد كبيرة لانتخاب أعضاء المجلس الوطني المكون من 275 نائبا، والمنوط بهم تشكيل حكومة انتقالية، ومندوبين للمشاركة في صياغة دستور جديد للبلاد بنهاية منتصف أغسطس (آب) المقبل، إلا أن الانتخابات ستدفع بالعراقيين السنة إلى عراق جديد، تتنافس فيه الممارسة السياسة المفتوحة مع تلك الفصول من العنف الذي ستواجهه بهدف تحديد مصير البلاد. وسيتوصل المسلمون السنة في الغالب إلى طرق المشاركة في صياغة الدستور، حتى إذا لم يشاركوا في الانتخابات بأعداد كبيرة.
ستؤدي الانتخابات إلى تحديد وتقييد آثار الماضي، والذي سيكون هناك في ذاكرة العراقيين، من أجل إدراك كامل لطبيعته وأبعادها، من أجل أن لا يتكرر، فيما ستفتح الانتخابات أبواب مستقبل يجب أن يتجه فيه الأميركيون والعراقيون صوب إنهاء الاحتلال العسكري، الذي أصبح عبئا على الجميع.
وإلى ذلك يصبح وضع نهاية حقيقية للاحتلال، هو المهمة الرئيسية للحكومة العراقية، التي ستأتي بعد أسابيع من فرز الأصوات، والتفاوض والاتفاق بين المرشحين الفائزين. ويجب ألا نستبعد هنا سماع كلمات من شاكلة «فوضى»، أو دعوة بعض دول الجوار، للعودة إلى فرض الاستقرار، من خلال سياسة «الرجل القوي».
ما يمكن قوله هنا، هو أن الأكراد في الشمال والشيعة في الجنوب، قد أثبتوا أن مناطقهم لم تعد تتحمل أي حكم دكتاتوري. ويمكن القول أيضا أن انتخابات اليوم، التي ستسفر عن تكوين حكومة انتقالية حتى نهاية العام، ستكون بمثابة آخر مسمار في نعش دعاوى إرهاب الدولة، والذي سبق أن تمت ممارسته بحجة الدفاع عن الوحدة الوطنية.
وأخيرا، فالأميركيون على حق في التحقق والتساؤل بشأن التكلفة في الأرواح والاضطراب في المنطقة، والتقدم غير المنتظم في العراق، وكذلك الأمر بالنسبة للبريطانيين وآخرين ممن ساهموا في تحقيق هذه الحرية.
ولنا أن نذكر في هذا السياق أن قصة العراق لم تبدأ بغزو قوات التحالف، كما لن تنته بانتهاء الواجبات القتالية للقوات الأجنبية هناك. ربما يتركز اهتمام وسائل الإعلام اليوم بالجانب الآني فقط، أي إجراء الانتخابات في حد ذاتها، بدون الالتفات إلى الجانب الأكثر أهمية، وهو أن العالم سيشهد توسيع دائرة الحرية الإنسانية، التي تجب رؤيتها من خلال منظور الماضي والمستقبل.
* خدمة مجموعة كتاب الـ«واشنطن بوست»

المقالة: | قبل | بعد | | عناوين المقالات | عناوين جميع المقالات

 © حقوق الطبع محفوظة للبلاغ
Copyright © 2000 alblagh ORG. All rights reserved. info@balagh.com