للمشاركة وإبداء الرأي أضغط هنا


ملفات ساخنة

المقالة: | قبل | بعد | | عناوين المقالات | عناوين جميع المقالات
اصداء نهضة الحسين
لماذا الثورة ؟ !

للاجابة على هذا السؤال الكبير ينبغي أن نضع نصب أعيننا الحقائق الاتية :
أوّلاً : تولّى يزيد بن معـاوية تدبير شؤون الاُمّة وهو غِرٌّ منحرف له خطورته على مستقبل الاُمّة ، ونَزِقٌ لم يحظ بأي نصيب من التربية الاسلامية السليمة ، فقد نشأ في بيت لم تُشرِقْ شمس الهداية الاسلامية في آفـاقه قطُّ ، ومن هنا فليس مِنَ الغرابة بمكان أن تؤكِّد النصوص التاريخيّة تعاطي يزيدُ الخمر ، والقمار ، وسائر أنواع السلوك المغاير للسلوك الاسلامي.
يزيد هذا ـ بشذوذه وتردِّيه ـ فضلاً عن جهله بالخبرات العملية للمهام الّتي اُنيطت به تولّى زعامة شؤون المسلمين !!!
وهذا ما أعطى كلّ الفرص لتكريس كلّ ألوان الانحراف عن الرسالة الغرّاء ، ومقوّماتها الاساسية ، بَيْدَ أنّ القوى المخلصة للرسـالة ـ والحسين إمامها ـ قد استفادت كثيراً من نقاط الضعف ، بل ومن التردّي المفضوح في شخصية هذا الحاكم، بالنظر إلى أنّ قطاعات واسعة في الاُمّة بدأت تعي إلى حدّ الوضوح منطلقات هذه الشخصية المغايرة للشخصية الاسلامية ، ممّا منح الرافضين للتحريف فرصة تبديد الجمود الّذي انتاب الذهنيّة العامّة بممارسة نوع من الايقاظ والتحريك لقطاعات الاُمّة باتّجاه المصلحة الاسلامية العليا ، الّتي باتت تفرض اللجوء إلى العنف على أعلى المستويات ، فها هو الحسين بطل الاسلام المخلّد يخطب في الجيش الاموي بقيادة الحرّ بن يزيد الرِّياحي، حين التقى معه في أرض العراق موضِّحاً أخطر جوانب الانحراف في الحكم الاموي :
« أ يُّها الناس ! إنّ رسول الله (ص) قال : مَن رأى سلطاناً جائراً ، مستحلاًّ لحرام الله ناكثاً لعهد الله ، مخالفاً لسنّة رسول الله (ص) ، يعمل في عباد الله بالاثم والعدوان ، فلم يغيِّر ما عليه بفعل ولا قول ، كان حقّاً على الله أن يدخله مدخله ; ألا وإنّ هؤلاء قد لزموا طاعةَ الشّيطان ، وتركوا طاعة الرّحمن ، وأظهروا الفسادَ ، وعطّلوا الحدودَ ، واستأثروا بالفيء ، وأحلّوا حرامَ الله ، وحرّموا حلالَه » .
وبهذه التصريحات والخطب وسواها يلقي الامام (ع) أضواء كاشفة على حقيقة الحكم الاموي ، ويستحث العواطف ويشحذ الهمم لنفض غبار الجهل بالواقع عن كاهل الاُمّة ، ورفض كل صيغ الاستسلام غير المشروع لحكمهم .
ثانياً : إنّ المستوى العام للاُمّة كمجموع ، دون المستوى المطلوب في مواجهة تيار الانحراف العاتي، وهذه حالة مَرَضية برزت بشكلها المؤلم بالميل إلى الراحة والسكون والاتّجاه نحو المصلحة الخاصّة وغياب الروح الجهادية عن المسرح الاجتماعي ، وقد تبلورت تلك الظاهرة الخطيرة ، بتكديس الاموال الطائلة لدى القيادات العليا في المجتمع الاسلامي ، بشكل يثير الدهشة.
