للمشاركة وإبداء الرأي أضغط هنا


ملفات ساخنة

المقالة: | قبل | بعد | | عناوين المقالات | عناوين جميع المقالات
الفاتيكان وموت البابا ..!
وسقطت ورقة أخري من شجرة صانعي الإنسانية

كارول فويتيلا أصغر الأساقفة سنا الذين ارتقوا سدة البابوية في القرن العشرين كان يحلم أن يكون ممثلا ولكن الأقدار صنعت منه مناضلا في سبيل الحرية وواحدا من أبرز رجال الدين والسياسة في القرن العشرين‏.‏
بدأت القصة قرب مدينة كراكواف‏,‏ في بولندا إبان الحرب العالمية الثانية والاحتلال النازي لبولندا‏,‏ عمل كارول فويتيلا كعامل ودرس اللاهوت بدءا من عام‏1942‏ وأجبر علي التواري عن الأنظار في عام‏1944‏ بعد اتخاذ السلطات اجراءات صارمة في حق التعليم الديني‏.‏
ولكنه استأنف دراسته بعد أن وضعت الحرب أوزارها ورسم قسا في عام‏1946‏ عندما كان البابا يوحنا الثالث والعشرون في المدة البطرسية‏,‏ تلا ذلك سلسلة متعاقبة من الترقيات السريعة ليصبح بحلول عام‏1964‏ رئيسا لأساقفة مدينة كراكوف وبعد ثلاث سنوات أصبح كاردينالا‏.‏
وخلال هذه الفترة واصل دراساته اللاهوتية وشوهد مرارا في روما‏,‏ لكن ليس بشكل متكرر‏,‏ كما هو الحال بالنسبة لغيره من الكرادلة القادمين من أبرشيات نائية‏.‏
وفي عام‏1978‏ جاء الباباوات الثلاثة فقد توفي البابا بولس السادس عن سن الثمانين عاما واتخذ خلفه‏,‏ الذي انتخب في يوم واحد‏,‏ لنفسه اسم يوحنا بولس تيمنا بسابقه لكنه توفي بعد‏33‏ يوما‏,‏ تاركا دوائر الفاتيكان في حيرة كبيرة لأمرين‏:‏ أحدهما أسباب الوفاة الغامضة للبابا المنتخب‏,‏ وثانيهما سرعة تأمين انتخاب خلف له‏.‏
فقد التأم مجمع الكرادلة لانتخاب البابا في كابيلا وبعد يومين أصبح كارول فويتيلا الخليفة التالي للقديس بطرس‏.‏
وكان لانتخاب كارول فويتيلا كحبر أعظم في عام‏1978‏ وقع الصدمة علي العالم الكاثوليكي فلم يسبق أن أشار أي أحد قبل ذلك الي أسقف مدينة كراكوف البولندية كمرشح لأعلي منصب في الكنيسة الكاثوليكية‏.‏
فمع أن موقفه المناهض للنظام الشيوعي في بولندا أكسبه شهرة واسعة‏,‏ الا إنه لم يكن من ذوي الحظوة لدي الفاتيكان ولم يكن ايطاليا ولكن البابا اصبح أحد أكثر الوجوه المألوفة في العالم وشملت جولاته البابوية الطويلة أكثر من‏120‏ بلدا وأحرز لنفسه سمعة كمناضل دولي في سبيل الحرية‏.‏
وافتتح الحبر الاعظم الجديد‏,‏ الذي اتخذ لنفسه لقب يوحنا بولس الثاني‏,‏ عهدا جديدا في الشئون الكاثوليكية وكان مفعما بالحيوية قريبا من الناس‏,‏ وزعيما لأكبر طائفة مسيحية في العالم يشار اليه بالبنان‏.‏
ويبدوأن إصراره علي الاقتراب من الحشود كاد يؤدي به الي ملاقاة حتفه في عام‏1981‏ فقد أطلقت النار عليه وأصيب بجروح بليغة من قبل التركي محمد علي آغا وهو يطل من سيارته في ساحة القديس بطرس وبعد تماثله للشفاء الذي استغرق وقتا طويلا‏,‏ قام البابا بزيارة الرجل الذي حاول اغتياله وسامحه في سجنه طالبا اليه أن يصلي لأجله‏.‏
وفي عام‏1982,‏ زار البابا يوحنا بولس الثاني بريطانيا في زيارة مفعمة بالمعاني التاريخية زاد من أهميتها أنها حصلت أثناء أزمة جزر فوكلاندز‏,‏ ولاول مرة منذ مايسمي بحركة الاصلاح الديني‏,‏ التي أدت الي نشأة الكنيسة البروتستانتية وانفصالها عن الكنيسة الكاثوليكية‏,‏ التقي الحبر الاعظم بكبير أساقفة كانتربيري آنذاك‏,‏ روبرت رونسي‏.‏
