تربية واخـلاق

قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب
اسم الكتاب:  المعصية والشقاء


أ ـ الجهل وعدم الوضوح:

يلعب الجهل دوراً خطيراً في حياة الإنسان، فهو سبب رئيس من أسباب الضلال والضياع، وهو عامل من عوامل الفساد والانحراف، وهو سبب فعّال في صنع الجريمة والمعصية.. ذلك لان الجاهل لا يدرك خطورة فعله، ولا يعرف نتائج سلوكه المشين، ولا يميز الطريق الموصل إلى الخير، فهو في عداد الأموات وهو كالأعمى الذي لا يميز بين الألوان أو كالأصم الذي لا يفرق بين الأصوات(أم اتَّخَذوا مِنْ دُونِهِ آلِهةً قُلْ هاتُوا بُرهانَكُمْ هذا ذِكْرُ مَنْ مَعي وَذِكْرُ مَنْ قَبلي بَل أكثرُهُمْ لا يَعلمون الحقَّ فهُم مُعرِضُون).(الأنبياء/24)
لذا فإن الجريمة والمخالفة، تقلّ بين العلماء والفلاسفة والمفكرين والمثقفين، إذا ما قيسوا بالمجتمع الذي ينتمون إليه فكراً وسلوكاً.
ويجب أن لا يغيب عن أذهاننا، أن العلم الحقيقي الذي يصون الإنسان عن الجريمة والمعصية بالدرجة الأولى، هو العلم بالله، ومعرفة علاقة الوجود به، وموقع الإنسان من هذا الوجود، ومن تلك العلاقة بالله، وبدون هذا التشخيص لا يستطيع أن يُقوِّم حقيقة سلوكه، ونتيجة فعله. لذا نرى بعض العلماء والمفكرين والمثقفين من الذين لا يؤمنون بالله تعالى يقدمون على أبشع الجرائم في التخطيط لحروب الإبادة البشرية، أو صنع وسائل الخراب والدمار، أو وضع خطط الإجرام والعدوان، لسفك الدماء ونهب الأموال والخيرات، وإحكام قبضة الظالمين الطغاة...الخ.
ذلك لان معرفتهم بالأشياء والمواضيع وقيم الخير والشر تتوقف عند حد، وهو تحقيق ما ترنو إليه نوازعهم ودوافعهم الشخصية، ووقوفهم عند هذا الحد بداية لمرحلة جهل مظلمة، تسوقهم لفعل المعصية والجريمة، تماماً كما يساق الجاهل المتوحش.
وصدق الرسول الأمين محمد(صلى الله عليه وآله وسلم) في جوابه حينما سئل(أي الناس شر؟ قال: العلماء إذا فسدوا)(8).
وإذا تخطينا هذه الطبقة من حملة العلم والثقافة المادية، الّتي تجهل علاقتها الحقيقية بخالق الوجود، لتدخل في نهاية المطاف مع طوابير الجهال، وتتساوى معهم في فعل المعصية والجريمة.. إذا تجاوزنا هؤلاء المتعلمين إلى الجهال الذين لم يستنيروا بنور العلم، ولم يستضيئوا بهدى المعرفة، نجد أنهم هم الفئات الموبوءة الّتي تعشعش في أوساطها المعصية والجريمة، بسبب الجهل وقلة المعرفة، لذا حارب الإسلام الجهل، وربط بينه وبين الكفر والمعصية والجريمة.. ذلك لان العارف الذي تتضح له الأفعال والممارسات على حقيقتها، وتتشخص له نتائجها وآثارها و انعكاساتها ـ على نفسه ووجوده ومصيره - لا يقدم على المعصية، ولا يختار إيقاعها في عالم الوجود.. بل يسعى لإعدامها، ومحو وجودها، لأنها شر مهلك، وعمل شاذ يحول بينه وبين خيره وسعادته، فإذا حصلت له هذه الدرجة من الوضوح والمعرفة، لا يمكن أن يختار الشر والشقاء على الخير والسعادة.
والإسلام يريد أن يكوِّن للإنسان هذه الدرجة من الوضوح، ليستطيع أن يميز ويقوّم الأشياء بواسطتها، فيختار السلوك المحقِّق لخيره وسعادته، ويرفض الانحراف والشذوذ والفساد.
أما الجاهل فهو المعرض دائماً عن رسالة الحق، المتنكر لدعوة الخير، لذا جاء في القرآن في وصف هذه الفئة من الناس:
(قالَ إنَّما العِلْمُ عندَ اللهِ وأبَلِّغُكُمْ ما أرسِلْتُ بهِ، وَلكنَّي أراكُمْ قوماً تَجْهَلُون).(الأحقاف/23)
(إِنَّكَ لا تُسْمِعُ المَوْتَى وَلا تُسْمِعُ الصُمَّ الدُعاء إذا وَلَّوْا مُدْبِرين. وَمَا أنْتَ بِهادي العُمِي عَنْ ضلالَتِهِمْ إنْ تُسْمِعُ إلاّ مَنْ يُؤمِنُ بآياتِنا فَهُمْ مُسلِمُون).(النمل 80/81)
(بَلْ اتَّبعَ الّذين ظَلَمُوا أهْواءهُمْ بِغير عِلْم فَمَنْ يَهْدي مَنْ أضَلَّ الله وَما لَهُمْ مِنْ ناصرين).
(الروم/29)
فالقرآن هنا يستعرض أسباب الكفر والضلال والمعصية، فيردها إلى الجهل الذي عبر عنه بالعمى والصمم، لأنه يحول بين صاحبه وبين رؤية الحق، وسماع صوت الهدى والرشاد، ووصفه بالموت، لان الجاهل لم يعد يدرك مع الجهل حقيقة الوجود، وطبيعة الحياة كما هي في حقيقتها.. وبذلك أصبح معزولاً عنها كما يعزل الميت عن الإدراك والوعي والاختيار.
والجاهل لا يعذر ـ في الإسلام على جهله، فيتخذه مبرراً له، بل يجب عليه أن يتعلم، ليكتشف كل ما تتوقف عليه نجاته وهدايته وإصلاحه في الدنيا والآخرة.. لذلك أرسل الله سبحانه الأنبياء والرسل، وأوجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وحث على طلب العلم والمعرفة.. كل ذلك من أجل أن تتوفر المعرفة لدى الانسان، ليتمكن من تحصيل خيره وسعادته، فيصغي الى صوت الحق، ويستجيب لدعوة الخير.

قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب

 © حقوق الطبع محفوظة للبلاغ
Copyright © 2000 alblagh ORG. All rights reserved. info@balagh.com