ولئن كان أصحاب النفوذ في الاُمّة قد استغلّوا نفوذهم لجمع المال ، ومضاعفة الارباح، فإن قطاعات الاُمّة عامّة ، قد ظهر لديها هذا الميل الدنيوي بشكل مفضوح، فعبّر عن نفسه بالاخلاد إلى الرّاحة والطّمأنينة ، كبديل للرّوح الجهادية الّتي تتطلّب ركوب كلّ مشقّة ، وهي حالة تمخّضت عن ربع قرن من الزمان ـ على أقل تقدير ـ تغلّب فيها أصحاب التيّار النّفعي في الاُمّة ، واستحوذوا على مراكز التوجيه فيها .
وقد لا يبدو غريباً أن يقف كثير من رجالات المسلمين لابداء نصيحتهم للامام الحسين (ع) إبّان إعلان ثورته ، بعدم مواجهة الحكم الاموي ، خوفاً منهم عليه من الاستشهاد مع إدراكهم الحقيقي للانحراف الاموي من جهة وأحقيّة الامام الشهيد (ع) في التصدِّي للانحراف من جهة اُخرى ، فقد خاطبه (عمر الاطرف) بقوله : «حدّثني أبو محمّد الحسن عن أبيه أمير المؤمنين ، أ نّك مقتول فلو بايعت لكان خيراً لك» .
وفاتحه عبدالله بن عمر بن الخطّاب بضرورة عدم التصدِّي لبني اُميّة. كذلك فاتحه عبدالله بن الزُّبير ، هذا فضلاً عن جماعة من أهل بيته.
هذه بعض مظاهر غياب الروح النضالية لدى الغالبية العظمى من رجالات المسلمين، أمّا جماهير الاُمّة فقد سرت فيها هذه الروح السلبية بشكل مرعب،فأهل الكوفة مثلاً على ما بذلوه من مواثيق،وأيمان مُغلّظة في وعودهم المتكرِّرة بنصرة الحسين(ع)إنْ هو قَدِمَ إلى مِصْرَهم ـ كما عبّروا في رسائلهم الّتي بعـثوها إليه ـ .أهل الكوفة اُولئك قد تناسوا كل الّذي قطعوه على أنفسهم من تعهّدات ومواثيق أمام موجة الارهاب الّتي مارستها الطغمة المحلية الحاكمة الّتي يتزعّمها ابن زياد،إلى جانب الاموال الّتي بذلها الحكم والوعود والاغراءات العريضة.
ولعلّ في كلمة الفرزدق للحسين (ع) حين سأله عن أوضاع الناس في العراق : «قلوبهم معك ، وسيوفهم مع بني اُميّة» أدقّ وصف لغياب الشعور بالمسؤوليّة أمام الله والرسـالة لدى السّـواد الاعـظم ، والّتي كانت مظهراً جليّاً من مظاهر النِّفـاق الاجتماعي الّذي اجتاح الناس كنتيجة طبيعية لسياسة التخريب الامويّة للضمائر ـ كما أسلفنا ـ مما كان عاملاً أساسياً في نقض الناس لبيعة الحسين (ع) .
لقد كانت هذه الظواهر سبباً أساسياً من أسباب إعلان الثورة المباركة ، لكي يهزّ الضمائر الميتة الّتي لفّها ضباب التهالك على الحياة الدُّنيا ، لا نّه (ع) كان مُدْرِكاً بشكل قاطع أنّ حالـة الخنـوع الّتي تعيشها الاُمّـة وقتئذ ليس لها أي مبرِّر شرعي على الاطلاق ، بل إنّ الشريعة ذاتها تطرح ابتداءً مفاهيمَ وتصوّرات تُلزِمُ أتباعها بشكل لا غبار عليه برفض الواقع الّذي تغيب فيه شمس العدالة والهداية ، الواقع الّذي يتّخذ التهالك على الحياة الدُّنيا مقياساً وهدفاً ، والركون إلى المتع المادّية والشهوات غايةً ومأرباً ، وهي حقائق ناصعة عبّرت عنها الشريعة المقدّسة في مواضع عديدة من كتاب الله تعالى .
