|
بقلم :ماجد كيالي
بعد انفجارات لندن ضربت العمليات الإرهابية في مصر مجددا (في شرم الشيخ)، ما يشير إلى أن العالم ربما يقف في مواجهة حقبة من انفجار العنف الإجرامي الأعمى؛ الذي بات كأنه غاية في ذاته! فلا أحد يستطيع التكهن بالمنطق الذي يقف في خلفيته الفكرية وحساباته السياسية ومبرراته الأخلاقية وادعاءاته الدينية، إذا استثنينا الادعاء بشنّ الحرب العالمية «الآخروية» على عالم الكفر والفسق، بحسب مزاعم «فقهاء» هذه الجماعات الهامشية، الذين نصّبوا أنفسهم بمثابة أوصياء على الدين(!) دون حق أو مشروعية أو حتى أهلية، وكأنهم وكلاء الله على الأرض!
معروف أن العمليات الإرهابية كانت ضربت بقسوة شديدة في طابا (اكتوبر الماضي)، كما كانت ضربت في مدريد وموسكو واسطنبول ومومباسا (كينيا) وبالي (أندونيسيا) والرياض وجربة والقاهرة والدار البيضاء ونيويورك، فأودت بحياة الأبرياء من المدنيين مستهدفة حتى الأطفال والنساء والشيوخ، في الطائرات وفي محطات السيارات والقطارات والمدارس والمسارح والأسواق.
هكذا يتم تنفيذ هذه العمليات من دون التمعّن في العواقب الخطيرة: السياسية والاقتصادية والأمنية والأخلاقية التي يمكن أن تنجم عنها، والتي يمكن أن تقوّض استقرار البلاد والعباد، وأن تهدد تواصل الناس وتآلفهم وتعاضدهم، ومن دون التبصر بالتشوهات والشبهات التي تلحق بالإسلام والمسلمين (والدين منها براء)، ما يؤكد أن هذه العمليات تصدر عن ذهنية مريضة ومنطق أعمى وتتأسس على كراهية الآخر واستباحة الدماء واستهانة بالإنسانية وبالقيم الدينية السامية.
وتحاول، الجماعات الظلامية المتطرفة التي تقف وراء هذه العمليات، التي بات يطلق عليها مجازا مصطلح «الحرب العالمية الرابعة»، تبرير أعمالها بمواجهة الاستكبار الأميركي، وأحيانا الادعاء بمحاربة إسرائيل، وصولا إلى تقويض النظم العربية السائدة، باعتبارها في عرف هذه الجماعات الظلامية المتطرفة، مجرد نظم تابعة أو كافرة!
وفي الواقع فإنه لم يعرف عن الجماعات المتطرفة، التي نشأت في خضم الحرب على الشيوعية والتصارع بين القطبين الأميركي والسوفييتي في مراحل الحرب الباردة، أية علاقة بأجندة الصراع العربي ـ الإسرائيلي، ولم يعرف عن جماعة القاعدة، مثلا، أو تفرعاتها أي اهتمام بالقضية الفلسطينية، فهي حتى لم تفتح أي مستوصف أو مشغل أو مدرسة في الأراضي المحتلة أو غيرها، لهذا الغرض، ما يستنتج منه أن اهتمام هذه الجماعات بهذه القضية هو طارئ وله غايات سياسية وظيفية معينة، تتوخّى منه تعزيز شرعيتها، في العالم العربي والإسلامي.
الملاحظ أيضا أن خريطة استهدافات هذه الجماعات في العالم العربي، تتركز خصوصا في البلدان المركزية، مصر والسعودية (بالإضافة إلى تركزها في العراق)، بالنظر إلى أهمية هذين البلدين لاستقرار النظام العربي، ودورهما السياسي في المنطقة العربية. ولاشك أن زعزعة الاستقرار السياسي والأمني والاقتصادي والاجتماعي في هذين البلدين يمكن أن ينعكس سلبا عليهما وعلى دورهما الإقليمي في المنطقة.
إضافة إلى ما تقدم فإنه وعلى العكس من الأغراض المتوخاة منها، من وجهة نظر قادة الجماعات الإرهابية، فإن العمليات التفجيرية العمياء هذه تمنح بعض المشروعية للتدخلات الأميركية في المنطقة العربية، بدعوى الدفاع عن النفس، وتضفي بعض الصدقية على أطروحتي «صراع الحضارات» و«الخطر الإسلامي»، التي يروجها تيار «المحافظين الجدد» في الإدارة الأميركية، لتعزيز مطالبه بضرورة تغيير الأوضاع في الدول العربية ولو بوسائل القوة، بزعم افتقادها للديمقراطية وتفشي الفساد فيها، ما يجعلها بمثابة تربة خصبة لنمو الفقر والإحباط ونزعات التطرف وجماعات الإرهاب.
