قسم:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|
اسم الكتاب: الاسلام والرعاية البدنية
أوّلا: مد الجسم بحاجاته المختلفة:
أ ـ الطّعام والشراب: (فَلْيَنْظُرِ الانسانُ إلى طَعامهِ). (عبس/24) من عظيم ايات الله وبديع صنعه وعنايته بالانسان،أنْ جعل غذاءه الطبيعي المتوفّر في الارض متكوناً من عنصرين اثنين: 1 ـ عنصر المادة الطبيعية التي تسد الحاجة، كالاملاح والفيتامينات والكاربوهيدرات..الخ، بشكل مساو لحاجة الحيوان والنبات أحياناً باعتبارها أجساماً حيّة. 2 ـ وعنصر آخر أضافته العناية الاِلهية إلى الغذاء الانساني، بشكل يتلاءم مع الجانب النفسي والعقلي عند الانسان، وهو الجانب الجمالي وجانب اللّذة والاستمتاع، فجعل اللّذة والشكل الجمالي الجذّاب، هو المشجّع والعامل المساعد للانسان على الارتباط النفسي بالطعام والشراب والسعي نحوه. إضافة إلى إحساسه بألم الجوع والعطش، فالفواكه والخضروات واللحوم والعسل والسُّكر والجوز والماء...إلخ، كلّها تتشكّل ضمن إطار جمالي جذّاب ، وتحمل ذوقاً لذيذاً مغرياً يملا تلك العناصر الطبيعية، ويقدّمها للانسان ضمن هذا الجو الجماليّ المُسر، والاحساس المُشبَّع باللذة والاستمتاع. وقد تواردت نصوص وأحاديث كثيرة تقرّر حق الانسان بالطعام والشراب، والاستفادة من الطّيبات والملذّات، فقد روي عن رسول الله (صلى الله عليه وآله)أنّه كان يمتدح اللحم والزيت ويقول: (اللّحم سيّد الطعام في الدُّنيا والاخرة)(2) ويقول (صلى الله عليه وآله): (كُلوا الزيت، وادهنوا بالزيت، فإنّه من شجرة مباركة)(3). وقوله (صلى الله عليه وآله): (اللّهم بارك لنا في الخبز ولا تفرّق بيننا وبينه، فلولا الخبز ماصمنا ولا صلّينا، ولا أدّينا فرائض ربّنا عزّوجلّ)(4). وروي عن الامام الباقر (عليه السلام) قوله: (إنّ الله عزّوجلّ خلق ابن آدم أجوف، ولابدّ له من الطعام والشراب)(5) وورد عن الامام جعفر الصادق (عليه السلام) قوله: (إنّما بُني الجسد على الخبز)(6). وكان الامام الصادق (عليه السلام) يحثّ على أكل العسل والسمن واللبن والبقل والفواكه المختلفة، فيقول: (ما استشفى الناس بمثل العسل)(7). وروي عنه (عليه السلام): (السمن مادخل جوفاً مثله، وإنّني لاكرهه للشيخ)(8). وعنه أيضاً: (عليك باللّبن فإنّهُ ينبت اللّحم، ويشدُّ العظم)(9). وعنه أيضا: (أكل الباقلاء يمخخ الساقين، ويزيد في الدماغ، ويولّد الدّم الطّري)(10). وروي عنه أنّه سئل عن معنى قوله تعالى: (فَلْيَنْظُرْ أَيُّها أَزْكى طَعاماً فَلْيأتِكُمْ بِرزْق مْنهُ). (الكهف/19) قال: (أزكى طعاماً التمر)(11) وروي عنه (عليه السلام): (الزبيب يشدّ العصب، ويذهب بالنصب، ويُطيّب النفس)(12). وروي عنه (عليه السلام): (كلوا الكمثري فإنه يجلو القلب، ويسكّن أوجاعَ الجوف بإذن الله تعالى)(13). وروي عن الامام الرضا (عليه السلام)، قال: (التين يذهب بالبخر، ويشدّ الفم والعظم، ويُنبتُ الشعر، ويُذهب بالداء، ولايحتاج معه إلى دواء)(14). هذا وفي كتب الحديث من الاخبار والروايات، ماخصّص له العلماء أبواباً خاصة في مجال الاطعمة