تربية واخـلاق

قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب
اسم الكتاب:  الاسلام والرعاية البدنية


ثالثاً: توظيف قدرات الجسم في مجالها المناسب:

وهكذا يتّخذ المنهاج الاِسلامي صيغة تكاملية منظّمة، تستوعب نظام الجسم وحاجاته المادية المختلفة، مبتدئاً بتوفير حاجات الجسم المادية والغريزية في المرحلة الاولى، ومخطّطاً لحمايته، والحفاظ عليه في المرحلة الثانية، لينتهي إلى أخطر مراحل التنظيم في المرحلة الثالثة، وهي مرحلة توظيف الطاقة البشرية، وبيان كيفية استعمالها واستثمارها.
فالطاقة الانسانية هي طاقة في هذا الوجود، وهي أرقى من أيّة قوة مخلوقة، بنوعها وقيمتها وطبيعتها، إذا مااستغلّت استغلالاً سليماً وفق منهج الله وحكمته.
ولكي تتوفّر للانسان المعرفة الاستعمالية الكاملة، ولكي يتمكّن الانسان من استثمار هذه الطاقة البشرية الضخمة وتوظيفها في مشاريع الخير والبناء والاعمار.
لكي يستطيع الانسان ذلك، حدّد الاسلام منهاج السلوك والحياة، لئلا ينحرف باستعمال هذه الطاقة البشرية، فيسلك بها مسار الشر والعدوان، ويستهلكها في ممارسة العبث والهدم والضياع بدلاً من استعمالها في مجالات الخير والصلاح والانماء.
ولكي يحقّق الاسلام ذلك، نبّه الانسان إلى قضية بالغة الخطورة والاهمية، وهي أنّ شعور الانسان المتزايد بالقوة وإحساسه بالتفوّق، وامتلاك القدرة، يجب أنْ لايسوقه إلى الغرور والفوضى والفساد، فيقوده هذا الطيش والغرور لاستعمال طاقاته في مواضع التخريب والعدوان، واستهلاكها في مجالات العبث والانحراف، بل يجب عليه أن يوظّفها في عمليات تؤهّلها لاحتلال موقعها اللائق بها بين قواعد الوجود والحياة لتكون قوة خلاّقة، وحركة رائدة في مجال الخير والبناء.
فالاسلام يعتبر استعمال هذه القدرات الانسانية استعمالاً منحرفاً، عدواناً على نظام الوجود، وخروجاً على إرادة الحق والخير، وهدراً لقيمة الانسان وأهدافه النبيلة، وتضييعاً لها في هذه الحياة.
لذا تعالى صوت القرآن الكريم محذّراً من السقوط في هذه الهوّة السلوكية المدمّرة، فقال تعالى:
(وَابْتغ فيما أتاك الله الدّارَ الاخرة، ولا تَنْسَ نصيبَكَ منَ الدُّنْيا، ؤَأَحسنْ كما أحسَنَ الله إليكَ، وَلا تَبْغِ الفَسادَ في الارْض إنّ الله لايُحبُّ المُفْسِدينَ). (القصص/77)
وقال تعالى:
(كَلاّ إنَّ الانْسانَ لَيَطْغى* أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى). (العلق/6 ـ 7)
(وَلَوْ بَسَطَ الله الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لبغَوْا في الارْضِ). (الشورى/27)
(إنَّما السَّبيلُ على الَّذينَ يَظْلِمُونَ النّاس وَيَبْغُونَ في الارضِ بِغَيْرِ الحَقِّ). (الشورى/42)
(فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا وَلا يَغُرَّنّكُمْ بِاللهِ الْغَرورُ). (لقمان/33)
(فَأَمَّا عادٌ فاسْتَكْبَروا في الارضِ بِغَيْر الحَقّ، وَقالوا مَنْ أَشَدُّ مِنّا قُوّةً، أَوَ لَمْ يَرَوْا أَنَّ اللهَ الَّذي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً، وَكانُوا بآياتِنا يَجْحدونَ). (فصّلت/15)
وبالنظرة المتأمّلة الفاحصة لهذه النصوص القرآنية الكريمة، نستطيع أنْ نستنتج أنّ:
البغي، الفساد، الكبرياء، الطغيان، الظلم، والغرور كلّها حالات نفسية شاذّة، وشعور إنساني منحرف، وتقويم سيّء لقدرة الانسان وطاقاته، دفعت بالانسان إلى استعمال طاقاته وقدراته الجسدية والعقلية والنفسية استعمالاً طائشاً وهدّاماً. لذا حذّر القرآن الانسان من هذا الشعور، والاستعمال الشاذ الذي قاد البشرية على مرّ عصور التاريخ إلى هاوية السقوط، وساقها إلى منحدر المآسي والالام:
ولكي يعرف الانسان قيمته الحقيقية، ويضعها في موضعها اللائق بها، راح القرآن يلفت نظره إلى عظمة خالقه، وقدرة موجده، وتفاهة شأن الانسان بالنسبة للخالق العظيم، ويردّد على مسامعه:
(أَوَ لَمْ يَرَوْا أَنَّ الله الَّذي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوةً). (فصّلت/15)
ويأتي الحديث الشريف صياغةً ثانيةً لهذا المفهوم القرآني النبيل فيقول:
(... إذا دعتك القدرة إلى ظلم الناس فاذكر قدرة اللهِ عليك)(52).
كل ذلك ليستعمل الانسان قوّته وطاقته لصالح نفسه، ولخير البشرية جمعاء وفق منهج القرآن، وموازينه السلوكية الرائعة:
(وَأَحْسنْ كَما أَحْسَنَ اللهُ إليْكَ وَلاتَبْغِ الفَسادَ في الارضِ إنَّ الله لاَيُحبُّ المُفْسِدِينَ). (القصص/77)
هذا وقد عرض القرآن الكريم نموذجاً رائعاً لشخصية الانسان المؤمن الذي يُحسِنُ استعمال طاقته، ويعرف كيف يتصرّف بها فقال:
(الّذِينَ إنْ مَكَّنّاهُمْ في الارضِ أَقامُوا الصّلاةَ وَآتُوا الزّكاةَ وَأَمَروا بالمعْرُفِ ونَهَوْا عَنِ المُنْكرِ ولله عاقبَةُ الامُورِ). (الحج/41)
وهكذا أتقن الاسلام منهاجه لتنظيم حياة الانسان الجسدية والغريزية بشكل دقيق ومتوازن، ليكون الجسم في وضع طبيعي من حيث تزوّدهِ، بحاجته، أو حمايته والحفاظ عليه، واستعماله وصرفه لطاقته.
جاء إعرابي إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال:
(مَنْ خير الناس يارسول الله؟).
قال:
(خيرُ الناس مَنْ طال عُمُرُهُ وحسُنَ عملُهُ).
وهذه الحالة الطبيعية السليمة هي التي نسمّيها بالصحة، وهي التي جاء عنها في الحديث الشريف:
(نعمتان مجهولتان: الصحّة والامان).
فالصحّة نعمة، وهبة من الله سبحانه يجب الحفاظ عليها، والاستفادة منها، والتقرّب إلى اللهِ بها.

قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب

 © حقوق الطبع محفوظة للبلاغ
Copyright © 2000 alblagh ORG. All rights reserved. info@balagh.com