للمشاركة وإبداء الرأي أضغط هنا


ملفات ساخنة

المقالة: | قبل | بعد | | عناوين المقالات | عناوين جميع المقالات
نحو استراتيجية شاملة لمواجهة الإرهاب‏
من لندن الى شرم الشيخ ..الارهاب وصراعات الشعوب

د‏.‏ محمد السيد سعيد
لماذا ارتكب الارهاب الاجرامي هذه المذبحة المريعة في شرم الشيخ
لا يزال العقل العربي مرتبكا بشدة في تحليل الظاهرة الارهابية التي يجسدها تنظيم القاعدة في الفعل السياسي أسوأ تمثيل‏.‏ فلا تزال مدرسة أساسية في الفكر العربي غير راغبة في استيعاب حقيقة أن هذا التنظيم‏-‏ وما يتفرع عنه أو يشبهه من تنظيمات وتسميات‏-‏ مسئول عن جرائم الابادة الجماعية المريعة التي تمت في أرجاء العالم وفي مصر والسعودية والجزائر ومعظم الأقطار العربية الأخري خلال السنوات العشرين الماضية‏.‏
والواقع أن ثمة شيئا انسانيا للغاية في هذا الانكار والارتباك‏.‏ فالبعض لا يكاد يتصور ولو امكانية استيعاب حقيقة أن شبابا عربا ومسلمين يقومون بهذه المذابح الجماعية الشنيعة لأن تصور هذا البعض عن العروبة والاسلام ينأي بهما بعيدا كلية عن امكانية توظيفهما لتبرير مثل تلك الجرائم المروعة‏.‏ ولذلك يميل هذا البعض لنسبها الي أشد الخصوم ضراوة ومخاصمة للحق والقانون والأخلاق العالمية والمرعية في كل الثقافات الكبري في العالم‏:‏ أي الصهيونية وامتداداتها‏.‏ وببساطة يصعب تصديق أن يكون من ارتكب جريمة مثل مذبحة شرم الشيخ من المسلمين أو من أبناء هذا الوطن المصري أو الوطن العربي‏.‏ اذن يمكن لهذا الانكار أن يكون موقفا نبيلا أو أن يستند علي تفسير انساني وأخلاقي سليم معرفيا للاسلام والوطنية والقومية‏.‏ ولكن المشكلة معه هو أنه موقف خاصم الحقيقة والواقع طويلا‏.‏
ولأنه لم يعد من الممكن مخاصمة أو تجاهل الحقيقة طويلا يظهر الارتباك في فهم وتحليل جرائم الابادة الجماعية هذه في نمط خاص من التفسير‏,‏ وهو تفسير ينتقل فجأة الي شيء أقرب الي التبرير‏.‏ فاذا بنفس الذين أنكروا طويلا مسئولية القاعدة عن أحداث‏11‏ سبتمبر وجرائم الابادة في بالي بأندونيسيا والدار البيضاء ومدريد والعراق ولندن مؤخرا ينتقلون بدون مقدمات الي فهم تلك الأحداث باعتبارها انعكاسا للظلم الدولي الواقع علي الفلسطينيين والعرب‏.‏ والمنطق المستعمل ضمنيا أو صراحة في هذا التحليلات هي أنه لولا هذا الظلم لما كان الارهاب الذي تمارسه تنظيمات مثل القاعدة بتسمياتها المختلفة‏.‏ وهنا يكاد التحليل يصل الي مستوي التبرير بمعني القول بأن القاعدة وأمثالها من التنظيمات يحارب أمريكا والصهيونية واسرائيل‏,‏ بل ويحقق انتصارات ضدهما‏.‏ وهكذا ينتقل هذا العقل المشوش والمرتبك من انكار مسئولية القاعدة وأمثالها عن تلك الجرائم الي تصويرها فجأة وكأنها حرب ضد الظلم والاستعمار‏.‏ ان مثل هذا التحليل‏-‏التبرير يشتمل علي تناقضات واحالات تصنع فجوات كبيرة مع الحقيقة‏.‏
أول هذه الفجوات أن الارهاب له جذور وتراث فكري وتقاليد تاريخية طويلة في الحضارة العربية الاسلامية‏,‏ وأنه بالأكثر استند علي تفسيرات متطرفة للاسلام‏.‏ بدأ الارهاب كتقليد سياسي منذ الفتنة الكبري وتضخم كالسرطان في حركة الخوارج بشتي تفريعاتها‏,‏ وبدأ تبريره باسم الجهاد في ذلك الوقت‏,‏ ثم وصل الي صورته النقية أو الكاملة مع حركة الحشاشين في القرن الحادي عشر الميلادي‏.‏
