للمشاركة وإبداء الرأي أضغط هنا


ملفات ساخنة

المقالة: | قبل | بعد | | عناوين المقالات | عناوين جميع المقالات
اصداء نهضة الحسين
نتائج وآثار

قيمة كلّ عمل رسـالي أو سياسي تُقاس بقدر ما يعطي من نتـائج وآثار ، وما يترك من تأثير الخير والتغيير البنّاء في حياة الانسان; والاحداث والاعمال السياسية والاجتماعية قد تعطي نتائجها عطاءً مباشراً ومتصلاً ، وقد تتخلّف الاثار والنتائج عن الاسباب السياسية تخلّفاً زمنيّاً ، وتبقى تتفاعل وتؤثّر إلى ما بعد الحدث بفترات زمنيّة قد تطول وقد تقصر، كما قد يكون تأثير الحدث السياسي والاجتماعي محدوداً ورهيناً بظروف واُطُر زمنيّة محدودة، وقد يكون تأثيره واسعاً وممتداً عبر مساحات وامتدادات زمنيّة واجتماعية مختلفة .
وثورة الحسين (ع) ثورة رائدة فذّة العطاء ، غنيّة القيمة والتأثير ، واسعة الاهداف ، فلم يكن هدفها مركّزاً في استلام السّلطة وحسب ، وإن كانت السّلطة أداةً وضرورةً سياسيةً في نظر الامام الحسين (ع) لتغيير الاوضاع وإصلاح المجتمع وممارسة عمليّة البناء والتوجيه ، وإنّما كان يستهدف أهدافاً كثيرة قريبة وبعيدة ، لقد كان يجري في فهمه للسّلطة على المبدأ الّذي ثبّته أبوه : «اللّهمّ إنّك تعلم أ نّه لم يكن الّذي كان منّا منافسةً في سُلطان ، ولا التماسَ شيء مِن فضول الحُطام ، ولكن لِنَرِدَّ المَعالِمَ مِن دينك ، ونُظهِرَ الاصلاحَ في بلادِك ، وتُقامَ المُعطّلةُ من حدودِكَ ، فيأمنَ المظلومون من عبادِك» .
لقد كان الامام الحسين (ع) يستهدف من حركته الجهادية الكبرى عدّة أهداف منها :
1 ـ تغيير الاوضاع السياسية واستبدال الجهاز الحاكم واسلوب الادارة والسياسة، والتعامل مع الاُمّة وفق الموازين والمقاييس الّتي ثبّتها الاسلام .
2 ـ إيقاظ الحس والوعي السياسي للاُمّة ، وجعلها جهاز مراقبة للسلطة ، متى ما انحرفت عن المبادئ أو تخلّت عن تطبيق الاحكام والقوانين الاسلامية .
3 ـ تثبيت مبدأ شرعية القوّة والمقاومة المسلّحة للحاكم الظالم .
4 ـ إعادةُ تربية الاُمّةِ وبنائِها ، تربيةً وبناءً سليماً .
5 ـ تصحيح الانحراف وتطبيق أحكام الشريعة وقوانينها .
6 ـ كسر حاجز الخوف والارهاب المفروض على الاُمّة وتحريك روح الثورة والفداء فيها .
وما أن تحرّك الحسين (ع) ـ وقد كان واضحاً لديه أنّ الثورة قد لا تنجح نجاحاً عسكرياً إلاّ انّها ستكون بداية لتحريك جماهير الاُمّة وإثارة روح المقاومة والنهوض فيها ـ ، ما أنْ تحرّك واستُشْهِدَ حتّى وقفت السّلطة الحاكمة على شفا جُرُف هار ، وفوهةِ بُركان مُدمِّر ، وبدأت الانفجارات والثورات ، وبدأت السّلطة الحاكمة تترنّحُ ، وتفقدُ ارتبـاطها بالاُمّة وتسـتعملُ القمعَ والارهابَ كأسلوب لاسكاتِ الاصوات وكبت الحرِّيّات ، وبدأت أحاسيس الشعور بالذنب والجريمة من قتل الحسين (ع)،إمام الاُمّة وسبط رسول الله(ص)، وبدأت سُحُبُ العاصفة ونُذُرُ الانفجار تتجمّع في النفوس، وظهرت بشكل ردود فعل مسلّحة عنيفة، كما مهّدت حركتُهُ السّبيلَ وهيّأت الاجواء والظروف السياسية والنفسية لحركات اُخرى أنْ تَظهرَ وتُقاوِمَ الحُكمَ الاموي وتعمل على إضعافه،حتّى انتهى الامر بسقوط الامويين في نهاية المطاف،وكان لثورة الحسين(ع)،ولدم الحسين(ع)القسطُ الاوفرُ في هدمِ هذا الكيان وإزالة وجوده.
