|
عبدالوهاب بدرخان
رهانات كثيرة سقطت في تشييع رفيق الحريري ورفاقه كما في تظاهرة الاثنين. رهانات قديمة مريضة، رهانات تخريبية، سقطت في لبنان. لا يمكن اشعال حرب أهلية، ولا يمكن تركيب نزاع طائفي مهما بلغ الافتعال. اللبنانيون في مزاج آخر تماماً، ولا يحبذون العودة الى لعبة جهنمية سبق أن جربوها وخبروها. ليس هناك الآن مناخ شحن طائفي، ولا هناك انقسام مرشح لأن يتحول اقتتالاً، وإنما هناك نقمة عارمة وحّدت الأجيال والفئات، بل هناك غضب بات يعبّر عن نفسه بمطالب سياسية لا لبس فيها، وبشكل مسالم مصرّ على سلميته.
إزاء مثل هذا الوضع اسقط في يد «الدولة الأمنية» القائمة بجناحيها، اللبناني والسوري، وبدت غافلة عما يحصل وعما يعتمل في المجتمع. تكدست الأجهزة الأمنية وتضخمت صلاحياتها وبالتالي كثرت اخطاؤها. نسيت أنها وجدت أصلاً لتحمي النظام وحقوق المواطنين فأصبحت هي نفسها هذا النظام الذي أصبح من توابعها. ولا شك أن هناك في هذه الأجهزة من أخطأ على نحو فادح في قراءة ما يحصل سواء في المعارضة أو في المجتمع، أو قرأ ولم يفهم، او قرأ ولم يرد أن يفهم، أو أخيراً قرأ ولم يشأ أن يعترف بالحقائق.
من الواضح أن هناك «تقارير» خبيثة، أو بالأحرى ملفقة ورخيصة، هي التي أفسدت الأجواء وأوغرت الصدور وساهمت في «تخوين» هذا واتهام ذاك بالضلوع في «مؤامرة"، مع أن كل شيء يدور أمام عيون المخبرين والبصاصين، واللعبة تتحقق أمام الكاميرات. العلنية هي التي تحمي المعارضة اليوم، ليس برموزها وأشخاصها السياسيين، وإنما بمواطنيها ولا سيما بشبابها. لكنها تبقى حماية تحت رحمة الأجهزة التي لا يزال في إمكانها أن ترتكب المزيد من الأخطاء سواء بالقمع العاري أو بالقمع المبطن أو بالاعتماد على العملاء استدراجاً للقمع.
دولة الأجهزة و"التقارير» أطلقت النار على نفسها عندما اغتالت رفيق الحريري. حملته مسؤولية صدور القرار 1559، وكأن هذا القرار لا يمثل سياسة دولية ولا يمكن أن يكون من صنع شخص مهما كبر نفوذه. إذاً، ما القول اليوم بكل ما تردد خلال ثلاثة أيام في بروكسيل، ومن صنع هذه المواقف الأميركية والأوروبية، وما العمل مع هذه الإرادة الدولية الساعية الى ملاقاة المجتمع اللبناني في تحركه؟ أصبح الانسحاب السوري من لبنان على جدول الأعمال الدولي. وما كان يجب تدويله، ولو بادر الطرفان المعنيان الى طرحه والتعامل معه بواقعية وأخوة لما كان التدويل. لا شك أن اهمال المطالبات اللبنانية والنصائح العربية وتجاهل المتغيرات أو التعامي عنها أدت الى هذه النتيجة.
التدويل لا يعني في اي حال انسحاباً مشرفاً. وإذ طرحت احتمالات «إعادة الانتشار» وفقاً لاتفاق الطائف فإن المجتمع الدولي بات يعتبر أن الانسحاب يجب أن يكون «أبعد» من الطائف. ومن المؤسف أن تكون الأمور تطورت الى هذا الحد، وفي ذلك خسارة كبيرة للبنان، وأيضاً لسورية، وهما جاران محكومان بالتعايش والتعاون. ومهما كانت المآخذ ما كان يجوز أن تنتهي تجربة الثلاثين سنة الى وضع سلبي يشبه الأيام الغابرة، أيام الانغلاق والتنابذ. هذا فشل تاريخي لا بد أن تتحدد مسؤوليته بوضوح. لم يكن الخطأ في تغيّر الموقف اللبناني، بل كان من غير الطبيعي أن لا يتغيّر، الخطأ في عدم استباق التغيير والتهيؤ للتعامل معه بمرونة واحترام.
الانسحاب المشرّف فقد، للأسف، الكثير من إمكاناته، خصوصاً بعد اغتيال رجل تبين أنه كان في ضمير الناس. من خطط للاغتيال اهتم باعتباراته الخاصة ولم يحسب حساب ما بعد الجريمة. كل شيء كان واضح التدهور منذ فرض التمديد للرئيس اميل لحود، وتعجيز الرئيس الحريري في تشكيل حكومة، ثم المجيء بحكومة بلا أي طموح ولا أي تفاعل مع المجتمع. لا بد من تصحيح الأخطاء في الأيام المقبلة، وبسرعة، كي يمكن التعامل مع استحقاقات المرحلة المقبلة. ولكن كيف، وهل لا يزال العقل السياسي نفسه قادراً ومؤهلاً للإقدام على مبادرات مؤلمة لكن لا بد منها.
الانسحاب المشرّف هو الضمان لعلاقات وثيقة وسوية ومميزة بين البلدين، وفقاً لخيارات حرة ومتوازنة. ويستلزم ذلك حكومة أخرى. لكن حذار الوقوع في أزمة حكم يمكن أن تديم الوضع القائم لوقت زائد لا لزوم له. من هنا الحاجة الى حوار داخلي لوضع برنامج الاستحقاقات بما فيها الانتخابات الاشتراعية وانتخابات رئاسة وحكومة تنبثق من نتائج الانتخابات. هذه مهمة كبيرة وصعبة، لكنها غير مستحيلة، وكل ما تحتاجه هو اشارة الانطلاق. هذه الاشارة لا بد أن تكون مبادرة سورية جريئة تلتقي مع المعارضة في منتصف الطريق.
دار الحياة
|