والاغذية ومنافعها، وكيفية استعمالها، والحثّ على الاستفادة منهاحفظاً على الصحة وعناية بالجسم. وقد قاوم الاسلام محاربة الجسد، والحرمان من الطعام والشراب واللذائذ المحلّلة، تلك المحاربة التي دعا لها المترهّبون والمتصوّفة وأمثالهم ممّن يعتقدون ان محاربة الجسد، وتعذيبه بالجوع والعطش والحرمان، يؤدي إلى تقوية الروح وتنمية الملكات النفسية والاخلاقية. فقد استنكر القرآن على هؤلاء المنحرفين موقفهم هذا من المتع الجسدية، والطيّبات التي أنعم الله بها على عباده فقال: (قُلْ مَنْ حرَّمَ زينةَ الله الَّتي أخْرجَ لِعِباده والطيِّبات مِنَ الرّزْقِ). (الاعراف/32) ب ـ الزّواج: راعى الاسلام كل جانب من جوانب الحياة بطريقة موضوعية واقعية، فأعطى الجسد حقّه والحياة حقّها. ومن تلك الموضوعات الجسدية والحياتية التي أولاها الاسلام اهتماماً خاصاً، هو موضوع الزواج والعلاقـة الجنسية لحفظ النـوع البشري، ولتوفير الاستقرار والسعادة النفسية، والاستمتاع الجسدي عند الانسان: قال تعالى: (وَمنْ آياتِهِ أَنْ خلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً لِتَسْكُنُوا إليْها وَجَعَلَ بَيْنكُمْ موَدَّةً وَرَحمَةً). (الروم/21) (فَما اسْتَمْتعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوُنَّ أُجُورَهُنَّ). (النساء/24) فبالعلاقة الزوجية تكتمل فكرة الحياة، ويتوحّد شقّا النظام الجسدي الانساني، ويتم إملاء الفراغ النفسي، والشعور بالوحدة، فيكتمل بهذا اللقاء الزوجي والوحدة الجنسية نفسياً وجسدياً. وقد حبّب الاسلام الزواج وحثّ عليه، واعتنى بالمُتعة الجنسية، لتوفير الراحة النفسية والشعور بالاستقرار والسعادة، وحماية الجسد من الحرمان والتوتّر الذي كثيراً مايتطّور إلى حالات مرضية تنعكس على النفس والجسد. وفي ذلك قال الله تعالى: (وَمِنْ آياتِهِ أنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً لِتَسكُنُوا إليْها وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمةً). (الروم/21) ففكرة العلاقة الزوجية في الاِسلام ـ باعتبارها النفسي ـ مرتبطة بجانب إملاء الفراغ النفسي وتوفير حالة من الاستقرار والوّد والتعاطف لاشباع هذا الجانب والتجاوب معه. ولايخفى ما لهذا الاحساس الانساني ـ إحساس الودّ والحبّ والاستقرار ـ من أثر على سير الحياة البشرية، وانتظام العلاقات والسلوك الانساني في ميدان الحياة الاجتماعية، والحفاظ على سلامة الصحة الجسدية والنفسية، وأهمية تتناسب مع دوافعها وأهدافها، فقد ورد عن رسول الله(صلى الله عليه وآله)قال: ماأُحبُّ من دنياكُم إلاّ النّساء والطيب)(15). وروي عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قوله: (إنّ خير نسائكم الولود، الودود، العفيفة، العزيزة في أهلها، الذليلة مع بعلها، المتبرّجة مع زوجها، الحصان على غيره، التي تسمع قوله، وتطيع أمره، وإذا خلا بها بذلت له مايريد منها، ولم تبذّل كتبذّل الرجل)(16). وروي عن الامام علي (عليه السلام) قوله: (تزوّجوا فإنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: