للمشاركة وإبداء الرأي أضغط هنا


ملفات ساخنة

المقالة: | قبل | بعد | | عناوين المقالات | عناوين جميع المقالات
هل يمكن لسورية أن تخرج بسلام من الأزمة اللبنانية؟
سوريا في مهب الريح

:د. حسن نافعة
لا يخالجني أدنى شك في أن سوريا هي أكثر المتضررين من عملية اغتيال رفيق الحريري، وبالتالي فالمنطق يقول باستحالة ضلوع سوريا في ارتكاب تلك الجريمة البشعة، اللهم إلا إذا كانت قد قررت، وبمحض إرادتها، أن تقدم على عمل من أعمال الانتحار السياسي، أو أن يكون قد أصاب قيادتها السياسية مس من جنون، وهو ما لا توجد عليه شواهد واضحة حتى الآن. ومع ذلك فالاتهامات الموجهة إلى سوريا، على الأقل من منطلق مسؤوليتها المباشرة أو غير المباشرة عما حدث، ليست بلا أساس. نعم: قد يكون من قبيل المبالغة التعامل مع الوجود السوري في لبنان بالطريقة نفسها التي نتعامل بها مع الوجود الإسرائيلي في الضفة الغربية وغزة أو في الجولان أو في مزارع شبعا، أو التعامل مع الحكومة اللبنانية بالطريقة نفسها التي نتعامل بها مع السلطة الفلسطينية مثلا. ومع ذلك فالجميع يسلم، بما في ذلك المتفهمون لدوافع الوجود السوري في لبنان أو حتى المؤيدون له، بأن لسوريا نفوذاً سياسياً قوياً في لبنان، ولها حضور أمني ومخابراتي على الأرض، وهو حضور ملموس غير قابل للإنكار، فضلا عن أن تحقيق الأمن والاستقرار هو أحد مبررات الوجود السوري في لبنان، والتي إن انتفت تصبح المطالبة بإنهائه وبرحيل القوات السورية كليا من لبنان أمرا طبيعيا ومنطقيا. ومن هنا يتعين على سوريا أن تدرك أنها باتت تواجه مأزقا كبيرا في لبنان، وأن سبيل الخروج منه لم يعد أمرا سهلا. لكن كيف نفهم طبيعة هذا المأزق وحقيقته، وما هي سبل الخروج المتاحة منه ؟ لفهم طبيعة المأزق السوري في لبنان علينا أن نتذكر أن لبنان كان دائما مسرحا للصراع على النفوذ من جانب قوى إقليمية ودولية متعددة. وطوال فترة الحرب الأهلية التي اندلعت في السبعينات احتدم الصراع بين أربع قوى دولية وإقليمية هي: سوريا وإسرائيل والولايات المتحدة وفرنسا، من ناحية، وفصائل الشعب اللبناني، والتي راهن كل منها على طرف أو أكثر من الأطراف الدولية والإقليمية المتصارعة، من ناحية أخرى. غير أن سوريا كانت قد تمكنت في النهاية من حسم الصراع لصالحها، مستغلة، وبمهارة شديدة، عوامل دولية وإقليمية كان أهمها وآخرها الاحتلال العراقي للكويت. فقد أدت حاجة القطب الأميركي وقتها للدور السوري في التحالف المناهض للعراق إلى توفير الشروط الموضوعية لصفقة بدت حينئذ متكافئة من وجهة نظر الطرفين. فقد قبلت سوريا آنذاك أن تشارك في هذا التحالف مقابل انفرادها بالنفوذ في لبنان. وحين وافقت الولايات المتحدة على الصفقة لم يكن أمام الأطراف الدولية والإقليمية الأخرى المتنافسة سوى الإذعان والانسحاب من الساحة ولو مؤقتا. غير أنه كان من الطبيعي أن تنتهي هذه المرحلة من الصراع على النفوذ في لبنان، عمليا، في اللحظة نفسها التي قررت فيها الولايات المتحدة احتلال العراق. فلم تكن هناك حاجة أميركية لدور سوري في حرب أصرت على شنها منفردة، ولم يكن بمقدور النظام السوري أن يكون شريكا في حرب عدوانية على دولة عربية شقيقة، وإلا فقد شرعية وجوده ودوره من المنظور الشعبي العربي. وفي تقديري أن الولايات المتحدة احتلت العراق كجزء من مخطط شامل يستهدف تغيير