للمشاركة وإبداء الرأي أضغط هنا


ملفات ساخنة

المقالة: | قبل | بعد | | عناوين المقالات | عناوين جميع المقالات
مفهوم الرجولة بين الواقع والمطلوب
المقاربة النسائية ومرجعية علم النفس الحديث

محمد عبد ربي
في محاولة لتفسير السيرورة التكوينية لدى كل من الرجل والمرأة، فإن إيليزابيت بادينتير، ركزت على الطابع المعقد والصعب لهذه السيرورة عند الرجل. ولإبراز هذا الطابع الإشكالي وهذه الصعوبات التي يلاقيها الذكر في تطوره، فإن الباحثة تلجأ إلى مفهوم القانون السلبي الذي جاء به علم النفس الحديث واعتبره مبدأ لتحديد الهوية الجنسية للذكر البشري، وتسوق مجموعة من صور ومظاهر الرجولة التي جاءت بها الأنثروبولوجيا لتأكيد هذا الطابع الإشكالي.
ففي نظر الباحثة، يتمثل هذا القانون السلبي في أن الطفل الذكر، وللتعبير عن هويته الذكورية، يتوجب عليه أن يقتنع ويقنع الآخرين بأنه ليس امرأة، وليس يافعا، وليس لوطيا، إنه قانون سلبي ثلاثي الأقطاب، كل واحد من هذه الأقطاب يُعد صعوبة كبرى، فالذكر إذن يوجد أمام ثلاثة صعوبات، نوجزها في النقطتين التاليتين:
أ- الافتراق عن الأم والتميز الجذري عن الجنس المؤنث
لا يكفي أن تكون حاملا للكروموزوم (XY) وأن يكون لك قضيب لتحس بأنك رجل، إن المرحلة الحاسمة للتفاضل الذكوري تبدأ مع (XY) وتنتهي بالمنظور الذي يكونه الآباء حول جنس أطفالهم، والذي يحدد بدوره الهوية الجنسية للطفل، "طيلة هذه المرحلة فإن الجنين يكون قد "صارع"، حسب تعبير دجاست (A. Jast)، لكي لا يرضخ لبرنامج التطور الأنثوي، هذا الصراع البيولوجي هو أبسط مقارنة مع ذاك الذي سيخوضه الطفل الذكر حين ميلاده، وخلال زمن طويل، ليصبح رجلا"، كذلك، فالطفل الذكر يتغذى فيزيقيا ونفسيا من طرف شخص مخالف، وهو الأمر الذي يحدد مصيره بطريقة أكثر تعقدا ودرامية على خلاف البنت. ولكي يصبح رجلا، فإنه ينبغي أن يتعلم كيف يختلف عن أمه، وأن يكبت في أعمق أعماق نفسه هذا الاستسلام الأولي للأم، إن الذكورة تقتضي قمعا مبالغا فيه للرغبات الاستسلامية، خاصة المتعلقة بالاحتضان من طرف الأم، من هنا، فإن الذكورة خلال طول هذه المرحلة هي رد فعل أكثر منها انخراط، ذلك أن الأمر يتعلق دائما بمساعدة الطفل على تغيير هويته الأنثوية الأولية إلى هوية ذكورية ثانوية، وهذا ما يقوم به النسق الأبوي عندما يستعمل طقوس الإعداد، وبيداغوجية اللواط أو أسلوب الاحتكاك مع الأنداد، وهي آليات تهدف كلها إلى تغيير مكانة وهوية الشاب الذكر لكي يصبح رجلا، فهذه الطقوس "هي أجوبة ممكنة لحاجة كونية يتم الإحساس بها من طرف الطفل الذكر: أن يعترف به كرجل؛ أن يكون مع أولئك الذين قطعوا مع الضعف والارتباط الطفولي" كما أن هذه الطقوس ليست خاصة بالمجتمعات البدائية، إذ أنها تشمل حتى المجتمعات الصناعية كما هو الأمر بالنسبة لطقس التزريك (bizotage) المستعمل في المدارس الخيرية العامة بإنجلترا الحديثة، أو بالنسبة لنظام الكشفية (Boy-scouts) الذي أقيم بأمريكا سنة 1910، وكان الرئيس الأمريكي رئيسا شرفيا له، والذي كان هدفه المعلن من خلال الخطاب الذي ألقاه هو "أن نجعل من الأطفال الذكور رجالا كبارا ونصارع قوى التأنيث".
ب- الغيرية الجنسية (l'hétérosexualité)