من أحبّ أنْ يتّبع سنّتي فإن من سنّتي التزويج)(17). وروي عن الامام الصادق (عليه السلام): (ما أظنُّ رجلاً يزداد في الاِيمان خيراً إلاّ ازداد حبّاً للنساء)(18). وعنه (عليه السلام) أيضاً: (من أخلاق الانبياء (عليهم السلام) حبُّ النساء)(19). وعنه (عليه السلام) أيضاً: (ماتلّذذ النّاسُ في الدنيا والاخرة بلذّة أكثر لهم من لذّة النّساء، وهو قول الله عزّوجلّ: (زيّن للنَّاس حُبُّ الشَّهَواتِ مِنَ النِّساءِ والبَنينَ...))(20). (آل عمران/14) ج ـ الملبس والاناقة: يؤدّي اللباس بالنسبة للانسان دورين مهمّين في الحياة، فهو من جهة يكمّل نظام الجسم الطبيعي، لانّ للجسم درجة وجود خاصة به، بالنسبة لما حوله من ظروف طبيعية، من حرارة وبرودة ورطوبة وتبخّر...إلخ. فاللباس هو الاحتياط الواقي الذي يحافظ على استقامة الجسم، وحماية التعادل بينـه وبين ظروف الطبيعة المحيطة بـه، لذلك فالانسان يلجأ إلى اللباس فيغطّي جسده ليحفظه من تلك المؤثرات الطبيعية، والعوامل المؤثّرة عليه. وبالاضافة إلى هذه المهمة الصحيّة والجسمية للّباس، فإنّ له مهمة أخرى وهي مهمة الزينة والجمال، وستر عورة البدن، وقبح العري الذي يظهر به الاِنسان، وقد اهتمّ الاسلام باللباس واعتنى بحسن المظهر، وبالحفاظ على الاناقة والجمال عناية فائقة. ولم يهمل القرآن الحكيم هذا الجانب من مستلزمات الحياة، وضرورات الجسد وأشواق النفس إلى الزينة والجمال، بل أكّد على إقرارها والاعتراف للانسان بحق ممارستها، وعدّ تلك المتع نعمة من نعم الله تعالى، فقال: (يابَني آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنا عَلَيْكُمْ لِباساً يُواري سَوْآتِكُمْ). (الاعراف/26) (قُلْ مَنْ حَرَّمَ زينَةَ اللهِ الَّتي أخْرَجَ لِعباده). (الاعراف/32) (وَالانْعامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيها دِفْءٌ وَمَنافِع وَمِنْها تَأْكُلونَ* وَلَكُمْ فِيها جَمَالٌ حِينَ تُريحُونَ وَحين تَسْرَحُونَ). (النحل/5 ـ 6) (وَهُوَ الَّذي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتأْكُلُوا مِنْهُ لَحْماً طَريّاً وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حلْيَةً تَلْبَسُونها). (النحل/14) وهكذا أوضح القرآن رأي الدين في الزينة والجمال، وربط بين المتع الجمالية وبين مفاهيم العقيدة والاِيمان، ليؤكّد أنّ مايتمتّع به الانسان من مظاهر الزينة والجمال إنّ هو إلاّ نعمة من نعم الله سبحانه، توحي للنفس بالرضى والسرور، وتبعث فيها الحب والمتعة والاشراق، عن طريق الشعور العميق الصافي، والتقويم المتعالي للمعاني والقيم الجمالية داخل إطار الذات البشرية، وعلى أساس من وعيها لهذه القيم والموضوعات، ولا غرابة في موقف القرآن هذا، فإحساس الاِنسان بالجمال واندفاعه نحوه، شعور فطري ينبع من إحساس النفس، وتوجهها الفطري نحو الكمال، ومن بحثها عن الاحساس بالرضى والسرور. ووعي المسلم لموضوعات الجمال وقيمها لايقف متحجّراً عند حدّ الاحساس المادي والغرض الانفعالي العابر، بل يتعدّى كل ذلك ليوقظ في النفس