وهذه المزاعم تقف وراء مبادرات التدخل الخارجية لفرض نوع من «الوصاية» على الأنظمة العربية بحجة إعادة تأهيلها وإصلاحها، ووضعها على سكة التحول الديمقراطي والازدهار الاقتصادي. ومن ناحية أخرى فإن هذه العمليات تفيد إسرائيل إذ تسهل عليها الترويج لوجهة نظر مفادها أن أسباب ضعف الاستقرار في المنطقة العربية لا تنبع من احتلالاتها واعتداءاتها وعنصريتها، بقدر ما تنبع من طبيعة النظم السياسية والاقتصادية والثقافية في الواقع العربي؛ ما يسهم في تصوير حربها ضد الفلسطينيين والعرب باعتبارها جزءاً من الحرب العالمية ضد الإرهاب، بدعوى أن صراعها مع هؤلاء إنما ينبع من حقد العرب على الغرب، التي هي جزء منه!
وبديهي أن هذه التفجيرات تدعم موقف إدارة بوش إزاء الدول الكبرى، التي لا تتماشى مع سياساته الخارجية، في «الحرب الوقائية» واستخدام القوة وتجاهل المؤسسات الدولية، فهي تسهّل على ادعاءات الحرب الأميركية ضد الإرهاب، وتحشد الدول الأوروبية من وراء السياسة الأميركية، وتسهم بتحويل الرأي العام الغربي الذي بدا معارضاً للسياسة الأميركية لصالح دعم هذه السياسة.
المهم الآن أنه ينبغي بذل الجهود، على صعيدي الحكومات والمجتمعات، لمواجهة استفحال خطر الجماعات الإرهابية، وتدارك هذه الفتنة، ووقف هذا النزيف في جسم الأمة العربية والإسلامية، أولا، برفض وإدانة هذه العمليات، من النواحي الأخلاقية والدينية والإنسانية؛ وثانيا بالتوعية بمخاطرها السياسية والاقتصادية والأمنية؛ مهما كانت الشعارات أو الأغراض المراوغة التي تحاول أن تحتجب خلفها، وبغض النظر عن هوية ضحاياها؛ وثالثا، بحسم التوجه نحو إصلاح الأوضاع، بتعزيز المشاركة السياسية الديمقراطية، وتحقيق التنمية الاقتصادية، التي تضمن مجتمع العدالة والكفاية، وضمان سبل الارتقاء الثقافي والفكري والعلمي، والسير في سبل التطوير الاجتماعي.
وبديهي أن هذا الأمر يحتاج أيضا إلى تعاون دولي يتأسس، أولا، على تفهم الخصوصيات والثقافات والهويات الوطنية، على قاعدة التعايش والتلاقح والاحترام المتبادل؛ وثانيا، وضع حد لعلاقات التدخل واستخدام القوة والهيمنة والتهميش في المجالات السياسية والاقتصادية والثقافية؛ وثالثا، نبذ سياسة الكيل بمكيالين وسياسة المعايير المزدوجة في العلاقات الدولية، لتعزيز علاقات الثقة والتعاون المشترك والاعتماد المتبادل؛ ورابعا، وقف سياسة الدعم الأميركي المطلق لإسرائيل وإعطاء أولوية للضغط على إسرائيل لإلزامها بقرارات الشرعية الدولية وإنهاء احتلالها للأراضي العربية وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة؛ خامساً، إيجاد خريطة طريق للانسحاب الأميركي من العراق.
المعنى من ذلك أنه ينبغي الخروج من إطار المعالجات الأمنية البحتة، على الصعيدين الدولي والوطني، فهي لوحدها ليست السبيل لتحقيق النجاح في محاربة التعصب والتطرف وأعمال الإرهاب، فهذا الأمر يحتاج أساساً إلى توفير المناخات التي تحول دون انتشار هذه الظواهر المرضية الخطيرة، ولاسيما لجهة تحقيق التنمية الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، والتربية على الديمقراطية وقبول الرأي الآخر والانفتاح على الثقافات واحترام الذات الإنسانية.
|