تربية واخـلاق

قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب
اسم الكتاب:  معالم التربية الإسلامية


المرتكزات الأساسية لمنهج التربية في الاسلام

تشكل الرسالة الاسلامية بكامل عناصرها وتعدد جوانبها وحدة فكرية وتشريعية وتوجيهية متماسكة لا ينفكّ بعضها عن بعض، ولا يستقل جانب منها عن جانب آخر.
فالمفهوم العقائدي في الاسلام لا يمكن أن ينفصل عن النص القانوني أو عن القيمة الأخلاقية أو الأفكار والمفاهيم الحياتية، فكلها تشكل وحدة البناء الرسالي والصيغة الموحدة المتناسقة للشريعة والرسالة الاسلامية.
لذلك فان موضوع بحثنا (التربية في الاسلام) لا يمكن أن ينفصل بأي حال من الأحوال عن نظرة الاسلام للانسان، وفهمه للكون والحياة، وتفسيره للسلوك والمواقف والأهداف الانسانية.. وإذن فلنحاول ـ انطلاقاً من هذا التصور ـ أن نلقي نظرة على المصادر الأساسية للفكر والمعرفة الاسلامية، فنستنتج منها أهم المرتكزات وأبرز المعالم والمنطلقات الفكرية لمنهج التربية والاعداد الانساني في الاسلام، لتكون أساساً لتخطيط المنهج التربوي، ومنطلقاً للتعريف بالسياسة التربوية في الاسلام.
ولو مارسنا مثل هذه الدراسة لاستنتجنا ما يلي:
1 ـ ينطلق المنهج الاسلامي من مبدأ أساس هو الايمان بنقاء الفطرة، واستعداد النفس الانسانية لتلقي الخير والشر. قال تعالى:
{ ونفسٍ وما سَوّاها* فألهَمَهَا فجورَها وتَقْواها* قدْ أفلحَ مَنْ زكّاها* وقدْ خابَ مَنْ دَسّاها}. (الشمس/7 ـ 10)
{فطرةَ اللهِ التي فَطَرَ النّاسَ عليها لا تبديلَ لِخَلْق اللهِ ذلكَ الدّينُ القَيّمُ ولكنَّ أكثرَ النّاسِ لا يعلَمُونَ }. (الروم/30)
وجاء عن الرسول الكريم (صلى الله عليه وآله):
(كلّ مولود يولد على الفِطرة، إنّما أبواه يُمجّسانِهِ أو يُهوّدانِهِ أو يُنصّرانِهِ).
وجاء عن الامام علي (عليه السلام) قوله: (.. وإنّما قلبُ الحَدَثِ كالأرض الخالية، ما أُلقي فيها من شيء قبلته)(7).
2 ـ إن عوامل البيئة والوراثة تؤثر في شخصية الفرد وحياته تأثيراً سلبياً وايجابياً، حسب ظروفها وطبيعتها.
قال تعالى:
{ وكذلكَ ما أرسلنا مِنْ قبلِكَ في قريةٍ مِنْ نذيرٍ إلا قالَ مُتْرَفوها إنّا وجدنا آباءَنا على أُمةٍ وإنّا على آثارهم مُقتدونَ }.(الزخرف/23)
وجاء في الحديث الشريف ما يؤكد دور الوراثة وتأثيرها على شخصية الانسان: (إختاروا لنطفكم، فإنّ الخال أحد الضجيعين)(8).
(انكحوا الأكفاء وأنكحوا فيهم واختاروا لنطفكم)(9).
3 ـ إن الاستعدادات والملكات والقوى البشرية، هي من حيث وجودها في كافة أفراد النوع الانساني واحدة.. إلا أنها تختلف في الدرجة والقوة والضعف. أي أن هناك خصائص إنسانية مشتركة بين الجميع، وهناك فروقاً فردية تميز بين فرد وآخر كملكات الأخلاق واستعداد الذكاء...إلخ.
لذلك فالاسلام يراعي هذه النقطة في التربية والاعداد.. كما يراعيها في التكاليف وترتيب المسؤولية.