ودعا البابا الي نهاية سلمية لقضية فوكلاندز وهو نداء ردده في زيارة الي الارجنتين بعد عدة أيام وشارك في عدد من القداسات المتعددة الطوائف مع كنيسة انجلترا‏,‏ وهو أمر كان لايمكن التفكير به في العصور السابقة‏.‏
ومع انفراط عقد الكتلة السوفيتية‏,‏ اكتسبت العلاقات بين الفاتيكان والكرملين أهمية جديدة ففي عام‏1989‏ زار الرئيس السابق ميخائيل جورباتشوف روما‏,‏ في أول مرة يعبر فيها زعيم سوفيتي عتبة القديس بطرس‏.‏
وتزامن انهيار الكتلة الاشتراكية مع مطالب متزايدة في الغرب بالتوصل الي تسوية في شأن التعاليم الدينية‏,‏ ولكن البابا يوحنا بولس الثاني أغلق‏,‏ عبر رفضه المستمر لتلك الدعوات الباب أمام النقاش قبل أن يبدأ‏.‏
وفي عام‏2000‏ قام البابا بزيارة للشرق الاوسط شملت الناصرة في فلسطين ونصبا لضحايا المحرقة النازية في اسرائيل‏,‏ كما زار جبل سيناء وأقام قداسا في دير سانت كاترين‏,‏ حيث دعا الي حوار بين المسيحيين والمسلمين واليهود‏.‏
وتضمنت جولته عام‏2001‏ التي أراد أن يتبع فيها خطي القديس بولس‏,‏ سورية حيث زار المسجد الاموي وأكد الحوار بين الاديان ورفع مستوي التفاهم بين المسلمين والمسيحيين لكن حلمه بزيارة أور في العراق لم يكتمل بسبب الاعتراضات الشديدة التي واجهتها الزيارة وعلي الرغم من وقوعه فريسة المرض في السنوات اللاحقة فإن رحلاته تواصلت‏,‏ الي كوبا‏,‏ ونيجيريا‏,‏ والي يوغسلافيا السابقة‏.‏
وكان البابا قد وجه انتقادات لاذعة للنزاع الذي سبق الحرب علي العراق‏,‏ وحاول استخدام نفوذه لتجنب وقوعها‏,‏ حيث استضاف شخصيات سياسية مثل رئيس الوزراء البريطاني توني بلير ونائب رئيس الوزراء العراقي السابق طارق عزيز وبعد الحرب دعا البابا يوحنا بولس الثاني الي منح الشعب العراقي الدور الرئيسي في إعادة بناء بلاده‏.‏
كان يوحنا بولس الثاني بالنسبة لمنتقديه‏,‏ محافظا من الطراز الاول ومتشبثا برأيه‏,‏ وكان لتصريحاته حول الاجهاض‏,‏ وموانع الحمل وحقوق المرأة أثر كبير علي حياة الملايين من الناس وقد ركز البابا في خطبه علي الحروب المنسية في أنحاء العالم‏,‏ وبصفة خاصة الصراعات المستمرة في الشرق الاوسط وافريقيا‏,‏ ومنطقة القوقاز وأمريكا اللاتينية وانتقد البابا مرارا الليبرالية التي رآها في كل مكان من حوله وشمل المثليين جنسيا بغضبه وشفقته معا‏,‏ مما أزعج الناشطين في مجال الدفاع عن حقوقهم‏.‏
لقد كان يوحنا بولس الثاني شخصية مثيرة للجدل ففي حين أنه دعا الي العمل في سبيل مكافحة الفقر‏,‏ فإنه أصر بالمقابل علي أن موانع الحمل غير مقبولة اخلاقيا‏,‏ وقال انه كان يريد تحسين أوضاع النساء في حين أنه كتب أن الأمومة يجب أن تكون الطموح الطبيعي للمرأة‏.‏
لقد شهد عهد البابا يوحنا بولس الثاني تغييرات جذرية في أنحاء العالم ـ مثل انهيار الشيوعية ـ الذي لعب دورا بارزا فيه‏,‏ وتعاظم ديون العالم الثالث‏,‏ وظهور مرض الايدز وخلال هذه المدة فإن عمله للحفاظ علي كرامة الانسان في مواجهة مخاطر الحياة الحديثة الي جانب جاذبيته الشخصية‏,‏ جعل من البابا يوحنا بولس الثاني أحد أبرز رجال القرن العشرين‏.‏

المقالة: | قبل | بعد | | عناوين المقالات | عناوين جميع المقالات

 © حقوق الطبع محفوظة للبلاغ
Copyright © 2000 alblagh ORG. All rights reserved. info@balagh.com