فمرّة تشجب الرّكون للحياة الدُّنيا إذا تعارضت مع روح التضحية من أجل الرسالة:
(يَا أَ يُّهَا ا لَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الاَْرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَـا مِنَ الاخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ ا لْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الاخِـرَةِ إِلاَّ قَلِيـلٌ * إِلاَّ تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيماً وَيَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ وَلاَ تَضُرُّوهُ شَيْئاً وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْء قَدِيرٌ ) . ( التّوبة / 38 ، 39 )
ومرّة تجعل الرّكون للظالمين أمراً محظوراً :
(وَلاَ تَرْكَنُوا إِلَى ا لَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمْ النَّارُ ) . ( هود / 113 )
ورسالة اُخرى تعلن أنّ المؤمنين هم طوع إرادتها ، معبّأون لمصالحها ، وهم لا يدّخرون وسعاً في الذّود عنها :
(إِنَّ اللهَ اشْتَرَى مِنَ المُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ ا لْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً ) . ( التّوبة / 111 )
فبناء على هذا الفهم المعمّق لرسالة الله تعالى من قِبَل الحسين (ع) ـ وهو الصورة التطبيقية لدين الله ـ أعلن رفضه الصـارم للواقع المُعاش دون أدنى التفـات إلى ما أبداه القوم من تحفّظات ومخاوف .
وبالنظر لوعي الحسـين (ع) لمسؤولياته ، ومدى سلامة خطّه ومنهجه في رفض الواقع ، فليس غريباً بعد ذلك أن يناشد ناصحيه والقلقين عليه ويدعوهم للوقوف إلى جنبه ، والاندماج بخطِّه الّذي هو خط الاسلام الّذي ارتضاه الله لعبادة الصادقين ، كما فعل مع عبدالله بن عمر حين طالبه بالعدول عن رأيه في إعـلان الثـورة بوجه الانحراف الاموي حيث خاطبه بقوله: «إتّق الله يا أبا عبدالرّحمان ولاتَدَعنَّ نصرتي».
وهكذا يندفع الحسين (ع) بحرارة وعنف لتبديد ضباب الهجعة الّذي حجب الرّؤية الرسالية وأمات الضمائر زمناً طويلاً ، فعطّل روح الجهاد في الاُمّة لصالح الطّغاة المتسلِّطين على رقابها ، ولغسل الذهنيّة العامّة ممّا علق بها من غبار السياسة الطاغية المتسلِّطة على العقول ، ولاحداث هزّة عنيفة في ضمير الاُمّة لتعي واقعها وما آلَ إليه من إنهيار وتفسّخ وانحراف وضلال .
ثالثاً : اطّلاع الاُمّة على المفهوم الاسلامي للامامة الشرعيّة وأبعادها ومنطلقاتها : فإنّ خطورة الدّور الّذي لعبته السياسة الامويّة في المفاهيم الاسلامية لم يأت من القاعدة أبداً ، وانّما انحدر من القيادات العليا الّتي استحوذت على وسائل التوجيه الاجتماعي في الاُمّة ، وهذه مسألة جديرة بالدرس والاستيعاب .
لقد كان الحسين (ع) يدرك ذلك أ يّما إدراك ، فبدأ عمله لارشاد الاُمّة إلى مواضع الخطر في الحكم الاموي باعتباره حكماً مغايراً لمفهوم الامامة في مؤسّسـاته ، وأشخاصه ، وهذه مسألة تمثّلها أطروحة الحكم الوراثي الدكتاتوري الّتي وضعها معاوية موضع التنفيذ عند عقده البيعة لابنه يزيد . وبذلك وضع الحجر الاساس لاخطر انعطاف في مسار الحكم الاسلامي امتدّت آثاره السيّئة حتّى يومنا الحاضر وخدمت أعداء الاسلام بما يفوق حدَّ التصوّر .
وتمشِّياً مع متطلّبات الرسالة الاسلامية والشروط الموضوعية الّتي يشترط توفّرها في الحاكم المسلم ، انطلق الحسين (ع) لبلورة هذه المسألة في ذهنيّة الجماهير المسلمة عن طريق الخطب والبيانات في كل فرصة يجدها مناسبة للبيان ، منها :
«أ يُّها الناس ! إنّكم إنْ تتقوا اللهَ وتعرفوا الحقَّ يكنْ أرضى لكم ، ونحن أهل بيت محمّد (ص) أولى بولاية هذا الامر من هؤلاء المدّعـين ما ليس لهم ، والسـائرين بالجور والعدوان» .
