قسم:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|
اسم الكتاب: المعصية والشقاء
ب ـ الانحراف النفسي:
والعنصر الثاني من عناصر صنع المعصية والانحراف والجريمة هو الانحراف النفسي، والمرض الأخلاقي الذي تصاب به الشخصية، بسبب البيئة أو التربية أو الوراثة.. الخ عندما لا تخضع هذه الشخصيات المريضة للمعالجة، ولا لتربية تقويمية، تصحح انحرافها، وتقوّم دوافعها، لان النفس البشرية، والدوافع الأخلاقية الفطرية في الإنسان، تكون في بداية تكونها سليمة ما لم تطرأ عليها عوامل الانحراف المرضي، فإن هي تعرضت لتلك العوامل المرضية، أمكن معالجتها، وتطهير أعماقها، وتصحيح مسارها، لتتطابق مع قانون الفطرة العام، فتستوعب بذلك كل فعل خير وحسن في الحياة، وتصبح قادرة على الالتزام والاستقامة، الّتي هي عبارة عن التطابق مع مبادئ الخير والحق والعدل، وتنفر عن كل ما يعاكس هذا الاتجاه السليم، من مثيرات الشر والرذيلة والفساد، الذي يستوعبه عنوان المعصية، فتحقق بذلك الطاعة لله كما يصطلح عليها القرآن الكريم. أما إذا انحرفت النفس الإنسانية عن خطها الفطري السليم، وفقدت اتجاهها الطبيعي في الحياة، بسبب اختلال توازنها، واضطراب محفزاتها وغاياتها، ولم تخضع لعملية معالجة وتطهير، فإنها تصاب بحالة مرضيه مستعصية، فتجنح للتعقيد بدل الانبساط، وللانحراف بدل الاستقامة، وللتفريط بدل الاعتدال.. فتطغى عليها النوازع الشهوانية، والإندفاعات البهيمية كالأنانية المقيتة، والكبرياء، والحقد، والجشع، والحرص، والانتقام، والشعور، بالنقص ، والنهم الحسي الذي يقود المريض إلى السقوط تحت وطأة اللذة الحسية، وعدم الشبع منها..الخ، فكل تلك الدوافع المرضية تتكثف أو تنفرد لتشكل سبباً رئيساً في صنع المعصية والانحراف، فتقود الشخصية المريضة إلى الضلال والفساد والإجرام، فيلجأ المريض المنحرف إلى القتل والسرقة والزنا والكذب والاحتيال والغش وشرب الخمر والظلم، ورفض الإيمان بالله والتحلل من قيم الأخلاق، واللجوء إلى العدوان والإستهانه بمبادئ الحق والخير في هذا الوجود..الخ وقد استعرض القرآن الكريم نماذج بشرية من هذا القطاع، ليدلل على أن الدين هو طريق الاستقامة والسلامة النفسية والأخلاقية، وأن الانحراف عنه حالة مرضية تعتري المنحرفين، وليست وضعاً طبيعياً يمكن إقراره، لذلك حشد الإسلام كل الوسائل الكفيلة باقتلاع جذور الانحراف النفسي، والشذوذ المرضي، لإصلاح الفرد والعودة به من شقاء المعصية والسقوط، الى طمأنينة الطاعة وسعادتها، فاستعرض القرآن كثيراً من شخصيات المنحرفين، وأهتم بتحليل تركيبها، وكشف أعماقها السوداء، لكي يعرف الإنسان سبب ضلاله ومعصيته، وشيوع الجريمة في حياته، فقال تعالى: (ثُمَّ بَعَثْنا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسى وَهارونَ إلى فِرعَوْن وَمَلَئِهِ بآياتِنا فاستَكْبَروا وَكانوا قوماً مُجرِمِين).(يونس/75) (في قُلوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَهُمُ اللهُ مَرَضاً وَلَهُمْ عَذابٌ أليمٌ بما كانوا يَكْذِبُون).(البقرة/10) (وإذا تُتلى عليهِ آياتُنا وَلَّى مُستكبراً كَأنْ لَمْ يَسمَعْها كأنَّ في أذُنَيهِ وَقراً فَبِشِّرْهُ بِعذاب أليم).(لقمان/7) (إذا تُتلى عليهِ آياتُنا قَالَ أساطِيرُ الأوَّلِين كلاَّ بَلْ رَانَ على قُلوبِهمْ ما كانوا يَكسِبُون). (المطففين/13ـ14) (وَجَحَدُوا بها واستـَيْقـَنَتْها أنْفُسُهُم ظُلماً وَعُلُوَّا فانْظُر كَيفِ كانَ عاقبةُ المُفسدين). (النمل/14) (سأصرِفُ عن آياتِي الّذينَ يَتَكَبَّرونَ في الأرضِ بغيرِ الحقِّ وإنْ يَرَوا كُلَّ آية لا يُؤمِنوا بها وإن يَرَوا سَبيلَ الرُشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سبيلاً وإن يَرَوا سَبيلَ الغَي يَتَخِذُوهُ سبيلاً ذلكَ بِأنَّهُمْ كَذَّبُوا بآياتِنا وكانوا عنها غافِلِين).(الأعراف/146) وبهذا الاستعراض الواضح لشخصية المنحرف الضال، يشرح القرآن حقيقة الدوافع المرضية الكامنة وراء الانحراف والجريمة، ليؤكد أن هؤلاء المنحرفين هم ذوو قلوب مريضة،ونفوس منحرفة، يطغى عليهم الفساد والكبرياء، فيتنكرون للحق والرشاد، ويتعمدون المعصية والضلال، تأثراً بتلك الدوافع المرضية الّتي غطت وعيهم وإحساسهم السليم، فرانت على قلوبهم، وحجبت عنهم الرؤية السليمة، فاضطربت بأيديهم الموازين، واختلفت عندهم المقاييس، فتنكروا للحق والخير، وسلكوا سبيل المعصية والجريمة والفساد: (فَلَوْلا كَانَ مِنَ القُرونِ مِنْ قَبْلِكُم أولُوا بَقيَّةِ يَنْهَوْنَ عَنِ الفَسادِ في الأرضِ إلاّ قَليلاً مِمَّنْ أنْجَيْنَا مِنْهُم وَاتَّبَعَ الّذين ظَلَمُوا ما أترِفُوا فيهِ وَكانُوا مُجرِمِين).(هود/116) وكل هذا الإيضاح والتعريف بتلك النوعية يسوقه القرآن ليستيقظ الإنسان ويدرك بوعيه ويقظة ضميره حقيقة الدوافع الّتي تقوده نحو الهاوية، فلا يسلم قياده لها ولا يخضع لتأثيرها حرصاً على إنقاذ البشرية وإيضاحاً لسبل الحياة أمامها: (ولِيُحِقَّ الحَقَّ وَيُبْطِلَ الباطِلَ وَلَو كَرِهَ الُمجرمُون).(الأنفال/8)
|
|
|
قسم:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|