للمشاركة وإبداء الرأي أضغط هنا


ملفات ساخنة

المقالة: | قبل | بعد | | عناوين المقالات | عناوين جميع المقالات
اصداء نهضة الحسين
ابو الشهداء الحسين بن علي

* عباس محمود العقاد
ليس في نوع الانسان صفات علويات أنبل ولا ألزم له من الإيمان والفداء والإيثار ويقظة الضمير وتعظيم الحق ورعاية الواجب والجلد في المحنة والأنفة من الضيم والشجاعة في وجه الموت المحتوم.. وهي _ ومثيلات لها من طرازها_ هي التي تجلت في حوادث كربلاء منذ نزل بها ركب الحسين، ولم تجتمع كلها ولا تجلت قط في موطن من المواطن تجليها في تلك الحوادث، وقد شاء القدر أن تكون في جانب منها أشرف ما يشرف به أبناء آدم، لأنها في الجانب الآخر منها أخزى ما يخزى به مخلوق من المخلوقات..
وحسبك من تقويم الأخلاق في تلك النفوس، أنه ما من أحد قتل في كربلاء إلا كان في وسعه أن يتجنب القتل بكلمة أو بخطوة، ولكنهم جميعا آثروا الموت عطاشاً جياعاً مناضلين على أن يقولوا تلك الكلمة أو يخطوا تلك الخطوة، لأنهم آثروا جمال الأخلاق على متاع الحياة..
أو حسبك من تقويم الأخلاق في نفس قائدها وقدوتها أنهم رأوه بينهم فافتدوه بأنفسهم، ولن يبتعث المرء روح الاستشهاد فيمن يلازمه إلا أن يكون هو أهلاً للاستشهاد في سبيله وسبيل دعوته، وأن يكون في سليقة الشهيد الذي يأتم به الشهداء.
نموت معك
أراد الحسين _وقد علم أن التسليم لا يكون _ أن يبقى للموت وحده وألا يعرض له أحداً من صحبه. فجمعهم مرة بعد مرة وهو يقول لهم في كل مرة: "لقد بررتم وعاونتم والقوم لا يريدون غيري. ولو قتلوني لم يبتغوا غيري أحداً.. فإذا جنّكم الليل فتفرقوا في سواده وانجوا بأنفسكم"..
فكأنما كان قد أراد لهم الهلاك ولم يرد النجاة، وفزعوا من رجائهم إياه كما يفزع غيرهم من مطالبتهم بالثبات والبقاء. وقالوا له كأنهم يتكلمون بلسان واحد: "معاذ الله والشهر الحرام.. ماذا نقول للناس إذا رجعنا إليهم؟ أنقول لهم إنا تركنا سيدنا وابن سيدنا وعمادنا، تركناه غرضاً للنبل ودريئة للرماح وجزراً للسباع، وفررنا عنه رغبة في الحياة؟ معاذ الله.. بل نحيا بحياتك ونموت معك..".
قالوا له نموت معك ولك رأيك: ولم يخطر لأحد منهم أن يزين له العدول عن رأيه إيثاراً لنجاتهم ونجاته. ولو خادعوا أنفسهم قليلاً لزينوا له التسليم وسموه نصيحة مخلصين يريدون له الحياة، ولكنهم لم يخادعوا أنفسهم ولم يخادعوه، ورأوا أصدق النصيحة له أن يجنبوه التسليم ولا يجنبوه الموت، وهم جميعاً على ذلك.
ولم يكونوا جميعاً من ذوي عمومته وقرباه، بل كان منهم غرباء نصحوا له ولأنفسهم هذه النصيحة التي ترهب العار ولا ترهب الموت. فقال له زهير بن القين: "والله لوددت أني قتلت ثم نشرت ثم قتلت حتى أقتل هكذا ألف مرة، ويدفع الله بذلك الفشل عن نفسك وعن أنفس هؤلاء الفتيان من أهل بيتك".
وقال مسلم بن عوسجة كأنه يعتب لما اختار له من السلامة: "أنحن نخلي عنك؟ وبم نعتذر الى الله في أداء حقك؟ لا والله حتى أطعن في صدورهم برمحي وأضربهم بسيفي ما ثبت قائمه في يدي، ولو لم يكن معي سلاح أقاتلهم به لقذفتهم بالحجارة. والله لا نخليك حتى يعلم الله أنا قد حفظنا غيبة رسوله فيك. وأما والله لو علمت أنني أقتل ثم أحيي ثم أحرق ثم أحيي ثم أحرق ثم أذرى ويفعل بي ذلك سبعين مرة ما فارقتك حتى ألقي حمامي دونك...".
وجىء الى رجل من أصحابه الغرباء بنبأ عن ابنه في فتنة الديلم، فعلم أن الديلم أسروه ولا يفكون إسارة بغير فداء، فأذن له الحسين أن ينصرف وهو في حل من بيعته ويعطيه فداء ابنه. فأبى الرجل اباء شديداً، وقال: "عند الله أحتسبه ونفسي" ثم قال للحسين: "هيهات أن أفارقك ثم أسأل الركبان عن خبرك. لا يكن والله هذا أبداً"..
***
وقد تناهت هذه المناقب الى مداها الأعلى في نفس قائدهم الكريم.. يخيل الى الناظر في أعماله بكربلاء أن خلائقه الشريفة كانت في سباق بينها أيها يظفر بفخار اليوم، فلا يدري أكان في شجاعته أشجع، أم في صبره أصبر، أم في كرمه أكرم، أم في ايمانه وأنفته وغيرته على الحق بالغاً من تلك المناقب أقصى مداه..
حرب النور والظلام
