|
أحمد الربعي
توفي أكثر البابوات إثارة في التاريخ. ردود الفعل الواسعة على فقدانه تؤكد حقيقة جديدة، فلم يكن البابا يوحنا بولس الثاني بابا للكاثوليكيين، بل شخصية عالمية نجحت في اختراق السدود والحدود بين الأديان. التف حوله كاثوليك وغيرهم متدينون وعلمانيون، ولم تستطع عاصمة واحدة في العالم أن تتعامل مع الحدث، باعتباره خبرا عاديا وهو ما حدث مرات عديدة عند رحيل كثير من البابوات.
كوبا الشيوعية نعته ونكست أعلامها وأغلقت حانات المشروبات الروحية احتراما له. وأميركا سيدة العالم الرأسمالي سيحضر رئيسها للمشاركة في الجنازة، نعاه الفلسطينيون باعتباره الراعي بصراحة إلى إقامة دولة فلسطينية مستقلة، ونعاه شارون باعتباره صديقا للشعب اليهودي، ونعته الحكومة الإيرانية وأشادت به حركة حماس الإسلامية، ووصفه فاليسا، الذي قاد إسقاط الشيوعية في بولندا بأنه «الملهم الأكبر» للثورة.
كل أمم الأرض وكل دولها أشادت به باستثناء بقايا حركة طالبان الأفغانية، التي قالت ان الحركة لا تعبر عن الحزن ولا عن البهجة لوفاة البابا.
لعب يوحنا بولس الثاني دورا قياديا لإسقاط الشيوعية في شرق أوروبا، ولكن مات قبل أن يقنع أوروبا الغربية بالعودة إلى المسيحية، حارب الإجهاض والعلاقات المثلية، لكن المشكلات أكبر منه.
زار مائة دولة وقال في زياراته كلاما أغضب حكومات كثيرة، زار المسجد الأموي في دمشق وذهب حاجا إلى إسرائيل، وهو صاحب المقولة الشهيرة تعليقا على إقامة الجدار العنصري في الأراضي الفلسطينية «إن العالم بحاجة إلى جسور وليس إلى جدران»، ولعب الدور الأكبر في رفض اتهام المسلمين بالإرهاب بعد 11 سبتمبر، واستقبل وفودا من الشخصيات الإسلامية وكرر كثيرا، أن الإرهاب لا علاقة له بدين محدد.
يوحنا بولس الثاني ليس رجل دين فحسب، بل كان رجل سياسة، أعلن آراءه بصراحة ووضوح لم يعهدها الناس من شخص في موقعه، ولكن ذلك كله زاد من رصيده.
ردود الفعل الحزينة على وفاته من كافة الأديان والمعتقدات تؤكد حقيقة أن الدنيا أصبحت صغيرة وأن الناس يتجهون إلى التوحد لا إلى التفرق.
|