اسم الكتاب: المعصية والشقاء
د ـ العقاب الاخروي:
(منْ جاءَ بالحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أمثالِها وَمَنْ جاءَ بالَسَّيئةِ فلا يُجْزَى إلاّ مِثْلها وَهُمْ لا يُظلَمُون).(الأنعام /160) ( فكيفَ إذا جمعناهُم ليوم لا رَيْب فيهِ وَ وُفِّيتْ كُلُّ نَفْس ما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظلَون). (آل عمران / 25) ( لِيجْزي اللهُ كلِّ نَفْس مَا كَسَبَتْ إنّ الله سَريعٌ الحساب) . (إبراهيم /51) (.. فَمَنْ أظَلَمُ مِمَّن كَذَّبَ بآيات اللهِ وصَدَفَ عنها سَنجْزي الذين يَصدِفُونَ عن آياتِنا سُوء العِذابِ بما كانُوا يَصْدِفُون). (الأنعام / 157) (لَهمْ مِنْ جهَّنم مِهَادٌ و مِنْ فَوقِهِم غَوَاش وَكذالك نَجْزي الظالمين).(الأعراف / 41) القرآن لم يهتم بشيء ولم يتحدث عن شيء كما تحدث عن الحياة الآخرة، وكما اهتم بوجود الإنسان ومصيره فيها.. وهو في كل حديث واستعراض له عن هذا العالم الغيبي والمستور عن الإنسان يجعل الحياة في ذلك العالم نتيجة وحصيلة طبيعية لهذه الدنيا.. فالإنسان في هذه الحياة يصنع وجوده وحياته في عالم الآخرة.. والحياة في نظر القرآن امتداد أبدي لا ينتهي.. وما الموت إلاّ الولادة الثانية في عالم آخر.. وإلاّ الانتقال الخطير من عالم إلى عالم لا يحجز بينه وبين عالم الدنيا إلاّ الطبيعة التكوينية لكل واحد منها.. وهما حسب هذا المنطق القرآني الصريح طرفا معادلة.. تشكل أعمال الإنسان ومواقفه في الحياة الدنيا الطرف الأول فيه.. وتشكل صيغة الحياة في الآخرة الطرف الآخر الذي يمثل النتيجة وصيغة الفعل الإنساني التي تناسب ذلك العالم وتمثل طبيعته. لذلك سمَّى القرآن عالم الآخرة بعالم الجزاء والثوب؛لأنه عالم المكافأة والمقابلة للفعل بما يستحق الثواب؛ فهو عالم متقوم بنتائج الفعل الإنساني، ومكافئ له ـ إلاّ ما شمل الإنسان من رحمة الله وعفوه ـ. قال الراغب الإصفهاني: (الجزاء ما فيه الكفاية من المقابلة، إن خيراً فخيرٌ، وإن شراً فشرٌ، يقال جزيته كذا، وبكذا، قال الله تعالى(وجزاء سيئة سيئة مثلها)(21). ولذلك أيضاً ـ للتعادل والتكافؤ بين العمل والجزاء ـ سمي الجزاء الاخروي ثواباً؛لأن معنى الثواب هو ما يرجع إلى الإنسان من جزاء أعماله: قال الراغب الإصفهاني: ( أصل الثوب رجوع الشيء إلى حالته الأولى التي كان عليها، أو الحالة المقدرة المقصودة بالفكرة،وهي الحالة المشار إليها بقولهم أول الفكرة آخر العمل.. والثواب هو ما يرجع إلى الإنسان من جزاء أعماله فيسمى الجزاء ثواباً تصوراً أنه هو هو،ألا ترى كيف جعل الله تعالى الجزاء نفس الفعل في قوله: (فمن يعمل مثقال ذرة خيراّ يره ومن بعمل مثقال ذرة شراّ يره). ولم يقل جزاؤه. والثواب يقال في الخير والشر... ) (22) وهكذا يتحدث لنا القرآن عن أن عالم الآخرة هو عالم المكافأة والمجازاة... وأن هذه المكافأة والمجازاة هي ضرورة منطقية وطبيعية ترتبط بعدل الله سبحانه، لذلك قال تعالى: (... ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلاّ مثلها وهم لا يظلمون). ( الأنعام/ 160) ولهذه القاعدة ـ قاعدة العدل الإلهي ـ التي يرتبط بها الجزاء، والمكافأة آثار ونتائج نفسية وعقائدية وسلوكية على حياة الإنسان وعقيدته، فهي: 1 ـ تبني العلاقة بين الله سبحانه،وبين الإنسان المظلوم على أساس من ثقة الإنسان بربه،واطمئنانه إلى الإيمان بأن ما يصيبه من ظلم أو حيف في هذه الحياة لا يمكن أن يضيع ... وأن حساباً وجزاءً ينتظر الظالم والمظلوم معاً. 2 ـ إن الإنسان الذي يؤمن بالعقاب والمسؤولية والجزاء لا يمكن أن يصنع شقاءه وعذابه بيديه.. فهو يخشى العقاب، ويخاف جزاء المعصية،فيكون هذا الإحساس والخوف رادعاً للإنسان عن المعصية والجريمة،ومصححا لسلوكه واتجاهه في الحياة . لذلك كان العقاب والجزاء ضرورة نفسية للإنسان.. ضرورة لكسر دوافع الإجرام والطغيان في نفسه.ولتصحيح السلوك وتقويمه.. كما أنه ضرورة اجتماعية لأنه العامل الفعّال في حماية نظام الحياة،والحفاظ على الأمن والاستقرار وقيم الحق والخير فيها. ولو لا العقاب لاختلت موازنة العلاقة بين الأفعال والنتائج ـ ما دامت هناك معصية ـ ولضاعت قيم الأشياء ومعانيها؛ولأفلت أنوار العدل،وغابت من سماء الحياة.. فلذلك كله شرع العقاب وأقر مبدأ المكافأة والجزاء. والحمد لله رب العالمين
|
|