وكانت فئة الحسين صغيرة قد رصدت لها هنالك تلك الفئة الكبيرة التي تناقضها أتم ما يكون التناقض بين طرفين، وتباعدها أبعد ما تكون المسافة بين قطبين، فكل ما فيها أرضي مظلم مسف بالغ في الاسفاف، وليس فيها من النفحة العلوية نصيب..
أللمصادفات نظام وتدبير..؟!
نحن لا نعلم إلا أنها مصادفات يخفى علينا ما بينها من الوشائج والصلات.. ولكنها _لذلك _ هي الاعاجيب التي تستوقف النظر لعجبها العاجب، وإن لم تستوقفه لما يفهمه فيها من نظام وتدبير.
فجيرة كربلاء كانت قديماً من معاهد الايمان بحرب النور والظلام، وكان حولها أناس يؤمنون بالنضال الدائم بين أورمزد وأهرمان. ولكنه كان في حقيقته ضرباً من المجاز وفنا من الخيال.
وتشاء مصادفات التاريخ إلا أن ترى هذه البقاع التي آمنت بأورمزد وأهرمان حرباً هي أولى أن تسمى حرب النور والظلام من حرب الحسين ومقاتليه..
***
وهي عندنا أولى بهذه التسمية من حروب الاسلام والمجوسية في تلك البقاع وما وراءها من الأرض الفارسية لأن المجوسي كان يدافع شيئاً ينكره.. ففي دفاعه معنى من الإيمان بالواجب كما تخيله ورآه، ولكن الجيش الذي أرسله عبيد الله بن زياد لحرب الحسين كان جيشاً يحارب قلبه لأجل بطنه أو يحارب ربه لأجل واليه. إذ لم يكن فيهم رجل واحد يؤمن ببطلان دعوى الحسين أو رجحان حق يزيد، ولم يكن فيهم كافر ينفح عن عقيدة غير عقيدة الاسلام، إلا من طوى قلبه على كفر كمين هو مخفيه، ولا نخالهم كثيرين..
ولو كانوا يحاربون عقيدة بعقيدة، لما لصقت بهم وصمة النفاق ومسبة الأخلاق.. فعداوتهم ما علموا أنه الحق وشعروا أنه الواجب أقبح بهم من عداوة المرء ما هو جاهله بعقله ومعرض عنه بشعوره، لأنهم يحاربون الحق وهم يعلمون..
ومن ثم كانوا في موقفهم ذاك ظلاماً مطبقاً. ليس فيه من شعور الواجب بصيص واحد من عالم النور والفداء.. فكانوا حقاً في يوم كربلاء قوة من عالم الظلام تكافح قوة من عالم النور.
أقربهم الى العذر يومئذ من اعتذر بالفرق والرهبة لأنهم أكرهوه بالسيف على غير ما يريد.. فكان الجبن أشرف ما فيهم من خصال السوء.
***
وينبغي أن نفهم ذلك على وجه واحد لا سبيل الى فهمه بغيره، وهو نكسة الشر في النفس البشرية، حين تلج بها مغالطة الشعور وحين تغالب عنانها حتى تعييها المغالبة فينطلق بها العنان.
فالرجل الخبيث المغرق في الخيانة قد يتصرف في خلوته تصرف الأنذال ثم لا يبالي أن يعرف نذالته وهو بنجوة من أعين الرقباء. ولكن أربعة الآلاف لا يتصارحون بالنذالة بينهم ولا يقول بعضهم لبعض أنهم يعملون ما يستحقون به التحقير والمهانة ولا تقبل لهم فيه معذرة ولا علالة. وإنما شأنهم في هذه الحالة أن يصطنعوا الحماسة ويجاهدوا التردد ما استطاعوا ليظهروا في ثوب الغلاة المصدقين الذين لا يشكون لحظة في صدق ما يعملون، فيغمض الرجل منهم عينيه ويستتر بغشاء من النفاق حتى ليوشك أن يخدع نفسه عن طوية فؤاده..
وتلك لجاجة المغالطة في الشعور..
أما مجاذبة النفس عنانها وانطلاقها بعد هذه المجاذبة المخفقة، فالشواهد عليها كثيرة فيما نراه كل يوم.. يحاول الرجل أن يتجنب الخمر فلا يستطيع، فاذا هو قد خلع العذار وغرق فيها ليله ونهاره غير مبال بما يقال كأنما هو القائل: "دع عنك لومي فان اللوم اغراء".
وتحب المرأة ان تستحي وتتوارى من المسبة في هواها، ثم يغلبها هواها فاذا هي قد ألقت حياءها للريح، وصنعت ما تحجم عنه التي لم تنازع نفسها قط في هوى، ولم تشعر قط بوطأة الخجل والاستتار.
واندفاع المتهجمين على الشر في حرب كربلاء بغير داع من الحفيظة ولا ضرورة ملزمة تقضي بها شريعة القتال، لهو الاندفاع الذي يسبر لنا عمق الشعور بالاثم في نفوس أصحاب يزيد. وقد رأينا من قبل عمق الشعور بالحق في أصحاب الحسين، وما بنا من حاجة الى البحث عن علة مثل هذه العلة لمن خلقوا مجرمين وخلقت معهم ضراوة الحق والايذاء لهذا الميدان وغير هذا الميدان، كشمر بن ذي الجوشن، ومن جرى مجراه.. فهؤلاء لا يصنعون غير صنيعهم الأثيم كلما وجدوا السبيل اليه.

المقالة: | قبل | بعد | | عناوين المقالات | عناوين جميع المقالات

 © حقوق الطبع محفوظة للبلاغ
Copyright © 2000 alblagh ORG. All rights reserved. info@balagh.com