يتوجب على الطفل الذكر أن يبرهن بأنه ليس لوطيا، أي أن لا يتمنى أنه يرغب في رجال آخرين وأن لا يكون مرغوبا فيه جنسيا من طرفهم؛ أن لا يكون لينا، مؤنثا في مظهره الفيزيقي وفي تصرفاته، في هذا الإطار، فإن الأوموفوبيا (Homophobie) التي تعني كره الرجل للخصائص الأنثوية الموجودة في الرجال، "تشكل جزءا مندمجا لذكورة غيرية بالنظر إلى لعبها دورا نفسيا رئيسيا: أن تعني بأنك لست لوطيا وأن تبين بأنك غيري الجنس"، هذا الحقد على الجانب الأنثوي في الذات يولد طبيعيا ثنائية جنسية متعارضة، إن تأكيد الاختلاف هو رد فعل على تفقد الهوية والغموض الذي يقوي الذكورة، وتعتمد الباحثة على وجهة نظر (G. Groddeck) التي ترى أن الختان عند اليهود هو كبت لهذه الثنائية الجنسية، "إن إزالة القلفة عند اليهود هو إزالة للثنائية الجنسية عند الرجل، إنهم يزيلون عن الذكر الطابع الأنثوي، عن طريق الختان فقط، فإن اليهودي يصبح رجلا".
من هنا تخلص بادينتر إلى أن مصدر الهوية الذكورية تعارضي وسلبي أكثر منه إيجابي؛ فهذا المصدر يشدد على المفاضلة، وعلى المسافة بالنظر إلى الآخرين، وعلى إنكار العلاقة العاطفية مع النساء، وهذا ما سنتبينه بالضبط في إحدى الدراسات السوسيولوجية التي هدفت إلى البحث في تكوين إيديولوجية الرجولة بالمجتمع الفرنسي، لقد أظهرت هذه الدراسة أن الرجولة كما تعرضها المادة الإشهارية تتمظهر في ثلاثة عناصر أساسية: أولها القوة، التي تشير إلى التمتع بصفات معارضة لصفات المرأة؛ وعنصرها الثاني هو السلطة، أي السيادة على الطبيعة وعلى جميع عناصرها من أدوات وبشر، أي الهيمنة والمنافسة؛ أما العنصر الثالث فهو التملك، أي السلطة على النساء. ولتأكيد هذا الطرح، فإن الدراسة تعتمد على ما أوضحتاه فيما بعد الباحثتان الأمريكيتان (Deborch S. David) و (Robert Brannon) ، واللتان أصبحتا شهيرتين بتبيانهما للمتطلبات الأربعة للذكورة، التي هي كالتالي:
المطلب الأول: لا شيء مؤنثا، مادام الرجل الحقيقي هو ذاك الخالص من كل أنوثة، فإنه سيكون ملزما بالتخلي عن جزء كامل منه.
المطلب الثاني: أن الذكر الحقيقي هو الشخص الهام، ما هو مطلوب منه هو التفوق على الآخرين، إذ الذكورة تقاس بالنجاح، بالسلطة والاعتبار، أي بدرجة توفر هذه الأوصاف في الرجل.
المطلب الثالث -وهو الحلقة الصلبة-: هو ضرورة أن تكون مستقلا عن الغير وأن لا تعتمد إلا على الذات. المطلب الرابع: يركز على ضرورة أن تكون قويا أكثر من الآخرين، حتى بالعنف إذا اقتضى الأمر ذلك، يتوجب على الرجل أن يبين الجرأة والعدوانية؛ أن يبين أنه قادر على تحمل المخاطر، حتى ولو كان العقل والخوف يقتضيان عكس ذلك.
إن الرجل الذي تتوفر فيه هذه المتطلبات الأربعة هو الذكر الأعلى بامتياز، والذي جعل، ولزمن طويل، الحشود تحلم به. هو الرجل الصلب، الوحيد، لأنه غير محتاج لأحد، هادئ الأعصاب، الفحل، كل الرجال حلموا بأن يكونوه: حيوان جنسي مع النساء، لكن لا يرتبط مع أي واحدة منهن، إنه ذاك الذي لا يلتقي بأنداده الذكور إلا في حالات المنافسة والحرب أو الرياضة. باختصار، إنه أصلب مما هو صلب، انطلاقا من هذه المقاربة نستنتج أن تشكل الهوية الرجولية يقوم في جزء كبير منه على القمع والعنف الموجه للذات بصفة عامة والموجه للآخر والمرأة بصفة خاصة.

المقالة: | قبل | بعد | | عناوين المقالات | عناوين جميع المقالات

 © حقوق الطبع محفوظة للبلاغ
Copyright © 2000 alblagh ORG. All rights reserved. info@balagh.com