4 ـ ان الانسان يملك الارادة وحرية الاختيار، وهو مسؤول عن هذا الاختيار، ومحاسب عليه ومجازى به ـ خيراً كان هذا الاختيار أم شرّاً ـ فهو يستطيع أن يصحّح مواقفه، وأن ينتصر على ذاته، وعلى البيئة والظروف المحيطة به، كما يستطيع الانسياق مع تيار الشر، والسير مع جموع الضلال، والسقوط في هاوية الرذيلة والفساد: { وهديناهُ النّجدَينِ }.(البلد/10)
{ بَلِ الانسانُ على نفسهِ بصيرةُ* وَلَوْ ألقى معاذيرَهُ }.(القيامة/14 ـ15)
(لا جبر ولا تفويض ولكنْ أمرٌ بين أمرين..)(10).
5 ـ إن التربية عملية بناء وإعداد إنساني وتقويم وبناء للجانب الخيّر من الانسان وحذف وإلغاء لكل مظاهر السلبية والانحراف، وإن المعرفة والثقافة هي دليل عمل، واكتسابها المجرد ليس بامكانه إلا أن يبني الفكر وحده:
(العلم مقرون إلى العمل، فمن عَلِمَ عَمِلَ، ومن عَمِلَ عَلِمَ، والعلم يهتف بالعمل فان أجابه وإلا ارتحل)(11).
6 ـ إن وجود القدوة والمثل الأعلى في التربية هو ركن أساس من أركان التربية الاسلامية. فالشخصية القدوة تمنح عملية التربية والتغيير الانساني مثلاً حسياً ملموساً، وقوة حركية تجسّد الفكر والمفهوم بشكل يدفع إلى الالتزام، ويشجع على التفاعل مع الفكرة والمبدأ:
{ لقدْ كانَ لَكُمْ في رسولِ اللهِ أُسوةٌ حَسَنةٌ }.(الأحزاب/21)
{ أُولئكَ الذينَ هدى اللهُ فبهداهُمُ اقتَدِه }.(الأنعام/90)
7 ـ التعلّم من أخطاء الآخرين والافادة من تجاربهم. قال تعالى:
{ أفَلَمْ يَسيروا في الأرضِ فَينظُروا كيفَ كانَ عاقبةُ الذينَ مِنْ قَبلهِمْ.. }.(يوسف/109)
{ أوَلَمْ يَسيرُوا في الأرضِ فَينظُروا كيفَ كانَ عاقبةُ الذينَ مِنْ قَبلهِمْ، كانوا أَشدَّ مِنهُمْ قُوّةً، وأثَاروا
الأرضَ وعَمَروها أكثَر مِمّا عَمَروها، وجاءتهمْ رُسُلُهُمْ بالبيّناتِ فما كانَ اللهُ ليظلِمَهُمْ ولكنْ كانوا أنفُسَهم يظلِمونَ }.(الروم/9)
(فبادَرْتُك بالأدب قبل أن يقسو قلبك، ويشتغل لُّبك، لتستقبل بجد رأيك من الأمر ما قد كفاك أهل التجارب بغيته وتجربته، فتكون قد كُفيتَ مؤونة الطلب، وعوفيتَ من علاج التجربة، فأتاك من ذلك ما قد كنا نأتيه، واستبان لك ما ربّما أظلم علينا منه...)(12).
8 ـ التربية مسؤولية فردية واجتماعية عامة:
{ يا أيُّها الذينَ آمنوا قُوا أنفسَكُمْ وأهليكُمْ ناراً وقودها النّاسُ والحِجارَةُ }.(التحريم/6)
{ ولتكُنْ منكُمْ أُمةٌ يدعونَ إلى الخيرِ ويأمُرونَ بالمعروفِ وَيَنْهَونَ عَنِ المُنكرِ وأُولئكَ هُمُ المُفلحونَ}.(آل عمران/104)
هذه هي أهم الاُسس والمرتكزات التي يقوم البناء التربوي على أساسها، وتخطّط المناهج وبرامج التربية بوحي منها.

قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب

 © حقوق الطبع محفوظة للبلاغ
Copyright © 2000 alblagh ORG. All rights reserved. info@balagh.com