فمثلاً فسحت ثورةُ الحسين (ع) الفرصةَ أمام عبدالله بن الزُّبير أن يتحرّك في مكّة وأن يخلعَ سُلطةَ يزيد ويُعلِنَ الثورة الّتي رفضت الامويين وكادت أن تستولي على أطراف الدولة كافّة .
لقد صوّر موقف تاريخي لوحة الاحـداث ، ورسمها بشكل موجز ومعبِّر لاثار ونتائج ثورة الحسين(ع).
ذكر اليعقـوبي في تاريخه : «إنّ أحد الاشخاص قال : دخلت على عبدالملك بن مروان وبين يديه رأسُ مصعب بن الزُّبير فقلت : يا أمير المؤمنين ! لقد رأيتُ في هذا الموضع عجباً ، قال : وما رأيت ؟ قال : رأيتُ رأسَ الحسـين بن عليّ (ع) بين يدي عُبيدالله بن زياد ، ورأيتُ رأسَ عُبيدالله بن زياد بين يدي المختار بن عبيدة ، ورأيتُ رأسَ المختار بن عبيدة بين يدي مصعب بن الزُّبير ، ورأيتُ رأسَ مصعب بن الزُّبير بين يديك» .
وأعلنَ أهل المدينة الثورة على يزيد وعلى واليه عثمان بن محمّد بن أبي سفيان ، وطردوه ، وطردوا مَن كان مِن بني اُميّة بالمدينة .
وكان يقود أهل المدينة عبدالله بن حنظلة(غسيل الملائكة)بن أبي عامر،فهاجم جيش أهل الشّام المدينة المنوّرة،فَسُفِكَت الدماءُ وهُتِكَت الحُرُماتُ،واستُبيحتْ مدينةُ رسول الله (ص)، وقد وصف اليعقوبي حوادث المدينة وثورتها وما حلّ بأهلها من محنة وعدوان :
«فلم يبق معها كثيرُ أحد إلاّ قُتِل ، وأباح حُرَمَ رسول الله (ص) حتّى ولدتِ الابكارُ لا يُعرَف مَن أَوْلَدَهُنّ ، ثمّ أخذَ الناسُ أن يُبايعوا على أ نّهم عبيد ليزيد بن معاوية» .
وتلك الاحداث والوقائع تكشف لنا عن مدى فهم الرأي العام لشخصية يزيد،فأحداث المدينة هذه تذكِّرنا بقول عبدالله بن مطيع للامام الحسين (ع):«فوَالله لئن هلكتَ لَنُسْتَرَقَنّ بعدك».
لقد بدأت الثورات وردود الفعل تُطالب بدم الحسين (ع) والاقتصاص مِنَ القَتَلَة ، وتَحوّلَ الحسين إلى شعار سياسي وقوّة محرِّكة في تاريخ الصِّراع ، فقامت ثورة التوّابين في الكوفة الّتي قادها سليمان بن صُرَد الخزاعي والمسيب بن نجبة الفزاري ورفعوا شعار التوبة والتكفير عن تخلّفهم عن نصرة الحسين (ع) ومقاتلة بني اُميّة ، والثأر لدم الحسين ، وقامت ثورة المختار بن عبيدة الثقفي وإبراهيم بن مالك الاشتر عام (66 هـ ) ، ونادوا بشـعار : «يا لِثارات الحسـين» . وتتبّـعوا قَتَلةَ الحسين (ع) ، فاستأصلوهم وقتلوهم ، فقتلوا عُبيدالله بن زياد والحُصينَ بن نمير وعُمَرَ بن سعد .
واستمرّت روح المقاومة حتّى سقط الحكم الاموي على يد الثورة العباسية الّتي كانت تدعو في ظاهرها لاعادة الحكم لال البيت النبوي (ع) .
وهكذا أجّج دمُ الحسين (ع) نار الثورة ضدّ الحكم الاموي وهزّ كيانهم ووجودهم السياسي، حتّى قضى عليهم ولم يقضوا عليه ، بل خُلِّدَ شعاراً للثوّار، ومناراً للاحرار، ومدرسةً للكفاحِ والحرِّيّة ، فسلامٌ عليهِ يومَ وُلِدَ ويومَ استُشْهِدَ ويومَ يُبْعَثُ حيّاً .

المقالة: | قبل | بعد | | عناوين المقالات | عناوين جميع المقالات

 © حقوق الطبع محفوظة للبلاغ
Copyright © 2000 alblagh ORG. All rights reserved. info@balagh.com