الخريطة السياسية للشرق الأوسط أصرت على المضي قدما في تنفيذه بعد احدث 11 سبتمبر. ويشمل هذا المخطط العمل على إسقاط النظامين السوري والإيراني، واللذين يقفان حجر عثرة أمام تسوية للصراع في الشرق الوسط بالشروط الإسرائيلية. وإذا كانت الولايات المتحدة قد اضطرت لتأجيل التحرك العملي على هذا الصعيد بسبب انغماسها في الوحل العراقي، إلا أنها لم ولن تتخلى قط عن أهدافها. وقد بدأت الإدارة الأميركية، خاصة بعد إعادة انتخاب جورج دبليو بوش لولاية ثانية، عمليات التسخين وإعداد المسرح الدولي لضرب إيران، ولوجا من باب أسلحة الدمار الشامل، وضرب سوريا، ولوجا من الباب اللبناني. ولم يكن «قانون معاقبة سوريا» سوى خطوة صغيرة على الطريق تسبق وتمهد لقرار بدء تحريك وتأليب الساحة اللبنانية ضد سوريا، والذي يبدو أنه كان قد اتخذ منذ عدة أشهر ولم يكن ينتظر بدوره سوى اللحظة الملائمة لإطلاقه. استعدادا للخطوة الحاسمة والمتمثلة في شن الضربة القاضية. وربما كان الخوف السوري من العاصفة الأميركية المتجمعة في الأفق هو الذي دفعها للإلقاء بثقلها وراء التمديد للعماد إميل لحود تحسبا للأسوأ. غير أن مشاعر الخوف هذه هي التي دفعت سوريا في الوقت نفسه لارتكاب أكبر أخطائها السياسية في إدارة الأزمة اللبنانية حتى الآن. فالإصرار على التمديد للعماد اميل لحود تسبب في فقدانها حلفاء مهمين على الصعيد الخارجي أولا ثم على الصعيد الداخلي بعد ذلك. فقد أدى العناد السوري، على الصعيد الخارجي، إلى تقارب فرنسي-أميركي فتح الطريق أمام صدور قرار مجلس الأمن رقم 1559 وساعد على عزل سوريا دوليا، وعلى الصعيد الداخلي إلى التضحية برفيق الحريري وانتقاله إلى صفوف المعارضة لتبدأ مرحلة جديدة من الاحتقان السياسي الخطر في الحياة السياسية اللبنانية. أصبح لبنان عقب صدور القرار 1559، والذي يعد هزيمة سياسية لسوريا، في مهب الريح. فقد راحت الأحداث تسير في الاتجاه الذي أرادته له إسرائيل والولايات المتحدة الأميركية. ورغم أن القرار لم يوجه إدانة صريحة لسوريا أو حتى يشر إليها بالاسم، خاصة في فقراته العامة، وصدر في إطار الفصل السادس وليس السابع من الميثاق، ولم يأت مصحوبا بآليات تنفيذ أو بمهلة زمنية تفرض بعدها عقوبات. إلا أنه رتب بمجرد صدوره نتائج سياسية بالغة الأهمية بدأت تثير تفاعلات خطيرة في المنطقة أصبح من الصعب على الحكومتين السورية واللبنانية السيطرة عليها. فقد تضمن هذا القرار شروطا تعجيزية استحال عليهما تنفيذها. فانسحاب سوريا كليا من لبنان، وتفكيك بنية المقاومة المسلحة التي يقودها حزب الله وما يسمى بالتواجد الفلسطيني المسلح في لبنان، وطرد مكاتب المنظمات الفلسطينية الرافضة للتسوية بالشروط الإسرائيلية لا يعني. في نهاية المطاف، سوى شيء واحد وهو تسليم لبنان بالكامل للنفوذ الإسرائيلي الأميركي المشترك وتعريض أمن النظام والدولة والمجتمع في سوريا للتهديد المباشر. وفي هذا السياق بدأت تفاعلات محلية وإقليمية ودولية خطرة كانت بمثابة التمهيد الذي سبق العاصفة والتي انقضت على شخص رفيق الحريري. لم يكن من قبيل المصادفة أن يقع الاختيار على رفيق الحريري ليكون هدفا لهذه الضربة التي تبدو مدروسة بعناية فائقة. فالرجل لم يكن مجرد رئيس وزراء سابق أو رمز سياسي كبير، ولكنه كان بمثابة الجسر الذي يمكن أن تعبر عليه كل المحاولات الجادة لتسوية