للمشاركة وإبداء الرأي أضغط هنا


ملفات ساخنة

المقالة: | قبل | بعد | | عناوين المقالات | عناوين جميع المقالات

الخرافة تحاصر العلم وتغذي الاستبداد

* محمد عباس نورالدين
إذا كانت الغالبية من السكان في العالم العربي تعيش الخرافة ممارسة وفكراً لتخلفها وجهلها فما هو الموقف الذي تتخذه من الخرافة تلك الفئة التي حظيت بنصيب من التعليم؟
إن وضعية التخلف تشكل ضغطاً على المتعلم لا يمكن تجاهله نظراً للعلاقة الجدلية بين الفرد والمجتمع، إذ يصعب على المتعلم في العالم العربي أن يرفض رفضاً تاماً العادات والتقاليد السائدة في بيئته الاجتماعية، وما يؤطرها من مفاهيم وأفكار، خاصة إذا أخذنا بعين الاعتبار أن التعليم يظل سطحياً ولا يغير من البنية الأساسية للذهنية العربية التي تكونت في الطفولة والتي تشكل الخرافة إحدى مقوماتها الرئيسية. بالاضافة إلى ذلك يتعرض المتعلم في العالم العربي لضغوط سياسية واقتصادية تتخذ أشكالاً متنوعة وتلجأ إلى الإغراء والتهديد حتى تنجح في جعل المتعلم يتنازل عن حريته وعفويته وبذلك يصبح أداة طيعة في يد الطبقة المسيطرة. ومع الزمن تنجح هذه الطبقة في ترويض المتعلم وفي إبعاده عن التفكير العلمي والسلوك المنطقي، بحيث يصبح قادراً على مسايرة إيديولوجية الطبقة المسيطرة وعدم معارضتها وربما تدعيمها والعمل على ترسيخها. وبذلك يحاصر المتعلم من طرف الخرافة كأسلوب في التفكير وكممارسة في الواقع حتى يعود لينطلق، في تفكيره وسلوكه، من الذهنية الخرافية التي نشأ عليها في الطفولة.
إذا كان المتعلم في العالم العربي يعاني مثل هذا الضغط فإن الغالبية العظمى تعاني ضغطاً أكثر قسوة بحكم فقرها وجهلها مما يجعلها مرتعاً ملائماً للتفكير الخرافي والأسطوري. وعندما نستعرض التاريخ العربي يتبين لنا أن الانسان العربي لم يتح له في أي مرحلة من مراحل تاريخه أن يتحكم في مصيره ومستقبله وأن يمارس التفكير بحرية ودون أي ضغط خارجي، وأن يعيش حياته دون أن يكون معرضاً لأي تهديد. وهذه الوضعية جعلت الانسان العربي يبدي خوفاً شديداً من المستقبل، وفي نفس الوقت يشعر بعدم ثقته بالتفكير السببي المنطقي، الشيء الذي جعل التفكير الخرافي ملاذاً يعكس علاقته الواهية بالواقع. ولم تكتف الإيديولوجية الاستبدادية بأن هيأت الظروف الموضوعية لانتشار التفكير الخرافي بل إنها في بعض الأحيان تقوم بنفسها بنشر هذا النوع من التفكير، لأنها تدرك بأن هناك قاسما:ً مشتركاً بينها وبين الخرافة وهو رفض التفكير المنطقي والسببي، وبأن انتشار أساليب الخرافة يدعم وجودها واستمرارها، وإلا كيف نفسر انتشار الخرافة والشعوذة في المجتمع العربي وخاصة لدى الطبقات الدنيا في الوقت الذي ندعي فيه أننا نحاول بكل الوسائل الخروج من التخلف بجميع أشكاله؟ فلماذا مثلاً لا تشعر الرقابة، التي لا يخلو منها بلد عربي، بأن عليها منع تداول كتب السحر والخرافة والشعوذة، بينما لديها حساسية مفرطة إزاء الكتب التي تتناول بكيفية صريحة ومباشرة واقع المجتمع العربي المعاصر؟
ن استمرار الإيمان بالخرافة في العالم العربي بالشكل الذي عليه الآن، رغم انتشار التعليم ووسائل التكنولوجيا الحديثة، يؤكد بأن التعليم لا يكفي وحده للقضاء على التفكير الخرافي والأسطوري. إذ لابد من تغيير الواقع الاقتصادي والاجتماعي والثقافي للانسان العربي كشرط أساسي لتغيير أفكاره وأسلوبه في الحياة بصفة عامة؛ فإذا اعتبرنا التفكير الخرافي نتيجة لطبيعة العلاقات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي عاشها الانسان العربي، وما زال يعيشها في الحاضر، فإننا نخرج بنتيجة مؤداها أن الانسان العربي لا يمكن له أن يتخلص من الخرافة ـ على مستوى الفكر أو الواقع ـ غلا بتغيير الواقع الاقتصادي والاجتماعي والفكري الذي يعيشه تغييراً يستند إلى العلم، على أن يظل الانسان العربي هو الغاية من كل تغيير دون أن يضحى به لأي سبب من الأسباب. وإذا ما تم هذا التغيير فسنرى الانسان العربي وقد تخلى عن أسلوب (الفروسية) في التفكير والسلوك، وعن توقع المعجزات التي ينتظر منها أن تغير واقعه رأساً على عقب ... ، وإنما سيواجه واقعه مواجهة موضوعية مسلحة بالعلم والوعي.

المقالة: | قبل | بعد | | عناوين المقالات | عناوين جميع المقالات

 © حقوق الطبع محفوظة للبلاغ
Copyright © 2000 alblagh ORG. All rights reserved. info@balagh.com