اسم الكتاب: المعصية والشقاء
ج ـ الحاجة:
للإنسان حاجة طبيعية، من الغذاء واللباس والجنس والسكن واللوازم الحياتية المختلفة فهو يبذل جهوده لتحصيلها، والاطمئنان على توفيرها.. فإن حالت دون توفرها الحواجز، وعجز عن تحصيلها في ظل نظام جائر، لا يكفل له حاجته، ولا يسد فقره ونواقصه لجأ إلى المعصية والجريمة.. فيسرق ويقتل ويزني ويكذب ويغش ويحتال من أجل أن يشبع حاجته، بطرق محرمة، وبوسائل ملتوية شاذة. وقد عالج الإسلام موضوع الحاجة، ووضع التشريعات القانونية وثبَّت القيم الأخلاقية الّتي تتكفل بسد حاجة كل فرد من أفراد المجتمع، وتساعد على استئصال جذور الجريمة وتقريب الأفراد من الطاعة والاستقامة، واعتبر الفقر سبباً من أسباب الانحراف .. فقد ورد في الحديث الشريف: (نعم العون على تقوى الله الغنى)(9). وورد في حيث آخر:(غنىً يَحْجِزُك عن الظُلم خيرٌ مِنْ فقر يحمِلُكَ على الإثم)(10)، وروي عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): (بارِكْ لَنا في الخبز، ولا تُفَرِّقْ بيننا وبينه، فلولا الخبز ما صلينا ولا صمنا، ولا أدينا فرائض ربنا)(11). وقد راعى الإسلام موضوع الحاجة، ورفع العقوبات في وقت الحاجة الشديدة، الّتي يتوقف عليها موضوع إنقاذ النفس، فصرح بها القرآن بقوله: (فَمَنِ اضطُرَّ غَيرَ باغ ولا عاد فَلا إثْمَ عليه إنَّ اللهَ غفورٌ رحيم).(البقرة/173) ولم يعتبر مخالفة القانون في وقت الاضطرار والضرورات القصوى جريمة ولا معصية، لأن المقدم عليها لا يحمل نفسية المجرم، ولا يقصد المعصية أو التجرؤ والخروج على القانون، بل تضطره الظروف المحيطة به إلى الخروج والتجاوز المؤقت. وبعكس المجتمع الإسلامي تجد المجتمعات غير الاسلامية، الّتي يقع أفرادها تحت ضغط الحاجة، فيجدون أنفسهم مدفوعين إلى مخالفة القانون والنظام، الذي فرض عليهم الجريمة، عندما لم يوفر لهم كفايتهم من الحياة، ولم يضمن لهم سبل العيش السوي، ولم يتكفل ببناء الإنسان وتربيته، بعيداً عن أجواء الجريمة والسقوط. وكم هو جائر هذا القانون والنظام الذي لم يوفر للإنسان الواقع تحت سيطرته، البيئة، ولا العوامل المساعدة على حياة الاستقامة.. بل أنتج الأجواء والظروف المناسبة لنشوء الجريمة، ثم أتخذ من نفسه بعد ذلك قاضياً للعدل يحاكم ضحاياه ... وجلاداً يوقع بهم العقاب والقصاص!!
|
|