جذوة الاشراق الروحي، والاحساس الوجداني الذي يسحب النفس من ركودها المادي وإحساسها البهيمي المتواضع، إلى عالمها العلوي وتوجهها الاخلاقي، فيكون هذا الاحساس وسيلة من وسائل النمو الروحي والتكامل النفسي والاخلاقي، وجعل الاستمتاع بطيّبات الحياة سبيلاً إلى ربط الانسان بخالقه. فالانسان قادر على أن يعي كل تلك الحقائق حينما يعيش إحساساً يقظاً بالقيم والموضوعات الجمالية، من لباس وأناقة وحسن مظهر، وحينما ينعكس هذا الاحساس على ذاته الباطنة، فتتفاعل معه وتندمج، لتكون صورة حيّة للحس والذوق الجميل، فيرتد هذا الحس سلوكاً ومواقف إنسانية تترفّع عن الممارسات والمواقف الشريرة الشوهاء التي تمسخ روح الجمال،وتكرّس صورة القبح والنفور. وقد وردت أحاديث ومواقف كثيرة، تتحدّث عن اهتمام الاِسلام باللباس والزينة وحسن المظهر، نذكر منها مايلي: روي عن الرسول (صلى الله عليه وآله) قوله: (قال لي حبيبي جبرائيل (عليه السلام): تطيّب يوماً، ويوماً لا، ويوم الجمعة لابدّ منه ولاتترك له)(21) وعن رسول الله (صلى الله عليه وآله) :(من اتّخذ شعراً فليحسن ولايته أو ليجزه...)(22). وقد روى الامام الصادق(عليه السلام)، عن الامام علي(عليه السلام): (إنّ الله جميل يحبّ الجمال، ويحب انْ يرى أثر النعمة على عبده)(23). وقد روى الاِمام الصادق (عليه السلام) لاحد أصحابه: (إظهار النعمة أحبُّ إلى الله من صيانتها، فإيّاك أنْ تتزيّن إلاّ في أحسن زي قومك)(24). وروى أحد أصحاب الامام الصادق (عليه السلام) قال: كنت حاضراً عنده، إذ قال له رجل:(أصلحك الله ذكرتَ أنّ علي بن أبي طالب (عليه السلام) كان يلبس الخشن، يلبس القميص بأربعة دراهم وما أشبه ذلك، ونرى عليك اللباس الجيّد؟ قال: فقال له: «إنّ علي بن أبي طالب (عليه السلام) كان يلبس ذلك في زمان لاينكر، ولو لبس مثل ذلك اليوم لشهّر به، فخير لباس كل زمان لباس أهله، غير أنّ قائمنا إذا قام لبس لباس علي (عليه السلام) وسار بسيرته»)(25). وروى أحد أصحاب الاِمام الصادق (عليه السلام) قال: (سألت أبا عبد الله ـ يعني الامام جعفر الصادق(ع) ـ عن الرجل يكون له وفرة(26) أيفرقها أو يدعها؟ فقال: يفرقها)(27). وروي عن الامام علي بن موسى الرضا (عليه السلام) انّه قال: (الطّيبُ من أخلاق الانبياء)(28). وبضمّنا الايات القرآنية الواردة بهذا الشأن إلى بعضها، ودمج مفاهيم الاحاديث الانفة الذكر معها ـ بالاضافة الى عشرات الاحاديث الاخرى التي تتحدّث عن رأي الاسلام بهذا الجانب الانساني ـ نستنتج أنّ الاسلام يحثّ الانسان المسلم والمجتمع المسلم على الزينة والجمال، ليستشعر أفراده شفافية الوجود، وروح الجمال التكويني، والابداع الالهي الذي ملك عليهم قلوبهم، ويشدّها متّجهة نحو الحقيقة الجمالية الكبـرى القائمة في الصفات الالهية المقدّسة فتغمرهم السعادة،والحب الالهي،ويزداد تذكرهـم لنعم الله وشكرهم له. ويكفي في احترام الاسلام لفكرة الجمال، أنْ جعله جزاءً ومشوّقاً للانسان في عالم الفردوس والنعيم. فالقرآن ماتحدّث بشيء من نعيم الاخرة إلاّ وأفاض عليه إشراقة الجمال، ولا