تربية واخـلاق

قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب
اسم الكتاب:  المعصية والشقاء


ب ـ العقاب الاجتماعي:

وهو العقاب الذي يتجسد كنتيجة طبيعية تفرزها المعصية، وينتجها الانحراف عن المنهج الإلهي في الحياة، فهذا اللون من العذاب يظهر كحقيقة تاريخية تتجسد في حياة المجتمع، فيتحسسها أفراده، ويعايشها الناس جميعاً.. كنتيجة لتكثف الانحراف والمعصية.. وتنعكس على الحياة العامة بشكل بؤس وشقاء ومآس مختلفة الألوان والصيغ..
والسر في ذلك هو أن المنهج الإلهي بما فيه من شريعة وقانون وقيم هو المنهج الذي جعل طريقاً لتنظيم الحياة وتوفير خير الإنسان وسعادته، وهو وحده القانون الاجتماعي الذي يستطيع أن يحقق خير الإنسانية وسعادتها..
وبالانحراف عنه، وبمعصية الأمر الإلهي القاضي بالالتزام به، تنتج نتائج طبيعية، وتظهر ظواهر اجتماعية حتمية لهذا الانحراف، هي في واقعها عقاب يضرب خير الإنسان وسعادته، ويفرض عليه التعاسة الخ.. والشقاء في المجال النفسي والبدني والاقتصادي والسياسي والأمني..
وقد تواردت الآيات والأحاديث الكثيرة الّتي تتحدث عن هذا اللون من العقاب، وتؤكد ظهوره في الحياة الاجتماعية بصورة حتمية وطبيعية كلما انحرف الإنسان عن منهج الإسلام، وعصى إرادة الله وأوامره:
قال الله تعالى: (قُلْ هُوَ القادِرُ على أنْ يَبعَثَ عليكُمْ عذاباً مِنْ فوقِكُمْ أو مِنْ تَحتَ أرجُلِكُمْ أو يُلْبِسَكُمْ شِيَعَاً وَ يُذِيقَ بَعضَكُمْ بأسَ بَعْض انظُرْ كيفَ نُصرِّفُ الآياتِ لَعلَّهُمْ يَفقَهُون).(الأنعام/65)
(ظَهَرَ الفَسادُ في البَرِّ والبَحْرِِ بما كَسَبتْ أيدي الناسِ لِيُذِيقَهَمْ بعضَ الذي عَمِلُوا لعلَّهُمْ يَرجِعُون).(الروم/41)
(وَضَرَبَ اللهُ مثلاً قريةً كانت آمنةً مُطمئنّةً يأتيها رِزقُها رَغِداً مِنْ كُلِّ مكان فَكَفَرتْ بِأنْعُمِ اللهِ فأذاقَها اللهُ لِباسَ الجُوعِ وَالخَوفِ بما كانُوا يَصنعُون).(النحل/112)
(وَلَقَدْ أخَذْنا آل فِرعَونَ بالسِّنينَ ونَقْص مِنَ الَثمَراتِ لَعلَّهُمْ يَذَّكرُون).(الأعراف/130)
ومن تفسير القرآن وتحليله لأسباب العقاب وأشكال ظهوره في المجتمعات البشرية ننتقل إلى السنة النبوية لنَجد فيها الوعي الكامل والتفسير الأعمق لمضامين هذه الآيات وموضوعاتها فنقرأ منها:
قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم):
(علامة رضى الله تعالى في خلقه عدل سلطانهم، ورخص أسعارهم، وعلامة غضب الله تبارك وتعالى على خلقه جور سلطانهم وغلاء أسعارهم)(14).
وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): (كيفما تكونوا يُوَلَّ عليكم).
وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): (إذا ساد القوم فاسقهم، وكان زعيم القوم أذلهم، وأكرم الرجل الفاسق، فلينتظر البلاء)(15).
وأوصى الإمام علي (عليه السلام) بنيه فقال:
(... ولا تترُكوا الأمر بالمعروف والنهيَ عن المنكر فيولِّي اللهُ أمرَكم شرارَكُم، ثم تدعون فلا يُستجاب لكم عليهم)(16).
وقال ـ (عليه السلام) ـ:
(أما بعد فإنَّ الجهاد باب من أبواب الجنَّة فتحه اللهُ لخاصة أوليائه، وهو لباسُ التقوى، ودرعُ الله الحصينة، وجُنَّتُه الوثيقة، فمن تركه رغبةً عنه ألبسهُ اللهُ ثوبَ الذلِّ، وشمِلَهُ البلاء، ودِيثَ بالصغَارِ والقماءةَ، وضُرِب على قلبه بالأسهاب، وأديلَ الحقُّ منه بتضييع الجهاد، وَسِيمَ الخسفَ، ومُنِعَ النصف)(17).
وروي عن الإمام الصادق(عليه السلام) :