أما ثاني أهم هذه الفجوات وهي التي تهمنا بشكل خاص من الناحية العملية فهي أن الغالبية الكاسحة من جرائم التنظيمات الارهابية باسم الاسلام لا صلة لها علي الاطلاق تقريبا بالنضال أو‏'‏ الجهاد‏'‏ ضد أمريكا واسرائيل‏.‏ بل ترتكب تلك الجرائم ضد مجتمعات عربية ومسلمة ويتسم أكثر ضحاياها بانهم من أكثر المسلمين والعرب بساطة وفقرا أو حرمانا من أي مظهر من مظاهر القوة‏.‏ وبوسعنا أن نعود الي الاحصائيات المتاحة لتظهر هذه الحقيقة كالشمس‏.‏ صحيح‏:‏ يبدأ الارهاب الديني بذهنية فيها غضب شديد وثورة وجدانية ضد الظلم والقهر‏,‏ ولكن‏'‏ الوسيط الايديولوجي‏'‏ أو المفاهيمي المستخدم يفضي الي تحول سيكولوجي وسياسي عميق الي نفس ذهنية القتلة الأشد قسوة في التاريخ‏,‏ ولا تكاد تفرق بين أصحاب المذاهب الارهابية في التفسير الديني عن ذهنية جنكيزخان أو تيمورلنكة‏,‏ والأخير كان مسلما‏.‏
أما الفجوة الثالثة فهي أن الجرائم الارهابية وخاصة التي تصنف قانونا باعتبارها جرائم ابادة أو مجازر جماعية وعشوائية لا تحتفظ بأي علاقة مع‏'‏ هدف‏'‏ العمل ضد الظلم الاستعماري‏.‏ لاحظوا أولا أن هؤلاء الناس وخاصة أتباع اسامة بن لادن لا يتحدثون عن سياسات امبريالية أو حتي تكوينات سياسية امبريالية أو استعمارية وانما يتحدثون عن أمريكا وأوربا‏'‏ كفار‏'‏ وهو ما يجعل جميع الشعوب الغربية بل جميع شعوب العالم كفارا‏,‏ وباعتبارهم كذلك‏,‏ وبغض النظر عما يفعلونه‏-‏ أي حتي لو كانوا يناضلون معنا ضد محتلف أشكال الحرب والظلم القومي والاستعمار‏-‏ فهم أعداء ويجدر قتلهم‏,‏ ويبرر ذلك باسم نظرية‏'‏ البرزخين‏'‏ وهي صيغة أشد تطرفا بكثير من نظرية دار الحرب ودار الاسلام التي أنتجها فقه القرون العربية الوسطي‏.‏
ولذلك فان استهداف الابادة الجماعية للأجانب في بلادهم الأصلية أو في ضيافة بلادنا العربية والاسلامية هو أمر‏'‏ شرعي‏'‏ كما يرون‏.‏
أما الفجوة الرابعة فهي أن النتائج العملية لهذه الجرائم تهد حيل المجتمعات العربية والاسلامية وتضعفها أكثر بكثير مما تسبب اضرارا للامبريالية أو الصهونية‏.‏ لقد كان ذلك صحيحا في التاريخ‏,‏ وهو أكثر صحة الان‏,‏ في الخارج والداخل ومن حيث المكانة المعنوية والواقع الاجتماعي والسياسي معا‏.‏ بل أن هذه الجرائم تصب لمصلحة الصهيونية والامبريالية لا مصلحة أي طرف أخر‏.‏ فقد أصبح من السهل لأشد التيارات عنصرية ورجعية في أمريكا أن تحرض ضد العرب والمسلمين كأنهم فئة متوحشة من الناس التي لا تعرف قيمة للحياة الانسانية‏!.‏
أما الفجوة الخامسة المهمة في الفكر التبريري فهي تظهر جلية في حقيقة تاريخية ساطعة وهي أنه لم يحدث أبدا أن انتصر الارهاب الا في مواقع معزولة وهامشية في أي لحظة من لحظات التاريخ‏.‏ لم يحدث أن انتصر الارهاب المتسربل بالاسلام أو المسيحية أو أي دين أو أيديولوجية لأن الصراعات السياسية والاستراتيجية الكبري في التاريخ مثل الصراع العربي الاسرائيلي أو الصراع حول استقلال العراق والعرب عموما يحتاج الي توازنات استراتيجية وكلية دقيقة والي قدرات دول كبيرة ومتحدة‏.‏ بل ولم يحدث أن انتصر الارهاب ووصل الي السلطة في بلد واحد‏.‏
المصدر : الاهرام

المقالة: | قبل | بعد | | عناوين المقالات | عناوين جميع المقالات

 © حقوق الطبع محفوظة للبلاغ
Copyright © 2000 alblagh ORG. All rights reserved. info@balagh.com