للمشاركة وإبداء الرأي أضغط هنا


ملفات ساخنة

المقالة: | قبل | بعد | | عناوين المقالات | عناوين جميع المقالات
NEW YEAR
احتفال المسلمين بين التقاليد والمظاهر الجذابة
لمشاهدة الصورة بحجم اكبر إضغط علي الصورة

محمد فتح الله كولن
يتم الاحتفال بالأيام العائدة إلى السيد المسيح عليه السلام في جميع البلدان تقريبا، المسيحية منها وغير المسيحية، بمظاهر كبيرة من الفرح والحبور والبهجة. وتستمر هذه الاحتفالات أسابيع، بل أشهرا، تجري فيها حوارات وكلام في هذا الموضوع. وفي كل أسبوع يتم تبادل التهاني والهدايا باسمه، ويكون هذا هو الشغل الشاغل لدوائر البريد في تلك الأيام، وتدق الهواتف على الدوام من أجله، وترتفع سماعات الهواتف له، وتتزين كل الأرجاء بالشموع، وتغرق الأسواق والمحلات التجارية بالأضواء، وترتفع الضحكات. تنقلب البيوت إلى خلية نحل تئز بالمشاعر نحوه، وتئن المعابد بأناشيده، ويمر كل يوم ضمن احتفالات ساحرة تدير الرؤوس.
صحيح أن العديد من الناس في هذه الكرنافالات التي يختلط فيها الحابل بالنابل لا يعرفون ما يفعلون ولا يعرفون لماذا يفعلون، ويكون الكثير من تصرفاتهم تصرفات تهريجية ودون أي ضوابط. ولكن مع هذا تَشم في تلك الأيام نوعا من الوجد الديني، وقطاعات كبيرة من الناس تعرف ماذا تفعل.
على أي حال من الأحوال فإن الأيام والليالي المرتبطة بالمسيح عليه السلام قد امتزجت في فكر الإنسانية إلى درجة أن الجميع -أدركوا ذلك أو لم يدركوه- يجدون أنفسهم في خضم هذه الاحتفالات الغريبة. وسواء أكانت الاحتفالات عبادة أو لهوا أو تهريجا، فهم يجدون أنفسهم يشاركون المسيحيين المشاعر نفسها، ويقومون ويقعدون مع هذه المشاعر، حتى أنهم يقومون بقطع أشجار الصنوبر وبذبح الديك الرومي
طبعا نحن لا نرضى ولا يوجد هناك شخص واحد يرضى أو يقبل تحول مناسبة المولد السعيد والمبارك والمبجل، ولا تحول الدين الإسلامي إلى مثل هذه الكرنافالات. كما لا يملك أحد القدرة على القيام بمثل هذا التحويل. ولكن كلما شاهدنا كيف أن دنيا يسودها الكذب والرياء استطاعت استغفال الإنسانية كلها وأخذتها في شباكها... كلما شاهدنا هذا نحاسب أنفسنا ونتسائل بحزن: "لماذا لا يستطيع العالم الإسلامي الاحتفال في ربيع الأول كما يجب بمولد سلطان الأنبياء الذي هو في الوقت نفسه ميلاد هذا العالم وربيعه، ويوم خلاص الإنسانية نفسها... الاحتفال بنفس المشاعر الجياشة".
لا يجب أن يتبادر إلى الأذهان مما ذكرنا أعلاه أننا نريد المسّ بمقام سيدنا المسيح عليه السلام وبمنـزلته، أو بمقام أتباعه وحوارييه. فالاحترام والتوقير الذي نحمله نحن المسلمين تجاه هذا الرسول الكريم لا حد لـه. كما نؤمن بأن الرسالة التي أتى بها تشكل الآن ركنا مهما من أركان المدنية الغربية الحالية. فالمؤرخون وعلماء فلسفة الحضارات يذكرون بأنه لولا رسالة المسيح عليه السلام وما حملته من روح ومعنى لما ظهرت المدنية الغربية. لأن هذه المدنية تعتمد على أركان أو على أسس ثلاثة هي: الفكر اليوناني (الفكر الرياضي)، والقانون الروماني، ثم الركن الثالث المهم وهو الدين المسيحي. ويجب هنا أن نسجل بأنه لولا فخر الكائنات محمد صلى الله عليه و سلم ورسالته الهادية المنيرة لما كانت هناك حضارة تحت اسم الحضارة الإسلامية. ولولا الحضارة الإسلامية لما كانت هناك الحضارة الغربية.
أجل!.. فلو لم يكن هناك الدين الإسلامي بسماحته المعروفة ودفئه وتقديره للعلم والفكر وحضّه عليهما... ولولا شروقه على سفوح الغرب بألوانه السماوية... ولولا قيام العلماء المسلمين والمفكرين الأتراك منذ القرن العاشر بنقل الثقافة اليونانية – اللاتينية إلى أوروبا وتعريفها للأوروبين لبقي الغرب حتى الآن في ظلام القرون الوسطى. وكما هو معروف فإن علوم الرياضيات والفيزياء والكيمياء والفلك والهندسة والطب وغيرها من العلوم كلها من منشأ شرقي، ومنصهرة في البوتقة الإسلامية. وعلى الرغم من وجود فئة مستغربة تتصور أن الغرب وحده هو مصدر كل شيء متعلق بالمدنية، وهي لا تقبل سوى هذه النظرة، فإن الغرب اضطر لكي يأخذ موضعه الحالي من المدنية إلى الانتظار ستة عصور بعد بعثة المسيح عليه السلام... انتظر والتقى بالإسلام. وسواء أسْتطاع الغرب تقييم هذا اللقاء كما ينبغي أم لم يستطع، فهذه مسألة أخرى، ولكنه تأثر به دون أي شك، واستفاد منه كثيرا، وخطط مستقبله على ضوئه.
على الرغم من عدم قيام الغرب بتبني الضوابط التي تشكل أسس الحضارة الإسلامية إلا أنه أخذ الشيء الكثير من الإسلام واستفاد منه. ولعب ما أخذه عن الإسلام، وما تداعى إليه منه، دورا كبيرا في تشكيل العقل والفكر الغربي الحديث. لذا نستطيع أن نقول مع الشاعر محمد عاكف:
الدنيا مدينة له فيما تملكه،
المجتمع والفرد مدين له،
البشرية بأسرها مدينة لذلك المعصوم،
يا رب!.. ثبتنا على هذه الكلمة يوم الحشر...
منذ عصور ونحن عاجزون عن الاحتفال بيوم وأسبوع وشهر ولادة هذا الرسول الكريم صلى الله عليه و سلم الذي تدين له الإنسانية جمعاء، بما يتناسب مع قامته السامقة الرفيعة، بل لا يتم الاحتفال به بنسبة ما تتم من الاحتفالات لعظماء التاريخ الذين لا يستطيعون بلوغ كعبه صلى الله عليه و سلم. فلو رتبت الاحتفالات بمولده أياما وسنوات وعصورا لما تم الإيفاء بحقه. ولو أنشدنا عشرات وآلاف القصائد والأناشيد كل ليلة لما أوفيناه حقه. ولكن انطلاقا من المثل الشعبي القائل: "السلطنة تليق بالسلطان، والتسول يليق بالمتسولين" نقول: "بدلا من عدم عمل أي شيء، فمن الأفضل عمل ما يمكننا عمله في الأقل".

المقالة: | قبل | بعد | | عناوين المقالات | عناوين جميع المقالات

 © حقوق الطبع محفوظة للبلاغ
Copyright © 2000 alblagh ORG. All rights reserved. info@balagh.com