ومنها قوله :
«أمّا بعد ، فإنّ الله اصطفى محمّداً (ص) على خلقه وأكرمَهُ بنبوّتِهِ واختارَهُ لرسالتِهِ ، ثمّ قبضَهُ إليه ، وقد نصحَ لعباده وبلَّغَ ما اُرسلَ به (ص) ، وكُنّا أهلَهُ وأولياءَهُ وأوصياءَهُ وورثتَهُ وأحقَّ الناس بمقامهِ في الناس ، فاستأثرَ علينا قومُنا بذلك ، فرضينا ، وكرهنا الفرقةَ ، وأصبنا العافيةَ ، ونحنُ نعلم أ نّا أحقُّ بذلك الحقّ المستَحِقّ علينا ممّن تولاّه ، وقد بعثتُ رسولي إليكم بهذا الكتاب ، وأنا أدعوكم إلى كتاب الله وسنّة نبيِّه ، فإنّ السنّةَ قد اُميتَتْ والبِدْعَةَ قد اُحْيِيَتْ ، فإن تسمعوا قولي أهدِكُم إلى سبيل الرشاد» .
بهذه الكلمات المدوِّية ، وسواها كشف الامام الحسين (ع) النقاب عن أنّ بني اُميّة لا يصلحون للحكم ، نظراً لمخالفتهم للخطّ الاسلامي المرسوم ، كما أطْلَعَ الاُمّة على النهج الّذي يجب أن يلتزم به الحاكم الاسلامي ، والصفات الاسلامية ممّا هو متوفِّر في شخصيّته هو (ع) باعتباره غرس النبوّة ، ووليد الرسالة وتلميذ الوحي المقدّس .
وهكذا كان إبراز المفهوم الاسلامي للامامة في الاغراض الاساسيّة لنهضة الحسين (ع) يصحبه فضح الخلافة الاموية المتبنّاة .
رابعاً : الانسان في الرسالة الاسلامية لا تُبرِّر له الرسالة ـ بحال ـ النكوص عن واجبه كإنسان رسالي ، فهو في رحال الرسالة ليس فرداً مستقلاًّ بذاته ، وإنّما هو فرد مندمج في رسالة يستجيب لمطالبها ، ويفي بالتزاماته نحوها ، ويضحّي إذا حزب الامر من أجلها ; وما فريضة الامر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد في سبيل الله وغيرها إلاّ ترجمة صادقة لهذه الروح الّتي يفيضها الاسلام الحنيف على أتباعه ، بيد أنّ هذه المسألة تتناسب تناسباً تصاعدياً مع ارتقاء المرء في الخط المثالي للرسالة الالهيّة .
والحسين باعتباره شبل عليّ وحفيد محمّد (ص) ، ووليد الرسالة ، كان صفحة نقيّة من صفحات الرسالة ، وترجمة حيّة لكل منطلقاتها وتصوّراتها ; الامر الّذي جعله أوّل ملبٍّ لنداء الرسالة في عصره ، ليفي بذلك بالتزاماته نحوها ، وهكذا كان .
على أنّ وفاءه بالتزاماته نحو شريعة الله تعالى كان يفرض سلوك منهج الثورة ، ولا سبيل سواه ، لا نّه بدون الثورة لا يُرتجى أيّ إصلاح ، وبيان ثورته (ع) الاوّل يُجسِّد هذه الحقيقة بكل مدلولاتها الايحابيّة :
«إنِّي لم أخْرِجْ أشِراً ، ولا بَطِراً ، ولا مُفْسِداً ، ولا ظالِماً ، وإنّما خرجتُ لطلبِ الاصلاحِ في اُمّةِ جدّي (ص) ، اُريدُ أنْ آمرَ بالمعروفِ ، وأنهى عَنِ المُنْكَرِ ، وأسيرَ بسيرةِ جدِّي وأبي عليّ بن أبي طالب» .
وهكذا يكون قد أدّى فريضةً يرى نفسه مُلزَماً بإتيانها باعتباره أطيبَ غرس للرسالة في عصره ، وأحرصَ شخص على الحفاظ عليها .
هذه هي المبرِّرات الاساسيّة الّتي منحت الحسين (ع) وأصحابه حقّ إعلان الثورة الظافرة ، مدوِّيةً في دنيا الناس ، مخلِّدةً الاسلام ، ملهمةً الثوّار عبر الاجيال للذّود عن الاسلام والصّمود في معارك الجهاد المقدّس .

المقالة: | قبل | بعد | | عناوين المقالات | عناوين جميع المقالات

 © حقوق الطبع محفوظة للبلاغ
Copyright © 2000 alblagh ORG. All rights reserved. info@balagh.com