تعرّض لجزاء المحسنين إلاّ وحبَّبه بجاذبية الحسن والمتعة الجمالية، ممّا يؤكّد أنّ الجمال في نظر القرآن أرقى موضوعات الوجود في عالم الانسان إلى درجة تؤهّل الجمـال أن يكون جزاء المحسنين من النبيين والشهداء والصدّيقين في عالم الفردوس. د ـ الراحة والنوم: وهذا الجسد: هو تلك الالة الحركية التي تبذل جهداً وطاقة لمقاومة العالم المحيط بها حين الحركة وإنجاز الاعمال، فهي تصرف كثيراً من طاقاتها وقوتها الذاتية، فتشعر بالتعب بسبب اختلال معادلة التوازن بين قوى الجسم الذاتية، وبين القوى الطبيعية التي يتعامل معها، وشعور الجسم هذا بالتعب يأتي من جرّاء البذل المتواصل للطاقة والجهد، ومن الاستهلاك الجسدي لهذه الطاقة ممّا يُضعف المقاومة، ويضطر الجسم إلى السكون والتوقف في مكان آمن مريح، ليعيد بناء نفسه من جديد، ويدفع عن ذاته مردودات الحركة وآثارها المرهقة، فيأوى إلى النوم. والنوم ليس اختراعاً بشرياً، ولامصادفة جسدية فرضت نفسها على الانسان، بل هو جزء من نظام الوجود المتقن الذي دبّره الصانع الحكيم: (صُنْعَ اللهِ الذي أَتْقَنَ كُلّ شَيء إنَّهُ خبيرٌ بِما تَفْعَلُونَ). (النمل/88) ولو لم يكن النوم جزءاً من نظام الجسم، لكان هناك نقص وقصور في نظام التكوين، والتنظيم الجسدي عند الانسان. لذا فإنّ الله بعلمه وحكمته جعل النوم راحةً للانسان وسكناً له: (وَمِنْ آياتِهِ مَنامُكُمْ بِاللَّيْلِ والنَّهارِ). (الروم/23) فالنوم آية من آيات الله يتهيّأ لها الجسم بعد كل فترة زمنية، ليمارس الانسان عملية غياب مؤقت عن الاحساس بمردودات العالم الخارجي التي ترهق الجسم وتتعبه، لاعطائه فرصة الاستراحة والبناء، واستعادة القوة التي افتقدها. وقد حثّ القرآن الكريم، والاحاديث الشريفة على الراحة والنوم والاستكانة في الليل، والقيلولة أثناء النهار، لتتّم للانسان الراحة والسعادة في الحياة ولينقذ الانسان نفسه من الجشع والشراهة في جمع المال والسعي والجهد المرهق الذي يذهب بصحته وراحته، ويعرّضه لكثير من الامراض العصبية والنفسية والجسدية، فتضيع سعادته ومتعته في الحياة. لذلك حدّد القرآن الكريم للانسان نظام الراحة والنوم، ليأخذ حاجته ونصيبه الضروري منها، فقال تعالى: (وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِباساً والنَوْمَ سُباتاً). (الفرقان/47) وهذا النوم، الحاجة الضرورية للجسم، حذّر الاسلام من الاسراف فيها أو اللجوء إليها إلاّ بقدر مايحتاج الانسان منها، لئلا يتجاوز الانسان حدّ الحاجة والاستراحة، فيستولي عليه الكسل والخمول، لانّ الانسان في نظر الاسلام كتلة من النشاط والانتاج، وشحنة من عطاء الخير والابداع، لايجوز تعطيلها ولا العبث بها، لذا كَرِهَ الاسلام الخمول والفراغ وضياع الوقت والطاقة الانسانية بالنوم والكسل. فقد ورد عن الامام الصادق (عليه السلام): (كثرة النوم مذهبة للدين والدنيا)(29). وورد عن الامام علي بن موسى الرضا (عليه السلام) قوله: (إنّ الله عزّوجلّ يبغض العبد النّوام الفارغ)(30). هـ ـ الرياضة البدنية: الرياضة هي تعويد الجسم وتدريبه، وتمرينه