(إنَّ اللهَ عزَّ وجل بعثَ نبياً من أنبيائه إلى قومه، وأوحى إليه أن قُل لقومك:أنه ليس من أهل قرية، ولا أناس كانوا على طاعتي، فأصابهم فيها سَّراء، فتحولوا عما أُحِبُّ إلى ما اكْره، إلاّ تحوّلت لهم عما يُحبون إلى مايكرهون، وليس من أهل قرية، ولا أهل بيت كانوا على معصيتي فأصابهم فيها ضراء، فتحولوا عمَّا اكره إلى ما أحِبُّ، إلاّ تحوَّلتُ لَهُمْ عمّا يَكرهُون إلى ما يحبون، وقل لهم:إنّ رحمتي سبقت غضبي،فلا تقنطوا مِنْ رحمتي، فاِنَّه لا يتعاظم عندي ذنبٌ أغفرُه، وقلْ لهم: لا يتعرضوا معاندين لسخطي، ولا يستخفوا بأوليائي، فانَّ لي سطوات عند غضبي، لا يقوم لها شيُ من خلقي)(18).
وروي عنه أيضا: (أن أحدكم ليكثُر به الخوفُ من السلطان، وما ذلك إلا بالذنوب، فتوقوها ما استطعتم، ولا تمادوا فيها)(19).
وروي عن الإمام علي بن موسى الرضا (عليه السلام) أنه قال:
(كلما أحدثَ العبادُ من الذنوب ما لم يكونوا يعملون، أحدثَ اللهُ لهم من البلاء ما لم يكونوا يعرفون)(20).
فهذه المجموعة من النصوص والمفاهيم الإسلامية الصريحة تضع بين أيدينا ما يأتي:
1 ـ أن هذه النصوص والمفاهيم تضع بين أيدينا تفسيراً للعلاقات القانونية بين نشاطات الإنسان ومظاهر السلوك الفردي والاجتماعي من جهة وبين الوضع الاجتماعي ككل من جهة أخرى وتربط بينها ربطاً محكماً، فهي تربط بين السياسة والاجتماع والاقتصاد والوضع النفسي والتعبدي والعقائدي للإنسان ـ كما أشارت النصوص الآنف ذكرها، ولا تفصل بينها.
2ـ أن هذه الوحدة من العلاقات تسير باتجاه مترابط فأن سارت على أسس قانونية صحيحة حققت خير الإنسان وسعادته.. وأن انحراف الإنسان بها عن وضعها القانوني السليم، سار به هذا الانحراف نحو أوضاع البؤس والشقاء، وهذا البؤس والشقاء هو العقاب، أو الانعكاس السيئ الأثر للفعل الإنساني على الحياة ـ فيعاقب الله الشعوب والأُمم بأفعالها وتنعكس عليها آثار أفعالها.
لذلك ترى النصوص الإسلامية التي تحدثت عن الانحراف والمعصية والعقاب ربطت بين الضلال والتفرقة وتسلط البعض على البعض كما في الآية الأولى. وربطت بين الفساد العقائدي والأخلاقي والاجتماعي، وبين الأوضاع السيئة من بؤس ومعاناة وشقاء كما في الآية الثانية،، وكما ربطت الآية الثالثة والرابعة بين الانحراف عن المنهج الحق وبين ظهور الخوف والإرهاب والجوع والحرمان كنتيجة طبيعية لهذا الانحراف.
وفي الحديث الأول نجد الربط صريحاً بين الانحراف عن منهج الله(المعصية) من جهة، وبين ظهور الجور والظلم السياسي والأزمات الاقتصادية من جهة أخرى.
أما الحديث الثاني فانه يؤكد العلاقة بين الطبيعة النفسية والاجتماعية وبين نوع السلطة وطبيعة الدولة الحاكمة.. فهي حسب تفسير الحديث تعكس روح المجتمع ووعيه ومعتقده وسلوكه، وتعبر عن حقيقة الإنسان فيه.. فان كان المجتمع منحرفاً متردياً؛ كانت السلطة منحرفة وجائرة ومتردية فيأتي وجودها السيئ كعقاب طبيعي لأوضاع هذا المجتمع الشاذ المتردي،ووجودها السيئ انعكاس لروح المجتمع وتعبير عن طبيعة ومحتواه.
أما الحديث الثالث والرابع فانهما يكشفان عن العلاقة الطبيعية بين الذل والهوان وتسلط حكام الجور من جهة، وبين ترك الجهاد والأمر بالمعروف من جهة أخرى.. إذ لو وجدت في صفوف الأمة روح الجهاد، وحركة الإصلاح والتغيير والمقاومة للانحراف والفساد؛ لما ظهر التسلط والظلم والذل والهوان..
لذلك فان ترك الجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أو التزام الصمت والتخاذل ينتج عنه بصورة طبيعية تسلط الحكام الظلمة، وإذلال الناس واستعبادهم..
وهكذا تتحدث بقية الأحاديث عن العلاقة بين الانحراف (المعصية) وبين ظهور العقاب و دخول السلوك الإنساني والعلاقات الاجتماعية في معادلات متساوية الأطراف من الفعل والنتيجة ـ خيراً أو شراً ـ.

قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب

 © حقوق الطبع محفوظة للبلاغ
Copyright © 2000 alblagh ORG. All rights reserved. info@balagh.com