الأزمة على نحو يحقق طموح الشعب اللبناني في السيطرة على قراره ويحافظ في الوقت نفسه على المصالح القومية العربية العليا، بما فيها المصالح السورية. ولا شك في أن الأصابع المجرمة التي وضعت المتفجرات في طريق موكب الحريري لم تكن تستهدف اغتيال الشخص بقدر ما كانت تستهدف نسف هذا الجسر الوحيد المعلق وبالتالي قطع الطريق على أي محاولة جادة لتسوية الأزمة واحتوائها، وتعميق الهوة بين الأطراف المحلية ودفع الصراع بينها إلى نقطة اللاعودة وربما إلى حافة الحرب الأهلية. وللأسف فإن جميع المؤشرات تقول بأن التفاعلات المحلية والإقليمية والعالمية التي أفرزها الحدث تدفع بالساحة اللبنانية نحو هذا المنزلق الخطر، ودون كوابح. ولو نجح أعداء لبنان في تحويل هذا البلد الصغير الجميل إلى جماعات طائفية متناحرة اليوم، فسوف ينجحون غدا في تحويل العالم العربي كله إلى دويلات طائفية متناحرة تتحكم إسرائيل في ضبط إيقاع تفاعلاتها وتسخيرها لحسابها ولمصلحتها الخاصة. كان لبنان قد استطاع أن يحقق بعد توقف الحرب الأهلية معجزتين في آن واحد: معجزة التعمير، والتي أصبح رفيق الحريري رمزها وبطلها، ومعجزة التحرير، والتي أصبح الشيخ حسن نصر الله، رمزها وبطلها. وقد ساند كلاهما الآخر واستظل بظله. فما كان من الممكن أن يتم إنجاز التعمير في غياب المقاومة أو يتم إنجاز هدف التحرير في غياب عملية التعمير. فبينما وفر التعمير للمقاومة غطاء من وحدة وطنية كانت في أمس الحاجة إليه لحماية ظهرها، وفرت المقاومة لعملية التعمير غطاء من الردع كانت في أمس الحاجة إليه لضمان استمرارها. وحتى الأمس القريب كانت جميع الرموز، أي رموز التعمير والتحرير، قادرة على التعايش معا، في ظل صيغة محلية وإقليمية وفر التوافق الإيراني ـ السوري أساسا صلبا لها، خاصة في ظل الظروف والأوضاع الدولية والإقليمية التي استحدثها الغزو العراقي للكويت. غير أن أحداث سبتمبر، من ناحية، والاحتلال الأميركي للعراق، من ناحية أخرى، خلقا ظروفا وأوضاعا جديدة راحت تضغط بشدة على صيغة التعايش هذه وتهدد بتحطيمها. ولم تكن أزمة التمديد للرئيس لحود سوى أزمة كاشفة لطبيعة هذا التغير. والآن وبعد أن سقط رأس التعمير، فإن رأس المقاومة هي المطلوبة، لأنها هي الهدف النهائي والغاية الأسمى للعدو. والإطاحة برأس المقاومة معناه الإطاحة برقبة سوريا، وهذا ما لا يبدو أن بعض فصائل المعارضة اللبنانية تدركه، ولذلك يبدو خطابها السياسي، بوعي أو من دون وعي، وكأنه مصنوع مباشرة في واشنطن أو حتى تل أبيب. من الواضح أن هامش المناورة المتاح أمام سوريا أصبح الآن ضيقا للغاية. ورغم قناعتنا التامة بأن اغتيال الحريري يضر بمصالحها أكثر من أي طرف آخر، إلا أنه لن يكون بوسع سوريا أن تستعيد بعضا من زمام المبادرة إلا إذا نجحت في كشف الأيدي التي نفذت هذه الجريمة الشنيعة. فليكن هذا هو واجبها الأول الآن بعد أن أصبحت بدورها في مهب الريح. وعلى العالم العربي أن لا يسمح بتكرار السيناريو العراقي، مهما كان الثمن، وإلا فلن يمر وقت قريب حتى نرى الدبابات الأميركية والإسرائيلية تتحرك بكل حرية في شوارع كل العواصم العربية. ـ كاتب مصري
البيان

المقالة: | قبل | بعد | | عناوين المقالات | عناوين جميع المقالات

 © حقوق الطبع محفوظة للبلاغ
Copyright © 2000 alblagh ORG. All rights reserved. info@balagh.com