على الحركات الجسدية التي تمنحه القوة والرشاقة والخفة وسرعة الحركة، ليتمكّن من تحمّل المتاعب والمشاق، ويستطيع مقاومة الامراض وعوامل الضعف، ويقدر على إنجازات أكبر، فيؤدّي عطاءً أوفر في الحياة. والرياضة تربيّ الشعور بالقوة وبالفتوة والبأس، وتنمّي عند الانسان روح الصبر والشجاعة والثقة بالنفس. والاسلام يؤمن بالقوة والفتوة والنشاط، ويحارب الميوعة والتحلّل والكسل والترهّل والخمول، فقد جاء في الحديث الشريف: (إياك والكسل والضجر فإنّك إنْ كسلتَ لم تعمل، وإن ضجرت لم تعط الحقَّ)(31). (تجنّبوا المُنى فإنّها تُذهب بهجة ماخوّلتم، وتستصغرون بها مواهب الله تعالى عندكم، وتعقبكم الحسرات فيما وهَّمتم به أنفسكم)(32). (إنّ الاشياء لما ازدوجت، ازدوج الكسل والعجز فنتجا بينها الفقر)(33). فإلى تلك الاهداف والروح دعا القرآن أُمّته، وحثّها أن تربيّ أجيالها، وتزرع فيهم روح القوة، فقال تعالى: (وَأَعدّوا لَهُمْ مااسْتَطعْتُمْ مِنْ قُوَّة). (الانفال/60) وللغاية نفسها جاءت دعوة الرسول (صلى الله عليه وآله) للمسلمين لتربية أبناءهم تربية بدنية نشطة، فقال: (علِّموا أولادكم السِّباحة والرِّماية)(34). فبهذه الدعوة إلى الفتوة والرياضة فتح الرسول (صلى الله عليه وآله) الباب على مصراعيه لكل ألوان الاعداد البدني، والتربية الرياضية التي تساهم في بناء الجسم، والحفاظ على قدراته الجسدية. وقد جاءت الاحاديث والروايات وكلّها تؤكّد ذلك وتحث عليه، بل وتتحدّث عن مشاركة رسول الله (صلى الله عليه وآله) في السباق، ومشاهدته وتشجيعه له. فقد روي عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أنّه فسّر قول الله عزّوجلّ: (وأعدّوا لَهُم مااستطعتُمْ من قُوة وَمِنْ رِباطِ الخَيْلِ). قال: الرّمي(35) وعن الامام علي بن الحسين (عليه السلام)، قال: (إنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) أجرى الخيل وجعل سبقها أواقي من فضّة)(36). وروى الامام الصادق (عليه السلام): (إنّ رسول الله أجرى الخيل التي أضمرت من الحفياء إلى مسجد بني زريق، وسبقها من ثلاث نخلات، فأعطى السابق عذقاً، وأعطى المصلي ـ أي الفائز الثاني ـ عذقاً وأعطى الثالث عذقاً)(37). وروى الامام الصادق عن آبائه أهل البيت (عليهم السلام) فقال: (الرّمي سهم من سهام الاسلام)(38) (أغار المشركون على سرح المدينة، فنادى فيها مناد: ياسوء صباحاه، فسمعها رسول الله (صلى الله عليه وآله) في الخيل، فركب فرسه في طلب العدو، وكان أوّل أصحابه لحقه أبو قتادة على فرس له، وكان تحت رسول الله (صلى الله عليه وآله) سرج دفّتاه ليف، ليس فيه أشر ولا بطر، فطلب العدو فلم يلقوا أحداً. وتتابعت الخيل، فقال أبو قتادة: يارسول الله، إنّ العدو قد انصرف، فإن رأيت أن نستبق؟ فقال (صلى الله عليه وآله): نعم، فاستبقوا، فخرج رسول الله (صلى الله عليه وآله) سابقاً عليهم، ثمّ أقبل عليهم فقال: أنا ابن العواتك (39) من قريش، إنّه لهو الجواد البحر ـ يعني فرسه ـ)(40).
|
|
|
قسم:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|